نور عبد السلام العزاوي / باحثة في الشأن الاسرائيلي
المقدمة:
تأسست العقيدة العسكرية الإسرائيلية على يد رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون مستندة إلى إدراك ديمغرافي وجغرافي حاكم يعرف بعقدة الخطر الوجودي وغياب العمق الاستراتيجي ولتعويض هذا النقص المقارن أمام المحيط العربي قامت العقيدة على ثلاثة أركان اساسية تمثلت في الردع اي منع الأطراف المعادية من شن حرب عبر بناء قوة بطش واضحة، والإنذار بالتفوق الاستخباراتي الميداني والتكنولوجي لإعطاء المكون العسكري وقتا كافيا للتعبئة، فضلا عن الحسم أي نقل المعركة بسرعة إلى أرض العدو لحسم الصراع خلال أقصر مدى زمني ممكن، ولتحقيق هذه الأركان ابتكر بن غوريون صيغة جيش الشعب من خلال التجنيد الإجباري الواسع للذكور والإناث مع إبقاء القوات النظامية كـنواة حراسة وتوجيه تعتمد في الحروب الكبرى على قوة الاحتياط التي تمثل نحو 70% إلى 80% من القوة الضاربة عند التعبئة العامة، واذا بدئنا الحديث عن أزمة تجنيد الحريديم سنقول انها ليست وليدة لحظة الحرب الحالية بل هي نتيجة لتراكم تاريخي يعود إلى تسوية أقرها بن غوريون عام 1948 لتفرغ نحو 400 طالب شريعة يهودي، واليوم بسبب معدلات النمو الديمغرافي العالية لدى الحريديم (نحو 4% سنوياً)، أصبحت هذه الفئة تشكل ما يقارب من 13% إلى 15% من مجمل السكان، وينخرط في سن التجنيد سنويا عشرات الآلاف منهم دون أدائهم الخدمة العسكرية، مما ادى الى خلق ازمة كان لها ابعاد قانونية تمثلت في إلغاء المحكمة العليا الإسرائيلية لعدة قوانين تسوية مثل قانون التجنيد بداعي انتهاكها لـمبدأ المساواة المقر في قوانين الأساس الإسرائيلية وصولاً إلى القرار التاريخي في حزيران 2024 بإلزام الدولة بتجنيد طلاب المدارس الدينية وتجميد ميزانياتها، ايضا كان للازمة ابعاد ديمغرافية اذ تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 سيمثل الحريديم نحو 30% من إجمالي السكان مما يعني أن استمرار إعفائهم سيؤدي تلقائيا إلى انهيار خزان العنصر البشري المتاح للجيش الإسرائيلي، ولا نستطيع الغفل عن البعد الاجتماعي الذي يتجلى بتراكم الشعور بـالظلم في توزيع الأعباء لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى العلمانية والوطنية الصهيونية والتي أصبحت تشعر بأنها تتحمل ضريبة الدم والاقتصاد بمفردها.
أولا: الديناميات الحزبية لازمة التجنيد.
يشكل ملف إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية إحدى أكثر القضايا حساسية في السياسة الإسرائيلية لارتباطه المباشر بالهوية الدينية وبالتوازنات الائتلافية اذ تتبنى الأحزاب الحريدية ولا سيما شاس ويهدوت هتوراه موقفا يقوم على حماية مبدأ التفرغ لدراسة التوراة مع وجود تفاوت في درجة المرونة بين مكوناتها، ففي حين يمكن أن تبدي بعض الفئات استعدادها لإدماج الشباب غير المنخرطين فعليا في الدراسة الدينية ضمن مسارات خدمة مدنية أو أمنية يبقى فرض التجنيد على طلاب المدارس الدينية موضع رفض مبدئي، فتشير ديناميات الأزمة إلى أن فرض عقوبات اقتصادية أو تقليص الدعم المخصص للمدارس الدينية قد يدفع الأحزاب الحريدية إلى تصعيد سياسي ومجتمعي فبينما يمكن أن يوفر التدرج في العقوبات ومسارات الخدمة المخصصة مجالا لتسويات جزئية ، في المقابل يواجه الائتلاف الحكومي ضغوطاً متزامنة من المؤسسة العسكرية والمحكمة العليا وقطاعات من المجتمع الإسرائيلي المطالبة بتوزيع أكثر توازنا لأعباء الخدمة، الأمر الذي يجعل استمرار الوضع القائم صعباً على المدى الطويل، فتتمثل المسارات السياسية المحتملة في استمرار تسوية ائتلافية هشة تؤجل الحسم أو انسحاب الأحزاب الحريدية بما قد يهدد تماسك الحكومة ويفتح الطريق أمام انتخابات مبكرة، أو إعادة تشكيل الائتلاف من خلال تعاون مع أحزاب من المعارضة لتمرير تشريعات جديدة وفي جميع الحالات، يبقى ملف التجنيد مرتبطا بصورة مباشرة باستقرار الائتلاف وبالعلاقة بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات الدينية والسياسية، وعليه، فإن إدارة الأزمة يتطلب تحقيق توازن بين احتياجات الجيش من القوى البشرية والقيود الاجتماعية والسياسية التي يفرضها التيار الحريدي مع صياغة إطار قانوني قابل للصمود أمام المراجعة القضائية.
ثانيا: التداعيات الاستراتيجية على الجيش الإسرائيلي.
أظهرت المواجهات العسكرية المتعددة الجبهات أن التصورات التي سادت في العقود الأخيرة حول الجيش الصغير والذكي المستند إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستشهاد عن بعد كانت تصورات قاصرة إذ أثبتت المعارك الميدانية الحاجة الماسة إلى الكتلة البشرية الحيوية فكان التوجه العسكري قبل انطلاق الحرب الممتدة يركز على تقليص السلاح البري وتقليم كادر المشاة لصالح الاستثمار المكثف في التكنولوجيا والتفوق الجوي والسيبراني ولكن بعد انكشاف الأزمة الميدانية فرضت الواقعية العسكرية الحاجة الماسة لزيادة أعداد أطباق المشاة والمدرعات والسيطرة البرية المباشرة لحسم المعارك، كذلك انتقلت القوات من نموذج الاعتماد على خدمة الاحتياط لأيام محدودة سنويا كإجراء وقائي أو تدريبي، إلى تطبيق نظام استدعاء ممتد يستمر لعدة أشهر سنويا مما فرض ضغوطا هائلة على الاقتصاد الوطني والمنظومة الإنتاجية في القطاع الخاص، كذلك تحولت حالة التملص العسكري من مجرد حالات فردية محددة يتم التعامل معها انضباطيا إلى ظاهرة خطيرة تعرف بـالتملص الرمادي والإرهاق النفسي والمادي وتراجع نسب الاستجابة لأوامر الاستدعاء في بعض الأسلحة القتالية، فضلا عن ذلك تراجع النموذج الكلاسيكي الذي كان يعتمد على الجاهزية السريعة والتحشيد الخاطف، ليحل محله تراجع ملموس في كفاءة وجاهزية القوات نتيجة حالات الاستنزاف المتواصل والإنهاك البدني والنفسي للضباط والجنود، اذ اصبحت التداعيات الميدانية المباشرة هو الاعتماد المفرط على قوات الاحتياط لتغطية الجبهات المتعددة (غزة، الشمال، الضفة الغربية) مما أدى إلى ضرب القوة الاقتصادية للعائلات والمؤسسات التجارية الإسرائيلية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الانفصال الأسري والاضطرابات النفسية بين جنود الاحتياط، كذلك مواجهة الجيش لعجزا تشغيليا ثابتا قدره عدة أطباق وقوات مرابطة يقدر بـ ( 10,000 إلى 12,000 جندي سنوياً)، مما يحول دون القدرة على مداورة القوات بشفافية ويرغم القيادة العامة على إطالة مدة الخدمة النظامية مجددا.
ثالثا: أزمة التجنيد وتحولات العقد الاجتماعي الإسرائيلي.
إن الانقسام حول التجنيد يضرب بعمق العقد الاجتماعي الإسرائيلي الذي صاغ بناء الدولة فيعد الجيش الإسرائيلي تاريخيا بمثابة البوتقة المذيبة التي صهرت المهاجرين والشرائح المتنوعة في هوية قومية واحدة لذا يتحول الجيش من مؤسسة إجماع وطني تجمع شتات المجتمع إلى ساحة صراع سياسي وأيديولوجي تعكس حدة الانقسامات الداخلية، كذلك ارتفاع نسب عدم الاستجابة لأوامر الاستدعاء للخدمة الاحتياطية أو الانخراط في الخدمة القتالية بين الفئات العلمانية نتيجة فقدان الثقة بالقيادة السياسية وتنامي الشعور بـاستغلال خدمتهم، فضلا عن انتقال المجتمع الحريدي من موقف الدفاع عن الذات والتوقع الهادئ إلى الانخراط في التأثير السياسي المباشر لتشريع الإعفاء مما يسهم في زيادة الاستقطاب الداخلي وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، ولا يقتصر تأثير أزمة التجنيد على المؤسسة العسكرية والعقد الاجتماعي بل يمتد إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي للحكومة الإسرائيلية فتهديد الأحزاب الحريدية بالانسحاب من الائتلاف أو انتقالها فعليا إلى المعارضة يمكن أن يضعف الاستقرار البرلماني ويزيد احتمالات اللجوء إلى انتخابات مبكرة بما يخلق حالة من عدم اليقين السياسي قد تنعكس على عملية إقرار الموازنة والسياسات الاقتصادية وعلى قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد، كما أن استمرار الخلاف حول تمويل المدارس الدينية والإعفاءات والمخصصات المرتبطة بالمجتمع الحريدي يجعل الإنفاق العام جزء أساسي من الصراع السياسي حول التجنيد، وفي المقابل، فإن تشديد العقوبات المالية أو تقليص المخصصات الحكومية المرتبطة بالإعفاء من الخدمة قد يؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية داخل المجتمع الحريدي نفسه مما يجعل الأدوات المالية وسيلة ضغط سياسية ذات تداعيات تتجاوز ملف التجنيد، ومن ثم تتحول الأزمة إلى معادلة مترابطة بين بقاء الائتلاف، إدارة الموارد العامة، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل تسوية ملف التجنيد ذات أهمية تتجاوز البعد الأمني لتصل إلى استقرار النظام السياسي والمالي للدولة.
رابعا: خيارات المستقبل ومسارات التحول الممكنة.
أمام هذا المأزق الهيكلي يجد صانع القرار الأمني والعسكري في تل أبيب نفسه أمام عدة سيناريوهات ومسارات لمستقبل العقيدة العسكرية ونموذج التجنيد فمبدئيا سيطرح سيناريو الانهيار الهيكلي لـجيش الشعب والتحول للجيش المهني بمعنى أن تضطر إسرائيل، تحت ضغط الاستقطاب الديمغرافي والاجتماعي إلى إلغاء التجنيد الإجباري الشامل وتحويل الجيش إلى جيش احترافي مدفوع الأجر ومن وجهة نظري كمختصة في الشأن الاسرائيلي ارى ان هذا السيناريو شديد الخطورة على الأمن القومي الإسرائيلي لكون الكثافة السكانية الصغيرة لا تسمح ببناء جيش مهني قادر على مواجهة حروب استنزاف طويلة أو متعددة الجبهات مع إبقاء القوة الردعية قائمة، ايضا يوجد بديل وهو سيناريو التجنيد المتدرج والمشروط أي بمعنى تطبيق نموذج تجنيد محدد يناسب البيئة الحريدية مثل كتائب ذات طبيعة دينية خاصة، أو الخدمة المدنية والأمنية البديلة مع فرض عقوبات اقتصادية فردية صارمة على المتهربين، واعتقد انه الخيار الذي تسعى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية لفرضه واقعيا ولكنه يواجه فيتو سياسي دائم من الأحزاب الحريدية داخل الائتلافات الحاكمة المتتابعة، ايضا يمكن طرح سيناريو إعادة هيكلة العقيدة العسكرية نحو الدفاع التكنولوجي المتقدم والتحالفات بإعادة صياغة العقيدة العسكرية لتقليل الاعتماد على العنصر البشري الميداني في الحروب الطويلة والاعتماد الأكبر على الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، المسيرات، الردع النووي الاستراتيجي، وتعميق التحالفات الإقليمية والدولية مثل القيادة المركزية الأمريكية، واعتقد انه خيار محدود الفاعلية اذ أثبتت الأحداث الميدانية الأخيرة أن السيطرة الجغرافية وحرب المدن والمواجهات المباشرة لا يمكن حسمها أو الحفاظ عليها دون عنصري المشاة والقوة البرية الحيوية.
الخاتمة:
بناءً على ما تقدم يمكن القول أن أزمة التجنيد الراهنة تجاوزت أطرها الإدارية والسياسية الضيقة لتلامس عمق معضلة البقاء والتحول الهيكلي لإسرائيل فهي لا تعبر عن مجرد تجاذب حزبي مؤقت حول إشراك فئة دينية في الخدمة العسكرية بقدر ما تجسد لحظة اصطدام حتمية بين ثلاث تحولات كبرى: التحول الديمغرافي المتسارع لصالح المجتمع الحريدي، والتفكك المتزايد للعقد الاجتماعي القائم على مبدأ جيش الشعب، والتغير الميداني الحاد في طبيعة البيئة الاستراتيجية والتهديدات المحيطة التي نسخت أوهام الجيش التكنولوجي الصغير وأعادت الاعتبار للحاجة الماسة للكتلة البشرية الحيوية في الحروب الممتدة، ايضا إن الخطورة الاستراتيجية لهذه الأزمة تكمن في طبيعة المأزق الذي تفرضه على صانع القرار في تل أبيب إذ أضحت الخيارات المتاحة كافه أحرج من بعضها، فاستمرار التسويف والحلول الترقيعية يؤدي إلى استنزاف القوة القتالية والمعنوية لقطاعات الاحتياط العلمانية والوطنية الأرثوذكسية بما ينذر بتآكل الطاعة العسكرية والانضباط المؤسسي من الداخل وفي المقابل، فإن اللجوء إلى الإكراه القانوني الصارم ضد المدارس الدينية قد يدفع باتجاه عصيان مجتمعي حريدي يهدد استقرار الدولة الداخلي وتماسك ائتلافاتها الحاكمة، وفي النهاية، تجد إسرائيل نفسها عند مفترق طرق تاريخي لا يرحم إما الذهاب نحو إعادة صياغة شجاعة وعميقة لعقدها الاجتماعي والعسكري توازن بين العدالة في توزيع الأعباء ومتطلبات الجاهزية الميدانية، وإما القبول بتآكل ركائز عقيدتها العسكرية التقليدية تدريجياً، لذا ستبقى أزمة التجنيد الاختبار الأشد قسوة لمدى قدرة المنظومة الإسرائيلية على المواءمة بين هويتها السياسية والمجتمعية المتصارعة وبين مقتضيات أمنها القومي في مرحلة تعد الأكثر تعقيداً وسيالة منذ تأسيسها.




