كما هو معروف جيداً فإن لدى فرنسا تأريخاً دستورياً مضطرباً، إذ مرّ عبر العديد من الأنظمة السياسية المختلفة، فمنذ الثورة الفرنسية في عام 1789 أصدرت الدولة ما لا يقل على خمسة عشر دستوراً. وعلى هذا كتب فان نيفتريك: “إن الفرنسيين على دراية جيدة بالدساتير! إذ لا يمكن للمرء أن يختلف حول اعتبار تأريخ فرنسا حديقة مثمرة للفكر الدستوري، أو مقبرة للتجارب الدستورية، أو “دستوراً للدساتير”، وفي كل الأحوال لا شك بأن الفرنسيين لديهم خبرة في الدساتير والتغييرات الدستورية”[1].

اُعْتُمد في فرنسا الدستور الحالي الذي ينصُّ على القواعد الأساسية للجمهورية الفرنسية الخامسة في عام 1958، وهو أطول دستور فرنسي دائم بعد القوانين الدستورية للجمهورية الثالثة (1875). لكن مثل هذه الاستمرارية لم تأتِ من دون إجراء إصلاحات وتعديلات عليه، وشهد الدستور الخامس تعديلاً لنصه الدستوري أربعاً وعشرين مرة حتى الآن. ولكن إذا كانت رحلة فرنسا حافلة بالأحداث، فإنها لم تكن بلا جدوى، إذ يمكن للمرء أن يجادل بأن الفكر السياسي الثري في فرنسا أجبر مثل هذه التعددية المؤسسية للسعي نحو الكمال، وهناك بعض الفوائد لمثل هذه التجارب والأخطاء، فقد تعلمت فرنسا في وقت مبكر تحديد ما لم تكن تريده.

أما ما يخصّ أهمية الدستور في الحياة السياسية الفرنسية فمن المهم العودة إلى ما قبل عام 1958، حيث كان النظام مرتكزاً إلى مبدأ الإرادة العامة، الذي كان -كما قال جان جاك روسو-: (الإرادة العامة)volonté générale[2].

وعلى هذا النحو كان الدستور ذا سيادة ويجب ألا يخضع للرقابة القضائية. وإن هذا التردد في وضع القوانين تحت أي نوع من الإشراف القضائي يذكرنا أيضاً بعدم الثقة التي طال أمدها للطبقة السياسية الفرنسية والمجتمع تجاه القضاة، التي يعود تأريخها إلى النظام الفرنسي القديم “Ancien Régime”، حيث كان القضاة (البرلمانيون) مهتمين في الغالب بالحفاظ على امتيازاتهم؛ وبناءً على ذلك، كان الدستور في الأساس وثيقة رمزية، ولم يمتلك أي آلية إنفاذ جدية.

لقد نصّ دستور عام 1946 (المادة 91) على أن “اللجنة الدستورية” Comité Constitutionnel عليها التحقق مما إذا كان اعتماد التشريع يتطلب تنقيح الدستور. ومع ذلك، كان الإجراء صعباً وما يزال غير مستخدم.

لقراءة المزيد اضغط هنا