مدرس مساعد نهى جاسم حسين / الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية / دراسات دولية
المقدمة
يُعد استقرار العراق الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أمن الخليج العربي، فالعراق لا يمثل مجرد جار جغرافي لدول مجلس التعاون الخليجي، بل هو الركيزة الشمالية لمنظومة الأمن الإقليمي، والمتغير التابع والمستقل في آن واحد ضمن مصفوفة الاستقرار الإقليمي والدولي. إن هذه العلاقة تقوم على جدلية أمنية متبادلة تجعل من مفهوم الأمن المشترك حقيقة واقعية تتجاوز الشعارات الدبلوماسية لتصبح ضرورة بقاء، حيث إن أي اختلال بنيوي في الدولة العراقية يترجم فوراً إلى تهديدات وجودية وضغوط سياسية واقتصادية مباشرة على الدول الخليجية.
أولا- العراق كعمق جيواستراتيجي وبوابة حماية للأمن الخليجي
يُعد العراق البوابة الشمالية والعمق الحيوي لمنظومة الأمن الخليجي. لذا، فعندما واجه العراق خطر التنظيمات المتطرفة والانهيارات الأمنية بعد عام 2014، أدركت عواصم الخليج العربي أن تداعيات عدم الاستقرار في بغداد لن تقف عند حدود العراق الإقليمية، بل ستطال ارتداداتها العواصم الخليجية وأمنها الاقتصادي، لتصل إلى الممرات المائية الحيوية وتؤثر سلباً على طرق التجارة الدولية التي تُعد مرتكز وجودها وازدهارها.
وتؤشر هذه العلاقة على الأهمية المشتركة للاستقرار؛ حيث إن استقرار النظام السياسي والمؤسساتي في العراق يضمن أمن واستقرار الممرات المائية وتدفقات الطاقة، وهي المقومات الأساسية لتأمين الاقتصاد الخليجي والحرص على استدامته. وفي المقابل، يمثل الانخراط الخليجي الدبلوماسي والاقتصادي أداة فاعلة لتعزيز السيادة العراقية وموازنة الضغوط الخارجية. هذه العلاقة التبادلية تخلق ما يُعرف بـ “الأمن التساهمي”، حيث تصبح كلفة الاضطراب في أي طرف مرتفعة جداً على الطرف الآخر، مما يحفز على تبني سياسات تنسيقية عالية المستوى تفرضها ضرورة البقاء واستقرار الشعوب في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ثانيا التحديات الأمنية في مواجهة حراك التنظيمات الإرهابية
على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في هذا الصدد، فإن التحدي الأمني لا يزال قائماً. وبحسب إحاطة وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالإنابة “ألكسندر زوييف” أمام مجلس الأمن (2025-2026)، فإن التهديد الذي يمثله تنظيم داعش قد ازداد بشكل مطرد وأصبح أكثر تعقيداً ومتعدد الأوجه. وذكر التقرير الأممي أن التنظيم أظهر مرونة عالية في التكيف مع ضغوط مكافحة الإرهاب، وهو مستمر في تجنيد المقاتلين الأجانب وتطوير استخدام التكنولوجيا الناشئة، فضلاً عن الاحتفاظ بمصادر التمويل غير المشروع من خلال الابتزاز والتهريب والتجارة غير القانونية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات الاستراتيجية والتحذيرات الدولية، تحولت النظرة الخليجية نحو العراق من إطار الجوار التقليدي إلى فضاء شراكة استراتيجية حتمية، إيماناً بأن استقرار الدولة العراقية بمؤسساتها الوطنية هو الضمانة الوحيدة لتحجيم التدخلات الخارجية التي قد تستخدم الأراضي العراقية كمنصة لتهديد أمن دول الجوار، وهو ما يفسر حتمية الانفتاح الخليجي الأخير نحو بغداد.
ثالثا- التكامل والتعاون الاستراتيجي
إن هذه التحولات الجذرية في الرؤية السياسية قادت بالضرورة إلى صياغة مفهوم جديد للتكامل؛ فنحن اليوم أمام معادلة تفرض واقعاً مفاده أن التفاعلات الأمنية في العراق والخليج تتبع مساراً تكاملياً لا يقبل التجزئة، حيث يمثل العراق العمق الاستراتيجي للخليج، بينما يمثل الخليج ظهير الاستقرار والتنمية للعراق. إن هذا الترابط الحيوي يفرض ضرورة الانتقال من التنسيق الأمني التقليدي إلى تحليل آفاق التعاون الشامل، خاصة في ظل المشاريع الناشئة مثل “طريق التنمية” والربط الكهربائي، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل “الجدلية الأمنية” من مجرد هواجس تاريخية إلى شراكات تنموية مستدامة، قادرة على ضمان البقاء والاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة.
رابعا- التكامل الميداني وتطور التعاون في السنوات الأخيرة
وفق الحراك التعاوني، نجد أنه يتبع مساراً متكاملاً فقد شهدت السنتان الأخيرتان تحولاً تاريخياً انتقلت فيه العلاقة من أطر بروتوكولات التفاهم إلى مرحلة التعاون الميداني الملموس، ولوحظ ذلك من خلال مسارات التنسيق التالية:
- تعاون أمن الطاقة والربط البنيوي: اعتمدت اتفاقيات الربط الكهربائي والمائي بين بغداد ودول الخليج العربي في عامي 2024 و2025، وأوجدت حالة من التعاون المتبادل التي تعزز الاستقرار الداخلي العراقي كجزء لا يتجزأ من المنظومة الخليجية.
- استراتيجية الدفاع عن المصالح الاقتصادية: ظهر مشروع “طريق التنمية” كمشروع جيوسياسي واقتصادي ضخم بمشاركة استثمارية خليجية كبرى، حيث غيّر مفهوم الأمن من الدفاع العسكري التقليدي إلى حماية المصالح الاقتصادية المشتركة وتأمين خطوط التجارة الدولية. وفي هذا الإطار، وصف رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني الوضع المالي والاقتصادي في البلاد بأنه في أفضل حالاته، مشيراً إلى أن المواطنين جزء شريك في عملية التنمية والاستقرار الاقتصادي والمالي المشهود. كما تطرق السوداني إلى أبعاد مشروع طريق التنمية مؤكداً: إنَّ المشروع سيُؤسِّس لعراقٍ جديد، لما يتضمَّنه من فرصٍ استثماريَّةٍ بقيمة (450) مليار دولار، ومشدداً على أن الحكومة ماضية في تقديم التسهيلات والفرص الاستثمارية الكبرى في مختلف القطاعات التنموية والصناعية والبنى التحتية، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويرسخ مكانة العراق كمركز ثقل اقتصادي وجسر للتعاون الإقليمي والدولي.
- تأثير الوساطة والدبلوماسية الإقليمية: استثمر العراق الاستقرار النسبي ليكون مركز ثقل للحوار الإقليمي، وهو ما ساهم في الحد من الأزمات وجعل العراق منطقة عازلة آمنة وجسراً للتواصل بدلاً من كونه ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات. قد اعتمدت الدبلوماسية العراقية على اليات تفاوضية متعددة لإدارة هذه الأزمات، ومن أبرزها المباحثات بين وزارات الخارجية لدول الإقليمية والعربية واللجان المشتركة التي كانت اداة مركزية لتقليل التوترات ومعالجة القضايا الحساسة بشكل مباشر، كما لجات بغداد الى الوساطة الاقليمية والدولية عند الحاجة، خصوصا في الملفات التي تتطلب إشرافا أو دعما من أطراف ثالثة لضمان التوصل الى حلول مقبولة للطرفين.
ومن وجهة نظرنا كباحثين، نرى أن السنتين الأخيرتين أثبتتا أن اللغة الاقتصادية هي الأقدر على ترميم ما أفسدته السياسة، إن تحول العراق إلى ممر عالمي للتجارة بالتعاون مع الخليج هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لعدم عودة الانفلات الأمني، لأن لغة المصالح لغة عالمية لا تقبل التأويل، إن تشابك المصالح المالية والاستثمارية يخلق طبقة حماية عالية للأمن القومي والإقليمي، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار ضرورة اقتصادية عابرة للحدود، وليس مجرد خيار سياسي متذبذب ، وإن ترابط المصالح يدفع بتنمية العلاقات وتطويرها ليجعلها حصناً منيعاً أمام ثغرات الأعداء واختراق وجودها.
الخاتمة
إن استقرار العراق وأمن الخليج العربي ليسا مسارين متوازيين فحسب، بل هما وحدة أمنية وجيوسياسية لا تقبل التجزئة، إن الانتقال بالعلاقة من مرحلة هواجس الماضي إلى شراكات المستقبل يفرض ضرورة الاستثمار في نقاط الالتقاء التي برزت مؤخراً، وفي مقدمتها التكامل الاقتصادي والربط الاستراتيجي البنيوي، إن الرهان القادم لا يتوقف عند التعاون العسكري والاحتواء التقليدي، بل يمتد نحو بناء بيئة إقليمية مستقرة يمثل فيها العراق الجسر الرابط بين القوى المختلفة، ويمثل فيها الخليج السند التنموي المستدام ، إن نجاح هذه الجدلية المتبادلة هو الضمانة الوحيدة لتحويل المنطقة من ساحة للصراعات الدولية إلى مركز جذب للاستقرار والازدهار العالمي، مما يجعل من تمكين الدولة العراقية ودعم سيادتها مصلحة خليجية عليا بقدر ما هي ضرورة وطنية عراقية حتمية.
المصادر والمراجع
- الهام عطية عواد، الدبلوماسية العراقية ودورها في حل الأزمات الإقليمية، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية ، مجلد 16، العدد 8، 2026.
- جريدة الصباح (بغداد)، خبر بعنوان، السوداني: الوضع المالي والاقتصادي بأفضل حالاته، العدد 6273، الصادر بتاريخ 21 تشرين الأول/ 2025، ص 1
- وزارة الكهرباء العراقية، بيان صحفي بشأن “تطورات وتوقيع عقود تنفيذ مشروع ربط السوق الخليجية للكهرباء مع شبكة جمهورية العراق”، شفق نيوز، 9/10/ 2024 https://shafaq.com/ar




