back to top
المزيد

    واحة البيان

    دور مراكز الأبحاث والدراسات في العراق: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى الفاعلية

    أشرف الدهان / مدير عام المنظمات غير الحكومية في الامانة العامة لمجلس الوزراء

    على هامش منتدى الشام والعراق / اربيل تشرين الاول ٢٠٢٦

    يشهد العراق تحولاً ديمقراطياً يعزز دور مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الفكر والرأي، من منطلق أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على القرارات السياسية والتنفيذية وحدها، وإنما يحتاج إلى معرفة علمية واستشراف للمستقبل.

    إن التجربة العراقية بعد عام 2003 أفرزت حراكاً مدنياً وفكرياً أتاح لمراكز البحوث والدراسات أن تكون جزءاً من المشهد العلمي والسياسي، مستندة إلى الأطر الدستورية والقانونية المنظمة لعملها حيث تزايد الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات عالميّا بشكل واضح وملحوظ في العقود الأخيرة. فقد أصبحت تمثِّل أحد الدلائل الهامّة على تطور الدولة وتقييمها للبحوث والدراسات واستشرافها آفاق المستقبل؛ وذلك وفق المنظور المعرفي لتطور المجتمعات الإنسانية عمومًا، وانطلاقا من عدّ تلك المراكز مؤشرا للمنجزات الحضارية والنهضوية والثقافية وعنوانا للتقدم وأحد مؤشِّراته في التنمية ورسم السياسات. وتعد عملية دراسة القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع والدولة وتحليلها، من أهم الأدوار التي تضطلع بها المراكز البحثية عموما؛ إذ تهدف من خلالها إلى معرفة الأسباب التي تكمن وراءها، وبلورة الرؤى والمقترحات العلمية المتعلّقة بها، ووضع الحلول المناسبة لها. وقد أصبح للمراكز البحثية دور رائد ومتقدم في قيادة السياسات، وصارت أداة رئيسة لإنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة. وهي الجهات الأساسية التي تستطيع رسم خطط المشاركة في تلك المشاريع، والإسهام فيها إسهاما فاعلا. كما أصبحت مراكز الأبحاث والدراسات جزءا لا يتجزّأ من المشهد السياسي والتنموي في العديد من البلدان المتقدمة. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن لها دورا أساسيا في نهوض الأمم وتقدُّم الشعوب نحو تحقيق أهدافها. وقد ارتقت تلك المراكز الحديثة إلى حدّ، أصبحت فيه أحد الفاعلين في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وأحد المؤثِّرين فيها، وأحد المشاركين في وضع الحلول لها؛ وذلك من خلال توظيف البحث في خدمة قضايا المجتمع، بتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات، بما يدعم عمليات صنع القرارات ورسم السياسات.

    في العراق، تنامى الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات. وأصبحت محلّ حديث عنها بشكل واضح منذ بداية عقدين على الاقل واتسعت دائرة نشاطاتها من حيث الحجم الكمي، ومن حيث نوعيّة المساهمات التي تقدّمها. ولقد تولّى القطاع الخاص والمجتمعي إنشاء مراكز دراسات ومعلومات وأبحاث متنوعة ومتخصِّصة، كمبادرات نوعيّة؛ حتى أصبحت جزءا من المكونات الثقافية والاجتماعية. وتختلف أسباب هذا التطور ودوافعه من مركز إلى آخر. وقد صاحب هذه الظاهرة تزايد المؤتمرات العلمية والأكاديمية والمنشورات العلمية. وهي تبحث في مختلف شؤون الحياة المحلية والإقليمية والدولية؛ في ظل التغيرات الرئيسة الجارية في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام. إلا أن انتشار هذه المراكز، والاهتمام بها؛ قد تحقّقا بعد أن اكتسبت المراكز البحثيّة في دول متقدمة خبرةً واسعةً ونجاحا باهرا ومكانة مرموقة. فصارت في الولايات المتحدة (التي سنأخذها مثالا) تؤدّي دورا بارزا في دعم مؤسسات صنع القرار السياسي، وإعداد الدراسات، وتحليل السياسات العامة والقضايا الهامة. وقد سُمِّيت تلك المراكز بـ “الثينك تانكس”Think-Tanks، وأصبحت عاملا هاما في تحديد أولويات القضايا الإستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة. وأضحى لها تأثير مباشر وغير مباشر على مراكز صنع القرار هناك؛ سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي. وهو ما يظهر – على سبيل المثال – بصورة واضحة بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية في العالم.

    غير أن الدور الذي اضطلعت به المراكز البحثية في العراق مختلفٌ عمّا هو عليه الأمر في دول متقدمة؛ وذلك بسبب المعوقات والمصاعب والتحديات التي تواجهها، ولأنّها لم تتبوّأ مكانها الحقيقي، ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صنع القرار أو في تقديم ما يلزم من مشورة ومن دراسات رصينة. وبدا دور معظمها “منقوصا” وغير فاعل في عملية التنمية المجتمعية بكافة أبعادها، ليس بسبب عجزها عن أداء هذا الدور؛ بل بسبب المعوّقات الكثيرة التي تحيط بها، وعدم تكليفها بهذه المهام بحكم طبيعة الحياة السياسية في العراق وطبيعة النظام السياسي وبُعدها عن العمل المؤسَّسي المعمول به في بلدان متقدمة.

    ويتضح أن مراكز الأبحاث والدراسات تكتسب أهميتها وضرورة وجودها من الحاجة لها، ومن مقتضيات الضرورات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية والتنمويّة؛ وذلك “باعتبارها الطريقة الأمثل لإيصال المعرفة المتخصصة، من خلال ما تقدمه من إصدارات علمية وندوات متخصصة، من شأنها أن تضاعف مستوى الوعي لدى صانع القرار والمؤسسات والأفراد، وتساعدهم على الربط بين الوقائع الميدانية وإطارها العلمي النظري”.

    إن لمراكز الأبحاث دورا رياديا في توجيه عالم اليوم؛ بحكم أنّها أداة مهمة لإنتاج العديد من المشاريع الحيوية التي تتصل بالدولة والمجتمع والفرد، ووسيلة لدراسة كل ما يتصل بتلك المشاريع وفق منهج علمي معرفي. كما تُعدّ مراكز الأبحاث من القضايا الوطنية الهامة والحيوية، التي تعكس الاهتمام بالعلم والمعرفة والتقدم الحضاري واستشراف آفاق المستقبل. مما يفرض علينا تفكيرا معمّقا في خصوصيات المشهد وآفاقه وتحدياته الجسيمة، وفي طرق امتلاك مفاتيح المعرفة والتقدم والحضارة التي لن يتسنّى الحصول عليها دون بحث جاد ومهني تكون أدواته مراكز الأبحاث والدراسات.

    اقرأ ايضاً