علي صادق كريم / باحث في العلاقات الدولية
تتحرك الاستراتيجية الأمنية الإيرانية داخل بيئة يرى فيها صانع القرار في طهران أن مصادر التهديد ليست منفصلة أو مؤقتة، وإنما متداخلة ومستمرة وقابلة للتحول إلى ضغوط مباشرة على الدولة والنظام، ولذلك لا تنبع الهواجس الأمنية الإيرانية من تهديد أو عامل واحد وإنما من تقييم مركب للبيئة الإقليمية والدولية، يشمل الوجود العسكري الأميركي في الخليج والصراع المستمر مع إسرائيل، وآثار العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية فضلاً عن المخاطر السيبرانية والاستخبارية، وفي الوقت نفسه تتحرك إيران ضمن علاقة تجمع بين التعاون والتنافس مع تركيا في عدد من الساحات الإقليمية بما يجعل أنقرة عاملاً مؤثراً في حسابات التوازن والتموضع الإقليميين دون أن تحتل الموقع نفسه الذي تشغله الولايات المتحدة أو ( إسرائيل )في سلم التهديد الإيراني.
دور الذاكرة التاريخية في ترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات
تؤدي الذاكرة التاريخية دوراً مركزياً في تشكيل الإدراك الأمني الإيراني، إذ تحتل الحرب العراقية–الإيرانية موقعاً تأسيسياً في وعي مؤسسات الدولة والنخب السياسية والعسكرية والأمنية , اذ عززت تلك الحرب قناعة راسخة بأن الدولة لا تستطيع الاعتماد بصورة كافية على الضمانات الخارجية، إذ أن ضعف الاستعداد العسكري أو غياب القدرة على الردع قد يفتح المجال أمام تهديدات تمس بقاء النظام ووحدة الدولة ومصالحها الاستراتيجية، ومن هنا لا يمكن فهم السلوك الأمني الإيراني بوصفه نتاجاً للأيديولوجيا أو الطموح الإقليمي وحدهما، بل بوصفه أيضاً استجابة لتجربة تهديد طويلة وحسابات تتعلق بالبقاء والاستقلال والاعتماد على الذات.
وينعكس هذا التصور من خلال مُتابعة ومراقبة الخطاب الرسمي الإيراني الذي يركز بصورة أساسية على مبدأ الاعتماد على الذات وعلى القدرات الوطنية وتقليص الارتهان إلى الضمانات الخارجية، وخلاصة هذا المنطق أن أمن إيران من وجهة نظر صانع القرار في طهران لا يمكن أن يُبنى بالأعتماد على الخارج وإنما من خلال امتلاك أدوات القوة التي تمنح الدولة القدرة المستقلة على حماية مصالحها ورفع كلفة استهدافها.
منظومة الردع الإيرانية: المرتكزات والأدوات ومعضلة الأمن الإقليمي
تشكلت الاستراتيجية الأمنية الإيرانية على ثنائية الردع والدفاع، فالمقاربة الدفاعية في التصور الإيراني لا تعني حماية الحدود الوطنية فقط وإنما منع الخصم من نقل الصراع إلى الداخل الإيراني أو فرض إرادته بالقوة، ولذلك تعمل طهران على رفع كلفة أي هجوم محتمل عليها وتمتلك وسائل تتيح لها الرد في أكثر من ساحة وبأدوات متنوعة ودرجات مختلفة من الفاعلية والتصعيد، وهذا ما يفسر تركيزها على بناء قدرات عسكرية وتقنية وسياسية ذاتية بما يحد من اعتمادها على التحالفات والضمانات الخارجية.
ويقوم هذا المنطق على فرضية أساسية مفادها أن الأمن لا يتحقق بمجرد النوايا الدبلوماسية أو الاتفاقيات المؤقتة، وإنما من خلال امتلاك قدرات تدفع الخصم إلى إعادة حساباته قبل أي عمل أو تصعيد عسكري الا أن الردع لا يمثل ضمانة مطلقة تمنع اندلاع الحرب بل يبقى متغيراً مؤثراً في تقدير الخصم لكلفة الهجوم وحدوده ومدته والأهداف التي يمكنه تحقيقها، فأن ارتفاع كلفة الصراع المتوقعة يقلص الحرب المفتوحة ويدفعها نحو أنماط أكثر محدودية وهذه هي الفكرة الجوهرية للردع سواء في صيغته القائمة على التهديد بالعقاب أو في صيغته التي تعقد قدرة الخصم على تحقيق أهدافه بسرعة وبكلفة منخفضة.
ويمكن النظر إلى منظومة الردع الإيرانية بوصفها قائمة على محاور متعددة ومترابطة: “البرنامج الصاروخي القدرات النووية الكامنة، البرنامج الفضائي، شبكة العلاقات والشراكات الإقليمية”، ومن المهم الأشارة إلى أن هذه الأدوات لا تؤدي الوظيفة نفسها ألا أن تفاعلها يمنح طهران قدرة أكبر على المناورة وإدارة الأزمات، كما تدعمها قدرات أخرى لا تقل أهمية، مثل الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والقدرات البحرية في الخليج والأمن السيبراني والمنشآت والبنية العسكرية تحت الأرض.
يمثل البرنامج الصاروخي الركيزة الأكثر وضوحاً في منظومة الردع الإيرانية فهو يمنح طهران القدرة على استهداف أهداف عسكرية واقتصادية وحيوية لخصومها على مسافات مختلفة ويعزز الردع بالعقاب، اي بمعنى دفع الخصم إلى إدراك أن كلفة أي هجوم على إيران لن تقتصر آثارها داخل حدودها، بل قد تمتد إلى مصالحه وقواعده وشركائه، ويكتسب هذا البرنامج أهمية خاصة في ضوء الفارق في القوة الجوية والتكنولوجية بين إيران من جهة والولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة أخرى سيما أن طهران لا تمتلك قدرات تقليدية تكافئ هذا التفوق.
أما القدرات النووية الكامنة فلا تُفهم فقط من زاوية البرنامج النووي التقني وإنما من زاوية التحوط الاستراتيجي، أن امتلاك المعرفة والبنية والخبرة التي تقلص الزمن اللازم للانتقال إلى مستويات أعلى من القدرة النووية ويمنح الدولة هامشاً أوسع في التفاوض وإدارة التهديدات، ولا يعني ذلك بالضرورة أن طهران اتخذت قراراً معلناً بامتلاك سلاح نووي، بل يعني أن الغموض والقدرة إلى الوصول إلى العتبة النووية قد يتحولان إلى عنصر من عناصر القوة السياسية والاستراتيجية في لحظات الأزمات.
يضاف إلى ذلك البرنامج الفضائي الذي تتجاوز أهميته الرمزية والعلمية إلى أبعاده التقنية والاستشعارية المحتملة، فتطوير الأقمار الصناعية ومنصات الإطلاق والقدرات المرتبطة بها يمكن أن يخدم أغراضاً مدنية ويوفر في الوقت ذاته أمكانات ذات استخدام مزدوج في الاتصالات والمراقبة والاستطلاع وتطوير التكنولوجيا المرتبطة بالصواريخ، ولهذا ينظر خصوم إيران إلى هذا البرنامج باعتباره جزءًا من البنية الاستراتيجية والتقنية الشاملة لا بوصفه مشروعاً منفصلاً عنها.
أما شبكة العلاقات والشراكات الإقليمية فتوفر لطهران ما يمكن وصفه بالردع الأمامي أو الدفاع المتقدم، إذ تسمح لها ببناء نفوذ وأوراق ضغط خارج حدودها وإدارة المخاطر في ساحات متعددة ومنع حصر الصراع داخل المجال الإيراني ، وتشمل هذه الشبكة علاقات مع دول وقوى سياسية وفواعل من غير الدولة في عدد من الساحات الإقليمية، ألا أن توصيف هذه العلاقات ووظائفها يبقى محل اختلاف إذ تنظر إليها طهران بوصفها علاقات تعاون ودعم متبادل في مواجهة تهديدات مشتركة، بينما ترى أطراف إقليمية ودولية أخرى أن اتساعها يترك آثاراً مباشرة في موازين القوى والسيادة ومسارات السياسة والأمن داخل هذه الدول الإقليمية.
وهنا يظهر جوهر معضلة الأمن الإقليمي فالأدوات التي تراها طهران دفاعية وضرورية لضمان البقاء والاستقلال الاستراتيجي، قد تنظر إليها أطرافاً إقليمية ودولية بأعتبارها أدوات ضغط وأكراه أو تهديداً للتوازن الإقليمي القائم، ولذلك لا يتعلق الخلاف بوظيفة هذه الأدوات وفق الرؤية الإيرانية وحدها وإنما بطبيعتها ومدى مشروعيتها وآثارها في البيئة الإقليمية، وهذا الاختلاف في إدراك التهديد هو ما يجعل بناء تعريف مشترك للاستقرار في الشرق الأوسط أمراً بالغ الصعوبة.
إذ تحولت هذه المعضلة من إطار نظري إلى اختبار عملي بعد الحرب التي اندلعت في شباط/فبراير 2026 بين إيران من جهة والولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة أخرى، فقد كشفت الحرب أن منظومة الردع الإيرانية لم تمنع وقوع الضربة الأولى أو الاختراقات العسكرية والاستخبارية لكن في الوقت نفسه أظهرت أن استهداف إيران لا يبقى محصوراً داخل حدودها وأن كلفة الصراع معها تمتد إلى قواعد الخصوم ومصالحهم وشركائهم وإلى أمن الملاحة والطاقة في الإقليم، ومن ثم عززت الحرب داخل المؤسسة الإيرانية القناعة بالحاجة إلى مراجعة أدوات الردع وتطويرها لا التخلي عنها.
حرب فبراير 2026: اختبار الردع الإيراني وحدود التسوية
اكتسبت منظومة الردع مركزية أكبر في تصور القيادة الإيرانية للأمن القومي بعد الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المشترك الذي بدأ في 28 شباط/فبراير 2026، لكن هذه الحرب لا تسمح بالقول إن الردع الإيراني حقق نجاحاً أو أخفق بشكل كامل، فهي كشفت من جهة أن إيران لم تتمكن من منع الضربة الأولى وما رافقها من اغتيالات واختراقات عسكرية واستخبارية وضغوط مباشرة على الداخل الإيراني، لكن أظهرت من جهة أخرى أن كلفة استهداف إيران لا تبقى محصورة داخل حدودها وأن أي صراع معها قابل للامتداد إقليمياً وتجاوز الحسابات العسكرية الى نطاق أوسع .
إذ لم يعد البرنامج الصاروخي والقدرات النووية والشراكات الإقليمية مجرد أوراق تفاوض يمكن التخلي عنها بسهولة في منظور المؤسسة الحاكمة في طهران، بل أصبحت جزءًا من تصورها لاستقلال القرار الوطني ووسائلها لرفع كلفة التهديدات المستقبلية، وعليه فأن أي تسوية تقوم على تفكيك شامل لهذه الأدوات قد تُفهم داخل إيران بوصفها تنازلاً استراتيجياً يضعف مصداقية الردع ويزيد من قابلية الدولة للانكشاف أمام التهديدات المستقبلية.
ولا يعني ذلك أن التفاوض مستحيل أو أن إيران ترفض كل أشكال التفاهم لكن يشير ذلك إلى أن فرص التسوية الشاملة تتراجع كلما تمحورت حول تقليص أو تفكيك كامل لعناصر الردع الإيرانية دون تقديم ضمانات أمنية متبادلة ومكاسب اقتصادية ملموسة وآليات قابلة للتحقق، فالمشكلة لا تتعلق بإمكانية تقديم تنازلات جزئية فقط، بل باستدامة هذه التنازلات داخلياً وقدرتها على الصمود أمام تغير التهديدات والضغوط.
لذلك تبدو الاتفاقات المحدودة والمرحلية التي تفصل بين الملفات وتربط كل التزام بمقابل واضح أكثر قابلية للقبول من منظور طهران مقارنة بتسوية كلية تعيد تعريف موقعها الاستراتيجي في الإقليم، وقد تشمل هذه التفاهمات إجراءات لخفض التصعيد وترتيبات جزئية في الملف النووي وتفاهمات تتعلق بأمن الملاحة وحرية العبور في مضيق هرمز، ألا أن نجاح هذه التفاهمات لا يتوقف على نصوص تفاوضية أو ترتيبات فنية مؤقتة فحسب، بل يرتبط بوجود آليات للتنفيذ والتحقق المتبادل والتزام متدرج وقابل للقياس ومكاسب ملموسة لجميع الأطراف.
وعليه فأن تعثر المفاوضات لا يقود حتماً إلى حرب شاملة لكن يرفع احتمال الانتقال إلى جولات تصعيد أوسع وأكثر خطورة، إذ إن جوهر الخلاف ليس تقنياً أو نووياً أو صاروخياً فحسب، بل هو صراع بين تصورات متعارضة للأمن الإقليمي: تصور أميركي وإسرائيلي يميل إلى تقييد عناصر القوة الإيرانية بوصفه طريقاً إلى الاستقرار، وتصور إيراني: يرى في هذه العناصر شرطاً للبقاء وتحقيق الأمن الذاتي واستقلالية القرار الوطني إلى جانب تصورات إقليمية أخرى تسعى إلى منع تحول الإقليم إلى ساحة للصراع مفتوح.
الخاتمة
إن فهم منظومة الردع الإيرانية لا يقتضي بالضرورة تبني رواية طهران أو تبرير سياساتها الإقليمية، وأنما إدراك أن تفكيك أدوات ردعها دون معالجة مصادر التهديد في إدراكها الأمني لن ينتج بالضرورة استقراراً أكبر، فالاستقرار الإقليمي المستدام لا يتحقق بإضعاف طرف واحد وإنما من خلال بناء ترتيبات أمنية متبادلة تقلل دوافع التصعيد وتحترم سيادة الدول وتمنع تحول رؤية طرف للأمن المحلي والتهديدات إلى مصدر انعدام أمن دائم لبقية الإقليم، وفي ضوء حرب شباط/فبراير 2026 تبدو الحاجة ملحة للانتقال من منطق إدارة الأزمات المتكررة إلى منطق أمن إقليمي متبادل لأن استمرار الصراع بين الردع والتفكيك لا ينتج تسوية مستقرة بل يؤجل جولة التصعيد الى وقتٍ اخر.
قائمة المصادر
1-آريان طباطبائي، نقاش حول الأمن القومي في إيران، مؤسسة راند، 2019، للمزيد: https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/perspectives/PE300/PE344/RAND_PE344z1.arabic.pdf
2- فراس إلياس، سياسات الأمن القومي الإيراني، 2018، للمزيد: https://dergipark.org.tr/en/download/article-file/6145
3-آريان طباطبائي، صامويل آني تريسي، ما الذي تخبرنا به الحرب العراقية–الإيرانية، مجلة الأمن الدولي، المجلد 42، العدد 1، للمزيد: https://www.belfercenter.org/publication/managing-us-iran-relations-critical-lessons-iran-iraq-war
4- محمد جواد ظريف، امن إيران يبدأ من الداخل وليس من الخارج، وكالة تسنيم، 2017، للمزيد: https://www.tasnimnews.ir/fa/news/1396/07/22/1545821/%D8%B8%D8%B1%DB%8C%D9%81-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%BE-%D8%AF%D8%B1-%D8%AC%D8%A7%DB%8C%DA%AF%D8%A7%D9%87%DB%8C-%D9%86%DB%8C%D8%B3%D8%AA-%DA%A9%D9%87-%D9%BE%D8%A7%DB%8C%D8%A8%D9%86%D8%AF%DB%8C-%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%87-%D8%A8%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%85-%D8%B1%D8%A7-%D8%AA%D8%A7%DB%8C%DB%8C%D8%AF-%DA%A9%D9%86%D8%AF
5-جون ميرشايمر، معضلة الأمن الإقليمي، ترجمة المعهد العراقي للحوار، 2023، للمزيد: https://youtu.be/dFoef0KIid0?si=tdWKjRZCO8Kyv_8B
6-علي صادق كريم، لصالح من يعمل الزمن، مركز رواق بغداد، 2026، للمزيد: https://rewaqbaghdad.org/ar/publications/who-does-time-favor-the-strategy-of-attrition-between-tehran-and-washington-under-the-trump-administration
7-هجوم إسرائيلي_أميركي على إيران، قناة الجزيرة،2026، للمزيد: https://share.google/BXl9SoPmYuhGfsHld
8المنظومة العسكرية الإيرانية وعقيدة الردع غير المتماثل، قناة الجزيرة، 2026، للمزيد: https://share.google/9djevyaXaBoICwhf4




