سياسة ماكرون الخارجية ذات الأبعاد الثلاثية

في مقابلة أجريت مؤخراً مع وكالة شفقنا للأنباء، أشار دينيس بوشارد مستشار الشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إلى أن موقف فرنسا ومصالحها تجاه الشرق الأوسط يرتبط باحتياجاتها الوطنية المباشرة والأمن بنحوٍ أكبر من الحاجة لتوجيه مستقبل المنطقة. وتعدُّ فرنسا موطناً للمجتمعات القادمة من الشرق الأوسط؛ وهذا الأمر يجعل الجمهورية الخامسة أكثر عرضة للتطورات السلبية، ويؤكد بوشارد بقوله: “جغرافياً، تقع فرنسا قريبة جداً من أفريقيا والشرق الأوسط، وهذا يعني أنها تتأثر مباشرة بالتطورات التي تحدث في تلك المناطق، فأي شيء يحدث في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مسألة ذات أهمية وطنية لفرنسا، وهو واقع لن يتغيّر”.

وبحسب ما متوافر من معطيات نرى أنّ فرنسا لا تستطيع احتمال حدوث فوضى في المنطقة دون أن تحافظ على سلامة حدودها وتوازنها الاجتماعي السياسي، فمن منظور اقتصادي تعتمد هذه الدولة كثيراً على مستعمراتها السابقة لدعم أسواقها، وإدخال الثروة إلى اقتصادها الوطني. وعلى خلاف الولايات المتحدة التي تتمتع برفاهية موقعها في وسط المحيط الذي يعمل كعازل يساعدها في محاولاتها للهيمنة، فإن فرنسا بحاجة إلى بذل جهد أكبر للمحافظة على تماسكها واستمراريتها.

وعلى الرغم من أن فرنسا اتبعت حدسها لتحقيق مصالحها الوطنية خلال العقد الماضي من أجل شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنْ ظهور التطرف الطائفي في بلاد الشام، وما تبعه من آثار شهدتها الشوارع الأوروبية، فضلاً عن الخسائر المالية الكبيرة في (ليبيا)؛ أدّت تلك الوقائع جميعها إلى حدوث تحوُّل سياسي كبير تبلور في سياسة ماكرون الخارجية ذات الأبعاد الثلاثية: (الدبلوماسية، والتنمية، والدفاع).

وفي حين أنّ واشنطن ما تزال تفضل اللجوء إلى الحلول العسكرية، إلا أنّ باريس تلجأ إلى نهج أكثر واقعية، والاعتراف بالواقع الأرضي والتعددية؛ فقد وعد الرئيس إيمانويل ماكرون بتقديم المساعدات الإنسانية والدعم على نطاق واسع عقب الانتصارات على تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، والتقليل من مشاركة فرنسا في دعم الفصائل داخل المناطق التي يسيطر عليها “الإرهاب”.

وقال ماكرون في كلمة ألقاها على متن حاملة طائرات هليكوبتر في ميناء تولون الجنوبي: “اليوم -بفضل جهود جميع الدول المعنية- هُزم تنظيم داعش عسكرياً في بلاد الشام تقريباً”، وأضاف: “أنا واثق بأننا سنحقق في الأسابيع القادمة انتصاراً عسكرياً على الأرض. وأرغب الآن أن نلتزم مع شركائنا لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار والمساعدات للسكان”.

تحملُ تصريحات الرئيس ماكرون دلالات أكبر بكثير من مجرد عروض لاستمرارية التعاون المتجدد، بل أيضاً الاعتراف بالواقع الجيوسياسي الجديد بعيداً عن السعي نحو التعاونات الثنائية مع دول أخرى كانت واشنطن تحرص على إسقاطها باستمرار. وقد جاء هذا التأكيد في “التحول” السياسي -أو بنحوٍ أدق “اللهجة”- بعدما فُكَّ الارتباطُ العسكري في شهر كانون الثاني الماضي حينما سحبت فرنسا اثنتين من أصل اثنتي عشرة مقاتلة رافال (Rafale fighter) كانت تعمل في المنطقة.

وصرّح ماكرون بقوله: على الرغم من استمرار العمليات القتالية في المنطقة إلا أنّ مشاركة فرنسا ستقتصر على تقديم المساعدات في عملية التنمية هذا العام. ولكن ماذا تعني فرنسا بذلك، وإلى أي مدى ستؤثر قراراتها في المنطقة؟

من الصعب في يومنا هذا تجاهل أهمية الزراعة، وقدرة الدول على الحصول على الغذاء والماء، اللذين يُعدّان أسلحةَ حرب غير متكافئة. إذ استعمل تنظيم داعش آلية التجويع في سوريا لإجبار المجتمعات المحلية على الخضوع له، بينما في اليمن تفرض بعض الدول حصاراً إنسانياً لإيقاف المقاومة.

وتوجّه منطقة الشرق الأوسط اليوم أنظارها إلى التحديات الزراعية والغذائية العالمية، وتفهم فرنسا -بنحوٍ أفضل من معظم نظرائها الغربيين- أن انعدام وجود رؤية طويلة الأمد إلى جانب انعدام الاستقرار العسكري سيؤديان إلى تفاقم انعدام الأمن الاجتماعي على عتبة دارها، وهو أمر تحاول باريس منع حدوثه؛ لأن ذلك سيؤدي إلى خلق موجة أخرى من تدفق المهاجرين.

وحينما يكون للأمر علاقة بتعزيز التنمية الزراعية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، فإن لدى فرنسا خبرة كبيرة في هذا المجال؛ إذ أنشأت المركز الدولي للبحوث الزراعية (CIHEAM) التي هي منظمة حكومية دولية تعمل في الشرق الأوسط، وتختصُّ بالتنمية المستدامة للزراعة، وصيد الأسماك، والأمن الغذائي في المناطق الريفية والساحلية الذي تطوّر ليصبح أنموذجاً قويّاً في عام 1962.

ومن المرجح أن يشمل نهج ماكرون الجديد في الشرق الأوسط الجغرافيا السياسية للغذاء، إذ إن وصف الأحداث في الشرق الأوسط -ولاسيما في العراق وسوريا اللتين تتحملان القدر الأكبر من العنف الذي يمارسه تنظيم داعش- يعدّ توضيحاً خطيراً لمجريات الواقع، فلا يمكن للمرء أن يقلل من شأن الدور الذي يؤديه الغذاء والماء والزراعة في إعادة رسم السياسة الجارية في المنطقة. ويعتقد بيير بلانك -الخبير في الجغرافيا السياسية للغذاء- أن “الأرض والمياه يجب أن تدرج في تحليلاتنا لفهم أفضل لسلوكيات معينة أو دينامياتها أو مخاطرها”. وحذر بلانك من أن تشهد منطقة الشرق الأوسط -على عكس حال فرنسا في نهاية الحرب العالمية الثانية التي سعت إلى التضامن لحل أزمة انعدام الأمن الغذائي- اندلاعاً “للصراعات المحلية بنحوٍ مفرط”.

ويمكن أن تكون التجربة الفرنسية مفيدة لجميع الأطراف، إذ بإمكان الجغرافيا السياسية للغذاء أن تكون عاملاً محفزاً للانفراج السياسي الحقيقي تجاه فرنسا وليس أوروبا فقط من خلال السماح بأن يكون “التضامن” هو القاسم السياسي المشترك الجديد.