back to top
المزيد

    واحة البيان

    داعش في العراق اليوم، هل انطوى الملف أَم لا يزال تهديد؟

    زيد ابو جون – باحث في دراسات الارهاب والجماعات المتطرفة – بغداد

    لم يكن منطقياً قبل بضع سنوات من اليوم طرح مثل هذا السؤال ببساطة، ولكن بعد التضاؤل الواضح لنشاط تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” في “ولاية العراق” مؤخراً، أصبح مهماً فحص مؤشر قدرة التنظيم بما ينعكس على التقييم الواقعي لمدى خطورته الامنية بعيداً عن التهويل الاعلامي والمبالغة السياسية من جهة والتصغير والتغاضي عن الخطر من جهة اخرى، بغية توزيع مدروس لتركيز الجهد الامني بين القضايا الأخرى وسط التحديات التي يتعرض لها العراق على جميع المستويات المحلية والاقليمية والدولية.

    وفقاً للبي بي سي مونتير، فأن النصف الاول من العام الحالي 2026، شهد استمرار التنظيم في مواجهة صعوبات في العديد من معاقله السابقة (العراق-سوريا) بالرغم من النجاحات العملياتية في ولاياته الافريقية. وفي المجمل، شنت “ولاية العراق” هذا العام 4 هجمات فقط منذ كانون الاول وحتى نهاية اغسطس. مقارنة بنفس الفترة من العام السابق 2025، فقد نفذ التنظيم حينها 6 هجمات، مما يعزز ذلك اتجاه طويل الامد نحو الركود.

    ولم يخف اعلام التنظيم هذه الانتكاسات في العراق من خلال صحيفته الرسمية “النبأ” بالعدد 508 الى الاشارة الى معاناة عناصره في العراق ومحاولة رفع معنوياتهم وتذكيرهم بأنهم نواة التنظيم داعياً إياهم الى “الثبات” و “الاحتساب”.

    اسباب تراجع نشاط داعش العراق:

    ان وراء تراجع التنظيم في “ولاية العراق” عدة اسباب اهمها تغيير العقيدة العسكرية الامنية العراقية في مكافحة الارهاب بالتعاون مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بالابتعاد عن الحملات العسكرية التقليدية الواسعة التي تستنزف الجهد والوقت لمصلحة عناصر التنظيم الذي يتحرك بشكل مفارز متفرقة تضرب وتنتقل بسرعة يصعب تحييدها بالتكتيكات التقليدية. تطورت وسائل مكافحة الارهاب العراقية تدريجياً في السنوات الاخيرة بشكل بدا أكثر اعتماداً على التكنلوجيا والدقة في المعلومات الاستخبارية كتطوير الاعتماد على المسح الحراري في الاستطلاع، والمراقبة الجوية المسيرة والمأهولة والانقضاض على عناصر التنظيم من الجو، وأصبحت العمليات العسكرية مدروسة وخاصة على الارض تقتصر على التفتيش والمداهمات الخاطفة بناءً على المعلومة، أو جمع الادلة بعد الضربات الجوية.

    أدى كل ذلك الى تقييد تواجد التنظيم بشكل لافت منحسراً في مناطق جغرافية صعبة الوصول كـسلسلة جبال حمرين ومكحول وقره جوغ، إضافة الى المناطق الصحراوية الشاسعة الممتدة بين الأنبار، والموصل، وصلاح الدين، وديالى.

    كذلك التكيف الهيكلي بما يخص الامن السيبراني، حيث تعمل وحدات الاستخبارات السيبرانية على تتبع وفك تشفير ورسم خرائط مراكز التجنيد على الانترنت لتحييد نشاط التنظيم على وسائل الاتصال الحديثة. كذلك جهود غير تقليدية في اعتراض تطبيقات ومجموعات الدردشة الخاصة، اخرها ما حصل مؤخراً من احباط جهاز المخابرات لهجوم محتمل من “ذئب منفرد” في المانيا. فـبحسب وكالة دي ان ار الألمانية، ان جهاز الاستخبارات الخارجية الالماني تلقى معلومات من نظيره العراقي تفيد بالتخطيط لهجوم داخل البلاد.

    وذلك من خلال اعتراض ورصد العراقيين لمجموعة خاصة داخل تطبيق “تلغرام” تخطط لتجهيز أحد الموالين لتنظيم الدولة الاسلامية للقيام بالهجوم. وهو شاب سوري ذي 17 عاماً له سجل لدى السلطات في المانيا، حيث عثر في منزله على مواد تفجير واسلحة بيضاء.

    فضلاً عن الكثير من العمليات التي احبطها جهاز المخابرات العراقي التي كانت تخطط لاستهداف دول اوربية من خلال النشاط الالكتروني في مكافحة الارهاب.

    كذلك على الصعيد المجتمعي، حيث إن المجتمع السني أصبح أكثر وعياً ازاء أخطار الجماعات السلفية الجهادية بشكل عام وتنظيم الدولة الاسلامية بشكل خاص، بعد معاناته المريرة من التنظيم الذي طالما سوق لنفسه خداعاً على انه الحامي لسنة العراق قبل 2014. أيضاً اهتمامات اغلب الشباب بالقضايا الاقتصادية والسياسية أكثر من قضايا الهوية التي كانت سائدة على اهتماماتهم قبل 2014. ـبناءً على جميع ماذرك، يمكن القول ان التنظيم فقد التأثير الاستراتيجي في العراق بفقدانه الحاضنة داخل المدن الكبيرة التي من خلالها يمكنه شن هجمات ضد المدنيين العزل، وليس العسكريين في المناطق البعيدة، فأن الهجوم الذي يستهدف سوق يعج بالمدنيين او مدرسة او مستشفى يكون تأثيره الاستراتيجي اشد وقعاً على الجمهور المستهدف وإحداث الإرهاب المنشود، بدلاً من استهداف دورية عسكرية في الصحراء الذي لن يحدث الصدى الإعلامي المنشود باحتلال العناوين الرئيسية للأخبار لبعض الوقت.

    ومن الجدير بالذكر ان اقتراب العراق من حسم ملف مخيم الهول مثل انجاز مهم لاستراتيجية مكافحة الإرهاب في العراق حيث ان مكافحة الارهاب ليست فقط اعمال ردع عسكرية، ولكنها مهمة طويلة الامد لمكافحة الأيدلوجية المتطرفة من خلال فهم الاسباب واعادة الدمج.

    هل لايزال الخَطر؟

    ومع هذا الترنح الواضع للتنظيم في العراق، لكنه لايزال يشكل تهديداً أمنياً لا يمكن غض الطرف عنه لعدة أسباب، أهمها أن العراق يمثل نواة تأسيسه منذ بداية تشكيل جماعة التوحيد والجهاد الى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مرورا بدولة العراق الاسلامية وانتهاءاه به كأرض كانت منطلقاً لأعلانا دولة الخلافة او ما عرف بالدولة الاسلامية، فضلا عن الارث الاعلامي لزعماء التنظيم والناطقين باسمه الذين لطالما كانوا ولازالوا يشددون على اهمية العراق لاستمرار رواج سردية دولة الخلافة.

    كذلك آلاف السجناء من داعش الذين لازالوا يشكلون عبئ على اقتصاد الدولة وتحدي لأجهزة انفاذ القانون في العراق، خصوصاً مع التحريض المستمر من قيادة التنظيم لأنصاره من اجل اقتحام وكسر تلك السجون.

    ايضاً هنالك جيل جديد يواجه يومياً كم هائل من دعاية التنظيم على مختلف مواقع التواصل على شبكة الانترنت، لما يمتلكه التنظيم من أرث دعائي ضخم تكوّن طول سنوات سيطرته على الاراضي في العراق وسوريا وعملياته في افريقيا واوروبا. وصل الامر ان تتسلل دعاية التنظيم في بعض الالعاب الالكترونية وتحديداً العاب الفضاء المفتوح لاستمالة المراهقين والشباب محاولةً تجنيدهم.

     يعد هذا الموروث الاعلامي بمثابة معسكرات اعداد شرعي وقتالي عن بعد، كفيل بأعداد “الذئاب المنفردة” وتشكيل الخلايا الارهابية الصغيرة.

    ومع يقيننا ان التنظيم غير قادر على إعادة سيناريو 2014 على الأقل في السنوات القليلة القادمة بالسيطرة الواسعة على الأراضي في العراق وسوريا وإقامة خلافته المزعومة، إلا أن مجرد وجوده الإيدلوجيا وبعض الهجمات تمثل تهديداً أمنياً تدركه جهات مكافحة الإرهاب في العراق.

    اقرأ ايضاً