زيد الصدر
ليست قيمة العملة رقماً يُكتب في نشرة البنك المركزي، ولا معادلةً محاسبيةً تُغلق بتسوية العجز في دفاتر الموازنة؛ إنها، في حياة الناس، المسافة الفاصلة بين راتبٍ يكفي أسرةً لتعيش بكرامة، وراتبٍ يتآكل قبل أن يبلغ منتصف الشهر. وحين تتغير هذه القيمة، لا تتحرك الأرقام وحدها، بل تتغير معها حسابات الأسر، وكلفة الدواء، وأسعار الغذاء، وفرص العمل، وحدود الأمان التي يحاول المواطن أن يحافظ عليها في اقتصادٍ تتسع فيه الالتزامات بينما تضيق فيه القدرة على الاحتمال.
من هنا، فإن النقاش بشأن سعر صرف الدينار العراقي لا ينبغي أن يُختزل في تأييد قرارٍ نقدي أو الاعتراض عليه، ولا أن يتحول إلى سجالٍ بين من يرفع شعار الضرورة المالية ومن يستحضر معاناة الشارع. فالقضية أوسع من ذلك: كيف تُتخذ القرارات الاقتصادية ذات الأثر العام؟ وبأي قدر من الشفافية تُشرح أسبابها؟ ومن يتحمل كلفتها الفعلية؟ وما الضمانات التي تحول دون أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في كل معالجة مالية تلجأ إليها الدولة؟
لقد أعاد التعديل الأخير لسعر الصرف، الذي أُعلن في العراق في السابع من تشرين الأول 2026، هذه الأسئلة إلى صدارة النقاش العام، بعد تحديد السعر الرسمي عند 1520 ديناراً للدولار، مقارنةً بالسعر السابق البالغ نحو 1300 دينار. وقد ارتبط القرار، وفق التقارير المنشورة، بالضغوط المالية الناجمة عن اضطراب صادرات النفط وتراجع الإيرادات في ظل الحرب الإقليمية وتعطل مسارات التصدير. غير أن تفسير الدوافع المالية لا ينهي النقاش بشأن الآثار الاجتماعية، ولا يعفي المؤسسات المعنية من تقديم حسابٍ واضح لما يُنتظر من القرار وما قد يترتب عليه من أعباء.
أولاً: الشفافية الاقتصادية ليست ترفاً إعلامياً
في الدول التي تواجه أزمات مالية حادة، لا تُقاس جدية الإدارة الاقتصادية بقدرتها على إصدار القرارات الصعبة فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تفسيرها للرأي العام، والإفصاح عن حدودها، ومناقشة بدائلها، وتحديد الفئات التي ستتأثر بها. فالقرار الاقتصادي، مهما كانت دوافعه، لا يعيش في الجداول وحدها؛ إنه ينتقل سريعاً إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى البيوت، ثم يستقر في صورة قلقٍ اجتماعي قد يتجاوز أثره المالي المباشر.
وليس المطلوب من الحكومة أن تكشف معلوماتٍ قد تضر باستقرار السوق أو أن تحول كل إجراء نقدي إلى مفاوضات مفتوحة لا تنتهي، بل أن تضع إطاراً واضحاً للمكاشفة المسؤولة: ما المشكلة التي يستهدف القرار معالجتها؟ وما البدائل التي دُرست؟ ولماذا رُجّح خيارٌ على غيره؟ وما تقديرات أثره في التضخم والقوة الشرائية والقطاع الخاص؟ وما الإجراءات التي ستتخذها الدولة لحماية أصحاب الدخل المحدود؟
إن الفرق كبير بين أن تُفاجئ الحكومة المواطنين بإجراءٍ يغير حساباتهم المعيشية، ثم تشرح مبرراته بعد وقوعه، وبين أن تهيئ الرأي العام بتوضيح المخاطر والخيارات المتاحة، من دون أن تخلق حالةً من الذعر أو تفتح الباب أمام المضاربة. فالتواصل الحكومي الرصين ليس بديلاً عن القرار الاقتصادي، بل جزء من إدارته، وأحد شروط بناء الثقة به.
أما افتراض أن المواطن لا يستطيع فهم تعقيدات السياسة النقدية والمالية، فهو افتراض لا ينسجم مع جوهر المشاركة الديمقراطية. ليس مطلوباً من رب الأسرة أن يكون خبيراً في ميزان المدفوعات أو إدارة الاحتياطيات الأجنبية؛ يكفي أن يعرف لماذا ارتفعت كلفة معيشته، وما الذي ستفعله الدولة لتخفيف أثر ذلك، ومتى يمكنه أن يحاسبها على النتائج.
ثانياً: حين تسبق المعلومة القرار، من يحمي السوق؟
تزداد خطورة القرارات الاقتصادية عندما تحيط بها شائعاتٌ أو تسريباتٌ بشأن موعد صدورها أو حجمها أو اتجاهها. ففي سوق العملات، قد تتحول المعلومة المبكرة إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية، خصوصاً إذا كانت لدى بعض المتعاملين قدرة مالية كبيرة أو صلات تتيح لهم الوصول إلى المعلومات قبل إتاحتها للآخرين.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين تداول التوقعات الاقتصادية، وهو أمر مألوف في الأسواق، وبين تسريب معلومات حكومية جوهرية غير معلنة، أو استغلال معلومات داخلية لتحقيق مكاسب خاصة. فليس كل حديثٍ سابق للقرار دليلاً على فساد، كما أن مجرد وجود أرباح بعد تغير سعر الصرف لا يثبت وحده وقوع جريمة. إنما تبدأ المسؤولية حين تتوافر قرائن قابلة للتحقق على حصول أشخاصٍ على معلومات محمية بحكم مواقعهم، أو استغلالهم لها، أو التلاعب بالأسعار، أو تجاوزهم الضوابط القانونية المنظمة للتعاملات المالية.
وهنا ينبغي ألا تبقى المسألة في دائرة الاتهام الإعلامي أو النفي السياسي. المطلوب آليات رقابية قادرة على فحص توقيتات المعاملات الكبيرة، ومراجعة أنماط شراء العملة وبيعها قبل القرارات الجوهرية وبعدها، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين من العمليات المشبوهة، ومقارنة البيانات المصرفية والرقابية بما يتوافر من أدلة. وإذا ثبتت مخالفات، وجب إحالتها إلى الجهات المختصة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، بصرف النظر عن مواقعهم أو نفوذهم.
إن نزاهة سوق الصرف لا تتحقق بمجرد إعلان سعر رسمي، بل تتطلب تكافؤاً في الوصول إلى المعلومات، ورقابة فعالة، وإجراءات امتثال واضحة، وإنفاذاً للقانون لا يتوقف عند صغار المتعاملين. فحين يشعر المواطن بأن الخسائر موزعة على الجميع، وأن الأرباح غير المشروعة لا تُترك لأصحاب النفوذ، تزداد فرص استعادة الثقة بالمؤسسات. أما حين يترسخ الانطباع بأن بعض الأطراف تعرف قبل الآخرين وتربح على حسابهم، فإن الضرر يتجاوز المال إلى شرعية القواعد التي تحكم السوق.
ثالثاً: العجز المالي بين ضرورة المعالجة وعدالة توزيع الأعباء
لا يمكن إنكار أن الدولة قد تواجه ظروفاً تضطرها إلى مراجعة سياساتها المالية والنقدية، ولا سيما حين تعتمد إيراداتها بدرجة كبيرة على موردٍ متقلب كالنفط. وعندما تتراجع الصادرات أو تتعرض طرق التصدير لاضطرابات، تتقلص الإيرادات المتاحة لتمويل النفقات العامة، وتزداد صعوبة الموازنة بين الرواتب والخدمات والاستثمارات والالتزامات الاجتماعية. غير أن الاعتراف بوجود الأزمة لا يعني التسليم بأن كل أداة لمعالجتها عادلة أو كافية أو خالية من التبعات.
فرفع السعر الرسمي للدولار قد يزيد عدد الدنانير التي تحصل عليها الخزينة مقابل الإيرادات النفطية المقومة بالدولار، لكنه قد يرفع، في المقابل، كلفة الاستيراد والمواد الأولية والسلع التي يعتمد عليها المستهلك والمنتج المحلي. ومن ثم، فإن الأثر النهائي لا يتحدد بحسابات الإيرادات وحدها، بل يتوقف أيضاً على بنية الاقتصاد، ومدى اعتماده على المستوردات، وقدرة الإنتاج المحلي على الاستجابة، وسرعة انتقال تغير سعر الصرف إلى الأسعار.
ولهذا لا يصح التعامل مع تعديل سعر الصرف بوصفه مورداً مالياً بلا كلفة، ولا تقديمه باعتباره حلاً مستقلاً عن الإصلاحات الهيكلية. فقد تناولت دراسة منشورة على الموقع الرسمي للبنك المركزي العراقي القيود والبدائل المرتبطة بتخفيض قيمة الدينار، وأشارت إلى أن معالجة الاختلالات تتطلب، إلى جانب دراسة سعر الصرف، إصلاحاتٍ تستهدف الإيرادات العامة والنفقات غير المنتجة والاختلالات في السياسات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق تحميل المواطن كلفة إضافية هو: هل استنفدت الدولة الخيارات المتاحة لضبط الإنفاق غير الضروري، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي والكمركي، والحد من التهرب، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة، وتوجيه الإنفاق العام نحو الأولويات؟ وهل خضعت النفقات الإدارية المتضخمة، وتعدد التشكيلات، واستحداث المواقع الوظيفية، ومظاهر الإنفاق غير المنتج، لمراجعة جادة تستند إلى بيانات واضحة؟
ليس المقصود أن كل استحداث إداري خطأ، أو أن كل إنفاق حكومي يمكن الاستغناء عنه؛ فالدولة تحتاج إلى مؤسسات فاعلة وخدمات عامة وكوادر مؤهلة. لكن التمييز واجب بين الإنفاق الذي يرفع قدرة الدولة على تقديم الخدمات والإنتاج، والإنفاق الذي يضيف التزامات دائمة إلى الموازنة من دون مردود عام يتناسب معها. وعندما يُطلب من المواطن التكيف مع تراجع القوة الشرائية، يصبح من حقه أن يرى في المقابل انضباطاً مالياً واضحاً، ومراجعةً للأولويات، ومؤشراتٍ قابلة للقياس على تقليص الهدر.
فلا تستقيم مطالبة المجتمع بالتضحية من أجل الاستقرار المالي إذا لم تقترن بمراجعة متوازنة لأوجه الإنفاق، ولا يمكن بناء الثقة بسياسة تقشفية يشعر الناس بأن أعباءها تتجه إلى دخولهم ومدخراتهم، بينما تبقى بعض أبواب الإنفاق بعيدة عن المساءلة الجادة.
رابعاً: المسؤولية الدستورية والقانونية لا تختزل في إعلان تحمّل المسؤولية
حين يعلن مسؤولٌ أنه يتحمل مسؤولية قرار اقتصادي، لا ينبغي أن تنتهي المساءلة عند العبارة، بل تبدأ منها. فما المقصود بهذه المسؤولية؟ هل هي مسؤولية سياسية أمام مجلس النواب والرأي العام؟ أم مسؤولية إدارية عن سلامة الإجراءات؟ أم مسؤولية قانونية تستوجب التحقيق إذا ظهرت مخالفة أو ثبت تقصير محدد؟ إن هذه المسارات متمايزة، ولا يجوز الخلط بينها أو اعتبار أحدها بديلاً عن الآخر.
يرسم الدستور العراقي إطاراً مؤسسياً لهذه المساءلة. فالمادة (103) تقر الاستقلال المالي والإداري للبنك المركزي العراقي، وتقرر مسؤوليته أمام مجلس النواب. وهذا الاستقلال ليس عزلةً عن الرقابة العامة، كما أن المساءلة لا تعني إلغاء الاستقلال الفني الذي تحتاج إليه السياسة النقدية. بل إن العلاقة السليمة تقوم على استقلال القرار النقدي ضمن القانون، ووضوح الأهداف والأدوات، وإتاحة المعلومات والتقارير اللازمة للجهات الرقابية، وتمكين مجلس النواب من ممارسة دوره الدستوري.
كذلك يشكل قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019، النافذ منذ عام 2020 وفق قاعدة التشريعات العراقية، جزءاً من الإطار القانوني المنظم لإعداد الموازنة وتنفيذها والإدارة المالية العامة. غير أن الاستناد إلى هذا القانون في تقييم قرار بعينه ينبغي أن يكون دقيقاً: فلا يكفي وجود عجز أو توسع في الإنفاق لإثبات مخالفة قانونية، كما لا يصح نسبة حظرٍ محدد أو جزاءٍ قانوني إلى نص تشريعي من دون تحديد مادته وشروط انطباقه. إن النقد الرصين يطالب بالامتثال للقانون، ويستند في إثبات الخرق إلى النص والوقائع معاً.
ومن هنا، فإن المسؤولية العملية عن القرارات الاقتصادية ذات الأثر الواسع ينبغي أن تتجسد في نشر المبررات والدراسات المتاحة، وشرح الفرضيات التي استندت إليها التقديرات الحكومية، ومتابعة النتائج الفعلية، وإعلان ما إذا كانت النتائج قد جاءت متفقةً مع التوقعات أم انحرفت عنها، وما الإجراءات التصحيحية التي ستُتخذ عند الحاجة.
فالمسؤولية السياسية ليست اعترافاً لفظياً يُطلق لامتصاص الغضب، وليست كذلك حكماً مسبقاً بإدانة كل من شارك في القرار. إنها التزامٌ بتقديم الحساب، وقبول المراجعة، وتصحيح الخطأ، والخضوع للمؤسسات المختصة حين تتطلب الوقائع ذلك.
خامساً: المواطن ليس متغيراً هامشياً في معادلة الموازنة
تظهر الكلفة الاجتماعية لتغير سعر الصرف في تفاصيل قد لا تعكسها الأرقام الإجمالية للموازنة. فالموظف الذي يتقاضى راتباً ثابتاً، والمتقاعد الذي يعتمد على دخل محدود، والعامل الذي لا يملك ضماناً وظيفياً، وصاحب المشروع الصغير الذي يستورد المواد الأولية، لا يواجهون التغير نفسه بالطريقة ذاتها. وقد يكون الأثر محدوداً على فئة، لكنه بالغ القسوة على فئة أخرى، تبعاً لمستوى الدخل، ونسبة الإنفاق على الغذاء والسكن والدواء، والقدرة على تعديل الأجور أو الأسعار.
ولهذا فإن الاكتفاء بالقول إن القرار ضروري لتأمين الرواتب أو سد العجز لا يجيب عن السؤال الاجتماعي الأهم: كيف ستُحمى الفئات التي لا تملك وسيلةً لتعويض ما تفقده من قوتها الشرائية؟ فالراتب قد يبقى ثابتاً في السجلات، لكن قيمته الفعلية تتراجع عندما ترتفع كلفة الاحتياجات الأساسية. ومن هنا تنشأ فجوة بين الاستقرار الاسمي للدخل والاستقرار الحقيقي لمستوى المعيشة.
إن أي تعديل كبير في سعر الصرف ينبغي أن تصاحبه دراسة معلنة للأثر الاجتماعي، أو على الأقل خلاصة واضحة لنتائجها، تتضمن تقديراتٍ لتأثير القرار في الأسعار والاستهلاك والفقر، وتحدد الفئات الأكثر تعرضاً للخسارة. كما ينبغي وضع تدابير حماية موجهة، تُبنى على بيانات موثوقة وتصل إلى مستحقيها، بدلاً من الاعتماد على حلول عامة قد تستهلك موارد كبيرة من دون أن تعالج مواضع الضرر الفعلية.
ولا يعني ذلك أن تكون الاستجابة دائماً بزيادة الرواتب أو توسيع الإنفاق الجاري؛ فهذه الخيارات قد تزيد الضغوط على الموازنة إذا لم تُدرس مصادر تمويلها واستدامتها. بل قد تتطلب الحماية مزيجاً من التحويلات الموجهة، وتحسين استهداف شبكات الرعاية الاجتماعية، وضمان توافر السلع الأساسية، وتعزيز الرقابة على المنافسة ومنع الاحتكار، وتسهيل استيراد المواد الضرورية ضمن الأطر القانونية، ودعم الإنتاج المحلي القادر على تخفيف الاعتماد على الخارج.
إن معيار نجاح السياسة الاقتصادية ليس مقدار ما توفره الخزينة وحده، بل أيضاً مقدار ما تحافظ عليه من قدرة المجتمع على العيش والعمل والإنتاج. فالاستقرار المالي الذي يتدهور معه الاستقرار الاجتماعي يظل استقراراً ناقصاً، وقد تتحول كلفته المؤجلة إلى أعباء أكبر على الدولة نفسها.
سادساً: من رد الفعل إلى الإصلاح المؤسسي
لا يكفي الاعتراض على طريقة إدارة قرار سعر الصرف ما لم يقترن ببدائل عملية تقلل احتمالات تكرار الأزمة. والعراق، بما يمتلكه من موارد بشرية ومالية وطبيعية، يحتاج إلى الانتقال من إدارة الاختلالات عند وقوعها إلى بناء منظومة قادرة على استباقها واحتواء آثارها. ويمكن أن يبدأ ذلك من خمس مسارات مترابطة:
أولاً، إقرار بروتوكول للشفافية في القرارات الاقتصادية الكبرى، يتضمن نشر بيان يشرح دوافع القرار وأهدافه والبدائل التي دُرست، وتقديم تقديرات لآثاره المتوقعة، مع مراعاة ما قد يضر نشره الفوري باستقرار السوق. وينبغي أن يتضمن البروتوكول موعداً لاحقاً لمراجعة النتائج الفعلية، حتى لا تبقى التقديرات الأولية بمنأى عن التقييم.
ثانياً، تعزيز الرقابة على المعلومات والتعاملات المالية، من خلال تنسيق مؤسسي بين الجهات الرقابية والمصرفية ذات الصلة، ووضع آليات واضحة للإبلاغ عن التعاملات غير الاعتيادية والتحقق منها، وتدقيق حالات تضارب المصالح والوصول غير المشروع إلى المعلومات. ويجب أن تنتهي هذه الإجراءات إلى نتائج موثقة، لا إلى اتهامات عامة أو إجراءات انتقائية.
ثالثاً، إجراء مراجعة دورية للإنفاق العام، تميز بين الإنفاق الضروري والإنفاق منخفض العائد، وتخضع الاستحداثات الإدارية والوظيفية لمعايير الحاجة والكفاءة والقدرة التمويلية. وينبغي أن تقترن المراجعة بمؤشرات منشورة عن كفاءة الإنفاق، لا بمجرد إعلان نيات لتقليصه.
رابعاً، اعتماد تقييم للأثر الاجتماعي قبل القرارات الاقتصادية الواسعة وبعدها، بحيث تُحدد الفئات الأكثر تضرراً، وتُقدّر كلفة الحماية المطلوبة، وتُراجع التدابير المتخذة بناءً على بيانات الأسعار والدخول والاستهلاك. فالحماية الاجتماعية ليست إضافة تجميلية إلى السياسة الاقتصادية، بل عنصر من عناصر تصميمها المسؤول.
خامساً، تقليص الاعتماد البنيوي على الإيرادات النفطية عبر تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحسين التحصيل الضريبي والكمركي ضمن قواعد عادلة، وتطوير الصناعة والزراعة، وتسهيل الاستثمار المنتج، ورفع كفاءة الخدمات والبنية التحتية. فكلما اتسعت قاعدة الإيرادات وتنوعت مصادر النشاط الاقتصادي، تراجعت قابلية الموازنة للتعرض للصدمات، وقلّ الضغط على الدولة للبحث عن حلول سريعة تنقل جزءاً من الكلفة إلى المواطنين.
ولا يمكن لأي من هذه المسارات أن يحقق نتائج مستدامة إذا عومل منفرداً. فالشفافية من دون رقابة قد تتحول إلى بيانات لا يتبعها إجراء، والرقابة من دون استقلال وفاعلية قد تصبح انتقائية، والحماية الاجتماعية من دون إصلاح مالي قد تفقد قدرتها على الاستمرار، والتنويع الاقتصادي من دون بيئة استثمارية مستقرة قد يبقى شعاراً مؤجلاً.
الخاتمة: الثقة مورد اقتصادي لا يقل أهمية عن المال
إن جوهر المسألة ليس في افتراض أن كل تعديل لسعر الصرف خطأ، ولا في التسليم بأن كل قرار تتخذه الدولة تفرضه الضرورة ولا بديل عنه. فالأدوات الاقتصادية تُقاس بأهدافها ونتائجها وتكاليفها والبدائل المتاحة أمامها، وتظل قابلةً للمراجعة كلما كشفت الوقائع عن آثار لم تكن محسوبة أو عن نتائج أقل من المتوقع.
لكن ما لا يجوز أن يتحول إلى أمر اعتيادي هو أن يتلقى المواطن تبعات القرارات الكبرى من دون تفسير كافٍ، أو أن يُطلب منه تحمل التضخم بينما تبقى كفاءة الإنفاق العام خارج النقاش الجاد، أو أن تُترك الشكوك بشأن استفادة بعض الأطراف من المعلومات المبكرة بلا تحقيق مهني مستقل حين توجد قرائن تستدعيه.
إلى الحكومة ومؤسسات الدولة المعنية: إن احترام المواطن لا يعني إعفاءه من كلفة الأزمات، فالأزمات قد تفرض أثماناً لا يمكن تجنبها بالكامل؛ لكنه يعني ألا تُحمّل هذه الأثمان بلا تفسير، وألا توزع أعباؤها من دون عدالة، وألا تُتخذ الضرورة المالية ذريعةً لتعليق المساءلة. ومن حق الناس أن يعرفوا ما الذي دفع الدولة إلى اختيار هذا المسار، وما الذي تتوقع تحقيقه من ورائه، وكيف ستقيس نجاحه، وماذا ستفعل إذا جاءت النتائج على خلاف التقديرات.
إن الديمقراطية ليست تفويضاً مؤقتاً ينتهي أثره عند صندوق الاقتراع، بل علاقة مستمرة بين السلطة والمجتمع، قوامها القانون والشفافية وإمكان المحاسبة. والاقتصاد، مهما بلغت تعقيداته الفنية، ليس شأناً منفصلاً عن هذه العلاقة؛ إنه أحد أكثر ميادينها اتصالاً بالحياة اليومية، لأن المواطن يلمس نتائجه في طعامه ودوائه وسكنه ومستقبل أبنائه.
قد تستطيع الدولة، بقرار مالي أو نقدي، أن تعالج فجوةً في حسابات اليوم، لكن الثقة لا تُستعاد بقرار مماثل، ولا تُعوّض بخطابٍ يطلب من الناس الصبر وحده. إنها تُبنى حين يرى المواطن أن المؤسسات تقول الحقيقة، وتشرح الخيارات، وتراقب الأسواق، وتراجع الإنفاق، وتحمي الأضعف، وتحاسب من يثبت استغلاله للسلطة أو المعلومة.
فالدينار قد تتغير قيمته في السوق، أما قيمة الدولة في نظر مواطنيها فتتحدد بمدى عدالة قراراتها، وصدق مؤسساتها، واستعدادها لأن تُسأل عمّا فعلت، لا عمّا قالت إنها تنوي فعله.




