“التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم” (نيلسون مانديلا).

قبل وقت طويل من ظهور فرنسا كدولة ديمقراطية، لطالما كانت تطمح هذه الدولة لرفع الأمة قبال الوصول إلى المبادئ التي أراد نخبة المفكرين رؤيتها، إذ كتب عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في التعليم وعلم الاجتماع: “لكل أمة نظامها التعليمي الخاص بها الذي يعكس هويتها تماماً كما تعكس الأخلاق، والآراء السياسية، والميول الدينية هويتها الوطنية”. ويعكس أسلوب التعليم في كل دولة رؤية الأمة اجتماعياً، إذ إن الطفل الذي ولد وترعرع في بلد جمهوري سيكتسب بالتأكيد الصفات التي تتمسك بها الدولة.

ويفترض دوركايم في تحليله للدور الذي يؤديه التعليم في المجتمع، أن الدولة ستطمح في نهاية المطاف إلى قولبة الجيل القادم ليعكسوا صورتها بوضع نظام تعليمي يتماشى مع رؤيتها السياسية والفلسفية، ويتفق التأريخ مع هذا التأثير في حال نظرنا إلى الدور الذي أدّاه التعليم في روسيا السوفيتية كقناة، وتوسعة لمبادئ تأسيس الدولة.

فإذا كان التعليم –أو الحق في التعليم بنحوٍ أدق- إحدى حملات الناشطين الاجتماعيين لاعتقادهم بأنها تصمم النظام الاجتماعي -الذي يظهر فيه انعدام المساواة استناداً إلى إمكانية الوصول إلى المعرفة-، فإن الحقائق العصرية قد جعلت من التعليم امتداداً لبصمة أي دولة اجتماعياً وسياسياً ومالياً، وجزءاً لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي لها.

فإذا أشار نيلسون مانديلا إلى التعليم باعتباره وسيلة لارتقاء الأفراد نحو مستوى اجتماعي أعلى، فإن التعليم في سياق بناء الدولة لديه القوة أيضاً في “تغيير العالم”.

وفيما يخص التعليم كمؤسسة مستقلة، فإن لدى فرنسا ثروة كبيرة من الحكمة لتنقلها إلى الدول النامية، وخلافاً للعديد من الدول المعاصرة لها، فقد تعاملت فرنسا مع التعليم على أساس جاذبيتها الفكرية والحضارية، وليس باعتبارها مؤسسة تجارية لجني الأرباح منها.

فعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، أغلقت فرنسا الفجوة التي تكونت مع العديد من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فيما يخص التحصيل العلمي لسكانها. وتكمن إنجازات نظام التعليم الفرنسي في الزيادة الكبيرة بنسبة الشباب الذين يكملون دراستهم الثانوية أو ما يعادلها، والتوسع الكبير في نسب الالتحاق بالتعليم العالي في الثمانينيات، وإنشاء المعاهد التعليمية الجامعية الجديدة في عام 1966، فضلاً عن تطوير مسارات المناهج الدراسية على مستوى الجامعة.

وقد رافق ارتفاع مستويات التحصيل العلمي في فرنسا زيادة كبيرة في مستوى المهارات لدى سكانها.

نظرة عامة على نظام التعليم في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(EAG 2017) OECD:

  • يُعيّن 89% من الخريجين الشباب -في قطاع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات- في سوق العمل، مقارنة مع 77% من خريجي الفنون والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية والصحافة والمعلومات.
  • يكون الإنفاق السنوي للمؤسسات التعليمية على الطلبة في المرحلة الابتدائية أقل بنسبة 15% من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في حين أنها أعلى بنسبة 37% بالنسبة لطلبة المرحلة الثانوية.
  • يشكل الطلبة الأجانب نسبة 10% من الملتحقين في المؤسسات التعليمية الفرنسية، في حين أن 4% فقط من الطلبة الفرنسيين يقررون الذهاب للدراسة في الخارج.
  • يشكل خريجو التعليم العالي من الفئة العمرية 25-34 نسبة 44% وهي أعلى من المتوسط ​​في جميع أنحاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في البلدان الأوروبية.
  • يلتحق عدد كبير من الصغار برياض الأطفال في فرنسا (الذين تبلغ أعمارهم 3 سنوات تقريباً)، ويبلغ الإنفاق على رياض الأطفال 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي وهو أعلى من المتوسط ​​في جميع أنحاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
  • ازدادت نسب النجاح في المسارات المهنية (CAP/BEP) بنحوٍ ملحوظ في فرنسا، كما ازدادت نسب الاستثمار في هذه البرامج أكثر من البرامج العامة، إلا أن معدلات عمالة الشباب ذوي المؤهلات المهنية أقل مما هو عليه في البلدان الأخرى.
  • یحضر الطلبة في المرحلة الابتدائية 162 یوماً تعليمياً في السنة، ويعد أقل عدداً مقارنة مع جميع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلا أن الطلبة يحضرون 864 ساعة مقارنة بمتوسط الساعات التي تبلغ ​​800 ساعة في جميع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

اتباع النهج الفرنسي في التعليم

على مرّ القرون والعقود التي شهدت تغير عدة أنظمة حاكمة، واجهت فرنسا متغيراً واحداً هو: صياغة نظامها التعليمي. وخلافاً للعديد من الدول المعاصرة لها، فقد اعترفت فرنسا بأن التعليم هو حق أساسي قبل أن يكون أداة سياسية، ويرجع ذلك إلى رؤية فرنسا لأبعد من احتياجاتها السياسية والمؤسسية المباشرة.

وكان التساؤل الأول الذي واجهته الجمهورية الفرنسية الثالثة -التي عدّت نفسها نظاماً تعليمياً قادراً على تحرير مواطنيها وتمكينهم على أساس المساواة الاجتماعية والقانونية- هل يجب على المدرسة أن تتبع الكنيسة -كما كان الحال لمدة طويلة جداً- أو إلى الأُسر… أو إلى الدولة؟

على الرغم من أن التساؤل لم يكن جديداً، إلا أن إجابته تحدد مصفوفة المؤسسة الجمهورية الفرنسية، وتسمح بنشر “الأنموذج الفرنسي” بأكثر من طريقة وتطبيقه في بلدان أخرى. وعلى الرغم من وجود العديد من المنتقدين للعلمانية الفرنسية، إلا أنها سمحت بإضفاء الطابع الديمقراطي لنظام التعليم الفرنسي كونه أداة اجتماعية لتمكين الشعب.

وقد أكد بعض المفكرين مثل (لويس رينيه دي كاراديوك لا تشالوتايس، وجان بابتيست كريفييه) الحاجة إلى صياغة نظام تعليمي وطني -وهو التعليم الذي تقدمه الدولة لصالح الدولة-، قال لا تشالوتايس: “إن لأي دولة الحق في إعطاء التعليمات لسكانها؛ إذ يجب أن يُربّى أطفال الدولة من قبل أعضاء الدولة”.

وتعد الجمهورية الفرنسية الثالثة وريثة (التنوير والثورة)؛ مما تؤكد ظهور دولة تربوية بعيدة عن سلطة الكنيسة والأسرة، وأصبح شعار فرنسا “الحرية والمساواة والأخوّة” في اليوم الذي أعلن فيه جول فيري أن المدرسة العامة حرة وعلمانية وإلزامية، فلم يصبح التعليم إحدى الحقوق فحسب بل أصبح إلزامياً بالقانون.

وهناك تساؤل آخر لا يمكن تجاهله يرتبط بالأولوية الأساسية للمساواة، هو: كيف ستعمل المدرسة على أن تصبح أداة لإرساء الديمقراطية وتسمح بتحرير الجميع من أعباء الحتمية الاجتماعية؟ وبما أننا جميعاً منتجات بيئتنا، فكيف يمكن للجمهورية أن تصوغ نظاماً يتجاوز جميع أوجه الاختلاف؟

وقد قدم جولز فيري أولى الإجابات عن طريق منح الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و13 عاماً إمكانية الحصول على تعليم متماسك وموحد في مرحلة التعليم الابتدائي. ولكن ما تزال هناك مسألة الحصول على التعليم الثانوي، الذي سيكون أساساً للعديد من مشاريع الإصلاح في حقبة ما بين الحربين العالميتين.

ولمعالجة التفاوتات الاجتماعية، اتبع الوزير إدوارت هيريوت عام 1926 مبدأ الدمج؛ مما أدّى إلى إجبار وجود تلاميذ من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية في الصف الواحد؛ لتحسين شعور التلاميذ بالمسؤولية الشخصية تجاه نجاحهم بناءً على جهودهم الشخصية، إذ إن جميع الأفراد تحت علم الجمهورية متساوون.

وقد امتازت حقبة نهاية القرن التاسع عشر في فرنسا بإبداء أهمية للإصلاحات المدرسية التي دافع عنها جول فيري، عبر تقديم التعليم المجاني في عام 1881 ومن ثم التعليم الإجباري والعلماني. وصمّم فيري نظاماً وطنياً (للتعليم المفتوح للجميع)؛ لتدريب مواطني المستقبل في الجمهورية الثالثة الناشئة آنذاك. في هذا السياق، أصبحت المدرسة بوتقة للوحدة الوطنية، وقد أدى المعلمون -كما يذكر جان ميشال غايلارد- دوراً أساسياً من خلال الظهور باسم “أفضل ضامن للنظام الجمهوري والديمقراطية السياسية والاجتماعية”.

ويشير تحليل لكتابات جول فيري إلى أن وزير التعليم العام والفنون الجميلة كان مؤيداً قوياً لفكرة المساواة الاجتماعية والأكاديمية، ويؤكد عنوان خطابه الشهير في سال موليير 10 نيسان 1870 “المساواة في التعليم” الذي ينادي لصالح هذه الفكرة.

وكانت وجهة نظر فيري أكثر تعقيداً، إذ يرى كلود ليليفر أن وجهة نظر فيري لم تكن حول ما يمكن القيام به لتعزيز فكرة “التسوية المطلقة للظروف الاجتماعية، التي من شأنها أن تخمد علاقات القيادة والطاعة في المجتمع”، بل كانت “مسألة وجود سيد وخادم لكلا الطرفين حقوق محددة ومتوقعة، ولكل منهما واجبات عليهما تأديتها”.

وأوضح ثيودور زيلدين تلك النقطة بنحو أفضل لفهم أوسع لنطاق وحدود الفكر “الديمقراطي” الذي نادى به جول فيري؛ إذ لم يكن فيري مهتماً بالحراك الاجتماعي، فقد أراد أن يتساوى الرجال في حقوقهم وكرامتهم، وكان القصد من النظام الذي يمنح الحقوق والالتزامات أن تحل محل القمع الطبقي.

ويعد التقليل من تقدير دور التعليم كأداة استراتيجية لبناء الدولة إساءةً لفهم ما يشكل السيادة الوطنية. وإذا كان دور الجيوش يكمن في تأمين السلامة الإقليمية لأي أمة والحفاظ عليها، فإن التعليم سلاح قويّ ضد التجزئة الاجتماعية والركود الاجتماعي والاقتصادي.

التعليم كأداة للتنمية الاجتماعية والسياسية الاستراتيجية

لقد وضعت فرنسا نظامها التعليمي حول تلك القيم التي أرادت أن تجسد جمهوريتها على وفقها، ويبقى أبرز إنجازات فرنسا نظامها التعليمي الوطني والقيم التي شاركت في وضعها. وكانت فرنسا في عهد جولز فيري آخر حقب التفاوت الاجتماعي؛ إذ في نيسان عام 1970 أعلن الوزير آنذاك في سال موليير أن المساواة هو شرط أساسي للتعليم، وفي هذا الخطاب أعرب فيري عن عزمه إلغاء امتيازات الثورة الفرنسية. وقال فيري: “إن وجود تعليم غير متكافئ سيؤدي إلى انعدام وجود مساواة في الحقوق، التي تعدُّ أساساً للديمقراطية”، وأضاف: “أن ما أسميه القيادة الديمقراطية لا يكمن في التمييز بين الرتبة العليا والدنيا، بل هناك رجلان متساويان في الحقوق يتعاقدان معاً ويعلم كل منهما حقوقهما المحددة وواجباتهما”، وستستغرق فرنسا عدة عقود لعمل إصلاحات من أجل توسيع نطاق برنامجها “للتعليم المجاني للجميع”، وذلك بإدراج التعليم الثانوي، ثم التعليم الجامعي.

وخلافاً للعديد من الديمقراطيات الغربية الحديثة الأخرى، حافظت فرنسا على تفانيها في نظام تعليمي وطني حرّ، وأصبح التعليم أحد الموضوعات الرئيسية للفكر السياسي الوطني في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد كان التعليم موضوعاً أساسياً في العديد المقالات في الصحافة اليومية والدراسات في الدوريات العلمية والطلبات الحكومية دون إغفال التوصيات الصادرة عن المنظمات الدولية المرموقة، وشرعت الاستثمارات في مجال التعليم الآن أن تكون مصدر قلق للبلدان النامية.

وبعد استعمار فرنسا للجزائر، كتب الجنرال شارك ديغول: “يجب أن يكون تحرير فرنسا مصحوباً بتجديد مؤسساتها في جميع المجالات، ولا بدَّ من تحقيق تحولات عميقة في النظام السياسي، وفي النظام الاقتصادي، وفي النظام الاجتماعي”. ولذلك وضعت العديد من خطط الإصلاح، وجاءت لإلهام عمل لجنة مكرّسة لتحسين التعليم التي تشكلت في 21 كانون الثاني 1944 بواسطة رينيه كابيتانت -مفوض التربية الوطنية والشباب-، وكانت دوافع هذا المشروع الأولي واتجاهاته صريحة للغاية؛ “إذ إن التطلعات نحو تجدد قوي ليست مبهمة، ففرنسا تعرف ما ينقصها قبل نشوء الحرب، وقد وضعت خطة للإصلاح في الأعوام 1937، 1938، 1939، وكان الإصلاح قد تم بخطى صغيرة وبطيئة، ولكن في النهاية قد حققت غايتها”.

وتحت قيادة رينيه كابيتانت أعادت فرنسا النظر في نظام التعليم بأكمله لتشمل رؤية وطنية جديدة؛ مما يثبت مرة أخرى أن التعليم على مستوى الدولة هو في الواقع عمل سياسي كبير. فكان ينظر إلى التعليم في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية كوسيلة لتصحيح الانزعاج من مدة الاحتلال وإعادة تأكيد القيم الجمهورية في السرد الوطني.

وتعزز الإصلاحات التي تلت تلك المدّة هذه الفكرة، وفتحت نافذة مثيرة للاهتمام في الارتباطات القائمة بين الحقائق الديموغرافية كارتفاع عدد السكان -على سبيل المثال-، ورغبة الدولة في “إضفاء الطابع الديمقراطي” على نظامها التعليمي الوطني.

ومع حسبان التعليم حقاً طبيعياً ثابتاً في فرنسا بحلول الخمسينيات من القرن الماضي، طُلِب من المسؤولين في الدولة توسيع النظام التعليمي، وتطويره، وضبطه بنحوٍ كامل لتلبية الاحتياجات والتوقعات المتزايدة.

وفي الستينيات شهد التعليم تغيراً شاملاً، إلا أن هذه الطفرة الهيكلية لم تحدث دون عواقب، إذ على الرغم من أن نظام التعليم قد تمكن من التصدي لتدعيم قوته العاملة، بيد أنه لم يتمكن بعدُ من التغلب على التحدي المتمثل في إضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم الذي ما يزال حتى اليوم تحدياً اجتماعياً رئيساً للمجتمع الفرنسي.

وتشهد إعادة النظر في نظام التعليم في فرنسا بعد الاحتلال -وهي فترة أثبتت أنها صادمة اجتماعياً وسياسياً- على الدور الذي أداه التعليم في سد الهوية الوطنية الفرنسية، وبعيداً عن الفوائد المالية الفورية للسكان المتعلمين، تظهر لنا الفكرة الداعية إلى أن الأمة المفكرة تتفوّق على الأمة الحرة.

وكان على فرنسا أن تتعامل مع ظهور التكنولوجيا والاستهلاك التكنولوجي الشامل، مثل: التلفزيون، والإنترنت؛ ولذلك أصبحت إعادة التفكير في الأساليب التربوية قضية حاسمة إذ بدأت المدارس تتنافس مع مصدر آخر للمعلومات والمعرفة؛ وذلك لظهور “ثقافة” جديدة. وكان هذا العرض “التنافسي” للوصول إلى المعرفة هو أحد أسباب فشل “المدرسة الجماعية” التي كانت آخذة في الظهور؛ فقد أعيد النظر في النظام الذي يحدد اكتساب المعرفة في مكان محدد، ويستبعد القدرات الفردية؛ الأمر الذي قاد إلى فكرة أكثر واقعية، وهي قدرة الفرد في التفكير خارج النظام المدرسي. وقد قال بيير مندس-فرنس “إن حصول جميع الأطفال على فرص متكافئة من طريق إضفاء الطابع الديمقراطي في التعليم هو المفتاح لتحرير الإنسان”.

لقد تكونت المدرسة الفرنسية من عدة حركات، منها نتيجة الآثار الديمغرافية التي أدّت إلى تكيّف الدولة مع الواقع الهيكلي الجديد؛ إذ إن الدولة بحاجة إلى بناء مزيد من المدارس لاستيعاب أطفال الجيل القادم. وترتبط الحركة الأخرى باستراتيجيات التنمية الاقتصادية للبلادـ التي ترتبط بالاستثمارات المتصلة بالمدارس، وزيادة رأس المال الثقافي، وتتطلب تنمية توقعات أمة ما في الاقتصاد المعولم ضرورة الإنفاق الكبير في تعليم الشباب. في حين أن الحركة الثالثة هي أن المدرسة ليس باستطاعتها أن تكون منظمة تربوية إذ لم تعد فكرتها تتكيف مع أطفال الجيل الجديد.

ولم يكن ضرورة وجود نظام تعليمي موضع خلاف، إذ كتب لويس ليجراند: “إن فكرة التحول الديمقراطي الضروري والمحتمل، وحالة التقدم الاقتصادي والتقدم الاجتماعي على حد سواء يتبع الواقعية الجديدة، إذ يعدُّ التحول الديمقراطي أمراً مستحيلاً نظراً للحتمية الاجتماعية والبيولوجية كذلك. وفضلاً عن ذلك، تتطلب التنمية الاقتصادية والتقنية اختياراً مبكراً ومنتظماً “للموهوبين” الذين سيكونون قادرين للوصول إلى مستوى عالٍ من التدريب اللازم لقيادة العصر الإلكتروني. أما ما يخصُّ الأفراد المتبقين، فمن الأفضل أن نطوّر فيهم المواقف اللازمة لسلاسة سير الشركات والهيئات الاجتماعية؛ ومن هنا جاءت فكرة إلغاء التعليم لأولئك الذين هم ليسوا قادرين على الاستفادة من التعليم العام رفيع المستوى”.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو معرفة مستوى هذا التوجه الذي ينبغي تجنبه لتفادي ظاهرة التسرب من المدرسة، فقد اتخذت تدابير لمعالجة هذه المشكلة منذ الثمانينات. ومع ذلك، يجب علينا التشكيك في معنى هذه التعديلات: هل التنويع الوحيد للدورات التدريبية يكفي لتصحيح آثار هذا التحول الديمقراطي؟

كتب أنطوان بروست بهذا الصدد: “أن إصلاح الجامعات لا يقتصر على توحيد الطبقات الاجتماعية فحسب، بل يضفي الشرعية عليها كذلك؛ لأنها تستند إلى معايير اجتماعية لا تبدو علنية، ودعت أعضاء المجموعات الاجتماعية المختلفة إلى استيعاب مواقفهم الاجتماعية، في حين أن ضحايا الاختيار قد يلومون النظام الذي لم يمنحهم فرصة. وحين مُنِحَ الإصلاحُ في نظام الجامعات فرصةً دون مكافحة الأعباء الاجتماعية لطلبة الجامعات جعلهم ذلك يتحملون مسؤولية فشلهم أو نجاحهم، وما كان ممكناً أن يعزى سابقاً إلى فرص منذ الولادة وعدم المساواة في المدارس لم يعد يقع على المجتمع بل على الأفراد، ومع مرور الوقت فإن الإصلاح الذي أراد أن يكون النظام ديمقراطياً ثبت أنه غير متكافئ”.

وهناك تحدٍ جديدٌ اليوم يتمثّل في صياغة نظام لا يختار الأفراد “الموهوبين”، ولكن بدلاً من ذلك توجيههم ومن ثم تدريبهم على وفق قدراتهم التي كُشِف عنها سابقاً؛ مما أتاح وجود سيولة اجتماعية واقتصادية أكبر.

وتتمتع الدول النامية بميزة من حيث إنه باستطاعتها التعلم من تجارب الدول الأخرى في صياغة نظام تعليمي مصمم خصيصاً لاحتياجاتهم، على عكس فرنسا التي كان عليها في القرن التاسع عشر أن تتعامل مع العديد من القيود الكبيرة كالتفاوتات الجغرافية، والخدمات اللوجستية، وغيرها. وإن ظهور التقنيات الحديثة يسمح بقدر كبير من المرونة في حال سُخِّرت من قبل الدولة في إطار رؤية متماسكة.