back to top
المزيد

    واحة البيان

    ما لا يُسرَق من الخزينة: الموظف الذي انكمش والسوق التي خُطفت

      زيد الصدر

    حين يُفتح ملف الفساد في العراق تتقدم الأرقام على كل شيء: مليارات «سرقة القرن» التي تبخّرت من أمانات الضرائب، عقود وهمية، مدارس على الورق، مستشفيات لم تكتمل هياكلها منذ عقدين. وهي أرقام مفزعة حقاً؛ فالتقديرات تذهب إلى أن نحو خُمس المال العام ضاع في دهاليز الفساد، وأن البلد ما يزال قابعاً قرب قاع مؤشر مدركات الفساد بدرجة لا تتجاوز 28 من مئة. لكن الأرقام، على فداحتها، تروي نصف الحكاية فقط. النصف الآخر لا يظهر في أي كشف حساب، لأنه يتعلق بما يفعله الفساد بإرادة الموظف النزيه، وبثقة التاجر الملتزم، وبقدرة البلد كله على النهوض. الخزينة تُسرق مرة، أما هذان فيُسرقان كل يوم.
    لنبدأ من مشهد تعرفه دوائرنا جميعاً. موظف دخل الخدمة قبل سنوات بشهادة جيدة وحماسة أكبر، ثم أخذ يكتشف، ترقيةً بعد ترقية تذهب إلى غيره، أن السلّم الوظيفي لا يصعد بالجدارة بل بالولاء، وأن أقصر طريق إلى الأذى أن تجتهد. مع الوقت يتعلم الدرس: المبادرة مخاطرة، والصمت وظيفة. هذه الظاهرة يمكن تسميتها «الانكماش الوظيفي»، موظف حاضر في سجلات الدوام، غائب في الأثر، لا يوقّع إلا ما لا مفرّ منه، ولا يقترح، ولا يعترض، ويعدّ الأيام إلى راتب آخر الشهر. الدولة تدفع راتبه كاملاً وتخسر عقله كاملاً، وهذه خسارة لا يرصدها أي جدول في الموازنة.
    الانكفاء، فوق ذلك، ليس دائماً خياراً حراً. كثيراً ما يجد الكفء نفسه بين فكّي كماشة: فوقه سلسلة رئاسية قد تطلب تمرير معاملة يعرف أنها ملغومة، فإما توقيع يورّطه شكلاً فيما لا يريد، أو اعتراض يفتح عليه أبواب العقاب المجرّبة: نقل تعسفي إلى تشكيل على أطراف الخريطة يقطع رزقه ويشتت عائلته، لجنة تحقيقية جاهزة الأسباب، تهمة ملفقة يشهد عليها شهود بالأجرة. وقد أضاف العصر أدواته الجديدة؛ فتقنيات التزييف العميق باتت قادرة على فبركة تسجيل صوتي أو مقطع مصوّر يُسقط النزيه اجتماعياً وأخلاقياً قبل أن تصل قضيته إلى قاضٍ. حين تصبح النزاهة كلفة يدفعها الموظف من أمنه الشخصي وسمعة بيته، يختار كثيرون النجاة الصامتة. وليست هذه حوادث فردية متناثرة؛ فتقديرات ممثل برنامج الأمم المتحدة الانمائي في يونيو 2026 بأن ما بين 150 و450 مليار دولار من الأصول العراقية هُرّبت إلى الخارج أو خُبّئت في الداخل تكفي وحدها لتصوّر حجم المصالح التي يقف موظف نزيه واحد في طريقها.
    هذا الشلل الصامت يترك بصمته على الاقتصاد كله وإن لم تُكتب عليها أسماء أصحابها. النمو غير النفطي هبط من نحو 13.8% عام 2023 إلى 2.5% عام 2024، والتوقعات تشير إلى مواصلة الهبوط؛ العجز المالي قفز في المدة ذاتها من 1.1 إلى 4.2% من الناتج المحلي؛ وفاتورة الرواتب تتضخم عاماً بعد عام لأن الدولة بقيت الملاذ الوظيفي الأخير لجيش من الخريجين لا يجد سوقاً تستوعبه. والأخطر من ذلك كله كلفة لا يقيسها ديوان: المواطن الذي يعرف سلفاً أن معاملته تمشي بالمعارف وتقف بالقانون، وأن الخدمة «المجانية» لها ثمن غير معلن، يفقد ثقته بالمؤسسة قبل أن يفقد نقوده. والثقة، لا النفط، هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد.
    نقول إن القطاع الخاص هو طوق النجاة حين تضيق مالية الدولة، وتقول تقديرات صندوق النقد الدولي إن إصلاحاً جدياً للحوكمة ومكافحة الفساد قد يضيف إلى النمو نحو أربع نقاط مئوية في المدى المتوسط. لكن عن أي قطاع خاص نتحدث، وثلثاه، وفق البنك الدولي، يعمل خارج الاقتصاد الرسمي أصلاً؟ الجواب يبدأ من مصير الأموال المنهوبة نفسها؛ فهي لا تنام في الخزائن بل تبحث عن شرعية، فدخلت العقار والتجارة والمجمعات الكبرى بأرقام لا تعرف حساب الكلفة والعائد، لأن غايتها الأولى تبييض المال لا الربح منه. النتيجة أمام أعيننا في كل مدينة: «حيتان» تحرق الأسعار فيغرق التاجر الذي يشتري بماله ويبيع بحسابه، قطاعات كاملة تحولت إلى إقطاعيات مغلقة لشبكات متنفذة تحميها مظلات سياسية، ومستثمر بات يوقن أن لا مشروع استراتيجياً يمرّ إلا و«شريك ظلي» واقف على بابه.
    حتى الإصلاح، حين يجيء منقوصاً، قد ينقلب على أهله. أتمتة الجمارك بنظام «الأسيكودا» خطوة صحيحة بلا جدال؛ انطلقت أواخر عام 2023 في الشحن الجوي ثم توسعت إلى خمسة عشر منفذاً، فتضاعفت الإيرادات الجمركية بما يفوق 128% خلال عامين، وتقلّص العبث اليدوي بالبيانات في المنافذ. لكن النجاح في التحصيل كشف خللاً في التصميم: التعريفة التي كانت تُدفع ناقصةً بالتواطؤ صارت تُدفع كاملةً بالنظام، من دون مراجعة لجداولها المبالغ في نسبها أصلاً. هكذا تحولت الأتمتة، عند التاجر الملتزم، إلى «جباية تعويضية» كأن الدولة تعوّض ما كان يسرقه الفاسدون من جيبه هو تحديداً. وبعض الفاعلين وجد الحل حيث وجده دائماً: منافذ أقل ضبطاً وطرق التفافية، فعاد الفساد بثوب أشد تعقيداً وخسر الملتزمون مرتين. يضاف إلى ذلك استنزاف يومي لا تلتقطه الإحصاءات: لجان كشف وفرق تفتيش تجيد تحويل كل ثغرة إجرائية إلى إتاوة، وكل تأخير إلى وسيلة ضغط، تحت طائلة الغلق أو التعطيل.
    الخلاصة التي تفرض نفسها:
         أن الفساد عندنا لم يعد جريمة مالية تعالجها المحاكم وحدها، بل صار هندسة معكوسة للحوافز: يكافئ الولاء ويعاقب الكفاءة، ويمنح الحماية لغاسل المال ويحجبها عن المبلّغ عنه. لذلك ينبغي أن تبدأ المواجهة من الموضع الذي يؤلم الشبكات فعلاً: حماية الإنسان قبل ملاحقة المال. المطلوب أولاً آلية قضائية إدارية سريعة للطعن في قرارات النقل والإقصاء التعسفي، كي لا يبقى «النقل» عقوبة تصدر بلا محكمة؛ وإلزام الدوائر بمراسلات إلكترونية موثقة تُنهي حكم «التعليمات الشفهية» فتحفظ للموظف دليله وللمسؤول مسؤوليته؛ وقانون نافذ فعلاً، لا شعاراً، لحماية المبلّغين عن الفساد. ولأن التهديد صار رقمياً، تحتاج المحاكم إلى مختبر مستقل للأدلة الجنائية الرقمية يحسم بسرعة صحة التسجيلات والمقاطع المفبركة، مع نص عقابي صريح يجعل استخدام الذكاء الاصطناعي لفبركة الأدلة ظرفاً مشدِّداً للعقوبة.
    وفي الاقتصاد، لا معنى لأتمتة تُحصّل تعريفةً لم تُراجَع؛ فالمراجعة الدورية لجداول الرسوم يجب أن تسير بالتوازي مع «الأسيكودا»، مع تعميم النظام على المنافذ كلها بلا استثناء، ومنافذ الإقليم قبل غيرها، ومنعٍ صريح لإعادة التقدير الميداني لأي بضاعة أنجزت تخليصها الرقمي كي لا يدفع التاجر مرتين.
     أما تجفيف اقتصاد الظل فطريقه معروف: إفصاح إلزامي عن «المستفيد النهائي» في كل عقد حكومي تسقط به شركات الواجهة، وتقييد الدفع النقدي في صفقات العقار الكبرى ليمرّ المال من المصارف حيث يُرى ويُسأل عنه، وإخراج المشتريات الحكومية إلى العلن الإلكتروني الكامل. لن يكون شيء من ذلك سهلاً؛ فالشبكات التي نتحدث عنها تملك من النفوذ ما يجعلها خصماً وحكماً في آن واحد.
    لكن تجربتي جورجيا وإستونيا، وهما بلدان خرجا من إرث بيروقراطي فاسد يشبه إرثنا، تثبتان أن المعادلة تنكسر متى توافرت قيادة سياسية تدفع الثمن وتحتمي بجمهورها. الخزينة، في نهاية المطاف، يمكن أن تُعوَّض؛ أما موظف فقد إيمانه بجدوى النزاهة، وتاجر أغلق محله لأن السوق لم تعد سوقاً، فخسارتهما لا تدخل موازنة، ولا يعوّضها نفط.

    اقرأ ايضاً