back to top
المزيد

    واحة البيان

    زيارة علي الزيدي إلى طهران: اختبار سياسة التوازن العراقية بين إيران والولايات المتحدة

    المقدمة

    فرضت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، ولا سيما في أعقاب حرب غزة، والحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتصاعد التهديدات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، تحديات غير مسبوقة أمام السياسة الخارجية العراقية. فبعد أن ظل العراق، على امتداد العقدين الماضيين، يُنظر إليه بوصفه ساحةً لتنافس القوى الإقليمية والدولية، يسعى اليوم إلى إعادة تموضعه بوصفه فاعلاً مؤثراً في معادلات الإقليم، والانتقال من موقع موضوعٍ للتنافس إلى موقع فاعلٍ مشارك في صناعة التوازنات الإقليمية.

    وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى طهران باعتبارها مجرد زيارة ثنائية بين دولتين جارتين، بل تمثل محطةً ضمن استراتيجية أشمل تنتهجها الحكومة العراقية لإعادة تعريف موقع العراق في النظام الإقليمي الذي يشهد مرحلة انتقالية تتسم بتزايد السيولة الاستراتيجية وتغير أنماط التفاعلات بين القوى الفاعلة.

    وتتضح أهمية هذه الزيارة بصورة أكبر إذا ما قورنت بزيارة الزيدي إلى واشنطن، وما أُعلن عنه من زيارات مرتقبة إلى أنقرة والرياض ودمشق. ويعكس هذا التسلسل الدبلوماسي توجهاً واضحاً لدى الحكومة العراقية يقوم على مقاربة «العراق أولاً»، التي تستهدف إدارة العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية بصورة متوازنة ومتزامنة، بعيداً عن منطق الاصطفاف ضمن أي محور جيوسياسي. وينطلق هذا النهج من السعي إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي للعراق، وخفض كلفة التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية على مصالحه، وتحويله إلى نقطة التقاء للمصالح المتعارضة، بما يعزز مكانته بوصفه جسراً للحوار والتعاون الإقليمي. ويتقاطع هذا التوجه مع العديد من التحليلات التي ترى أن السياسة الخارجية للحكومة العراقية الجديدة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين إيران والولايات المتحدة وتركيا والدول العربية، بما يحفظ هامش الحركة الدبلوماسية لبغداد ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

    وفي الإطار ذاته، لم تعد العلاقات الإيرانية–العراقية تستند إلى الروابط التاريخية والدينية والجغرافية المشتركة فحسب، بل أصبحت تشمل منظومة متشابكة من المصالح الأمنية والاقتصادية والطاقة والنقل والجوانب الجيوسياسية. ويعكس تنفيذ الاتفاقية الأمنية بين البلدين، وتعزيز التعاون في ضبط الحدود، وتوسيع التبادل التجاري، وربط شبكات النقل والطاقة، فضلاً عن التنسيق المستمر إزاء التطورات الإقليمية، انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الجيواقتصادية مع متطلبات الأمن الإقليمي بصورة غير مسبوقة. وفي المقابل، تحرص بغداد على المضي في تطوير هذه الشراكة الاستراتيجية مع طهران بالتوازي مع توسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة والدول العربية، وهو ما يجعل المحافظة على هذا التوازن في ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي إحدى أكثر المهام تعقيداً في السياسة الخارجية العراقية.

    وانطلاقاً من ذلك، يفترض هذا البحث أن زيارة علي الزيدي إلى طهران لا ينبغي تفسيرها في إطار العلاقات الثنائية بين إيران والعراق فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من استراتيجية عراقية أوسع تقوم على «التوازن النشط» في بيئة إقليمية تتداخل فيها المنافسة الجيوسياسية، وأمن الطاقة، ومشروعات الممرات التجارية والترانزيت، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي. ومن هذا المنظور، فإن نجاح هذه الاستراتيجية أو إخفاقها لن ينعكس على مستقبل العلاقات بين طهران وبغداد فحسب، بل سيمتد أثره إلى موقع العراق في البنية الأمنية والجيواقتصادية للشرق الأوسط، وإلى قدرته على ترسيخ دوره بوصفه دولةً وسيطةً ومحوريةً في التوازنات الإقليمية الجديدة.

    عقيدة السياسة الخارجية لحكومة علي الزيدي: من «العراق أولاً» إلى استراتيجية «التوازن النشط»

    لا يمكن اختزال السياسة الخارجية لحكومة علي الزيدي في كونها مجرد استجابة للتطورات الإقليمية أو آلية لتنظيم العلاقات مع القوى المختلفة، بل ينبغي النظر إليها بوصفها جزءاً من عقيدة حكم متكاملة ترتكز على إعادة بناء سلطة الدولة، وترسيخ أولوية المصلحة الوطنية، وتنويع الشراكات الخارجية، وتجنب الانخراط في سياسات المحاور والاستقطابات الجيوسياسية. وعلى خلاف مراحل سابقة هيمنت فيها الأزمات الأمنية، والتنافس بين القوى الخارجية، والانقسامات الداخلية على توجهات بغداد الخارجية، تسعى الحكومة الحالية إلى توظيف السياسة الخارجية كأداة لتعزيز السيادة الوطنية، ودفع مسارات التنمية الاقتصادية، وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي للعراق.

    وقد انعكس هذا التوجه بوضوح في المقال الذي نشره رئيس الوزراء العراقي في صحيفة واشنطن بوست حيث شدد على جملة من الأولويات، من بينها تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتوسيع الشراكات الدولية بما يصون سيادة العراق ويعزز استقلالية قراره الوطني .[1]

    وفي هذا الإطار، يمثل مفهوم «العراق أولاً» (Iraq First) الركيزة الأساسية لعقيدة السياسة الخارجية التي تتبناها حكومة الزيدي. ولا يقتصر هذا المفهوم على تقليص نفوذ الأطراف الخارجية، كما تذهب بعض التفسيرات، بل يقوم أساساً على جعل المصلحة الوطنية العراقية المعيار الحاكم لصنع القرار الخارجي. ومن ثم، تسعى بغداد إلى إدارة علاقاتها مع إيران، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية، وتركيا، والصين، وسائر شركائها الدوليين وفقاً لمدى إسهام هذه العلاقات في تعزيز الأمن الوطني، ودعم التنمية الاقتصادية، وترسيخ الاستقرار الداخلي، بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية أو متطلبات الاصطفاف ضمن محاور إقليمية متنافسة.

    ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن وطهران، إلى جانب زياراته المعلنة إلى أنقرة والرياض ودمشق، باعتبارها حلقات مترابطة ضمن استراتيجية دبلوماسية واحدة تستهدف بناء شبكة متوازنة من العلاقات الخارجية، بما يقلل من اعتماد العراق على أي قوة بعينها، ويمنحه مساحة أوسع للمناورة في بيئة إقليمية تتسم بتزايد التنافس وتعدد مراكز القوة.

    ومن الناحية النظرية، يمكن تفسير هذا السلوك الخارجي في إطار مفهوم «التوازن النشط»، الذي يُعد من المفاهيم الحديثة في أدبيات العلاقات الدولية. فالدول الواقعة في بيئات تنافسية ومتعددة الأقطاب لا تلجأ بالضرورة إلى سياسات الموازنة أو التحالف بالمعنى التقليدي، وإنما تنتهج استراتيجية تقوم على الحفاظ على علاقات متزامنة مع عدة قوى رئيسية، والاستفادة من مزايا التعاون مع كل منها، مع تجنب الارتهان الاستراتيجي لأي طرف واحد. وفي هذا السياق، لا يمكن توصيف سياسة حكومة الزيدي بأنها تمثل تحولاً نحو الولايات المتحدة، كما لا يمكن اعتبارها استمراراً لحالة التبعية لإيران؛ إذ تشير المعطيات إلى أن بغداد تسعى إلى المواءمة بين المحافظة على شراكتها الاستراتيجية مع طهران، وتعزيز تعاونها الاقتصادي والأمني مع واشنطن، وتوسيع علاقاتها مع الدول العربية وتركيا، بهدف تعظيم هامش المناورة الدبلوماسية، وتقليل الكلفة المترتبة على اشتداد المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية. ويجد هذا التفسير ما يدعمه في العديد من الدراسات والتحليلات التي تناولت توجهات السياسة الخارجية للحكومة العراقية الجديدة.

    ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية لا يتوقف على الأداء الخارجي وحده، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدولة على تحقيق التوازن في الداخل. فقد أظهرت التجربة العراقية أن بناء سياسة خارجية متوازنة يظل رهيناً بوجود توازن سياسي ومؤسسي داخلي. ومن ثم، فإن قدرة حكومة الزيدي على المحافظة على علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة والعالم العربي تتوقف، في الوقت ذاته، على نجاحها في إدارة الانقسامات السياسية الداخلية، واحتواء التنافس بين القوى الشيعية، والاستجابة لمطالب المكون السني، ومعالجة الملفات العالقة مع إقليم كردستان، فضلاً عن ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وبذلك، لا تمثل السياسة الداخلية والسياسة الخارجية مجالين منفصلين، وإنما تشكلان بعدين متكاملين في مشروع أشمل يستهدف إعادة بناء الدولة العراقية وتعزيز استقلالها الاستراتيجي.

    وفي ضوء ذلك، ينبغي تفسير زيارة علي الزيدي إلى طهران في إطار هذه العقيدة الشاملة للسياسة الخارجية. فالزيارة لا تعكس ابتعاد بغداد عن واشنطن، كما لا تعبر عن انتقال العراق إلى دائرة النفوذ الإيراني، وإنما تمثل تطبيقاً عملياً لاستراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الخارجية، وتجنب الاصطفاف في محاور مغلقة، وترسيخ دور العراق بوصفه دولةً موازِنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع مختلف الأطراف في مرحلة تشهد إعادة تشكيل النظام الإقليمي. ومن ثم، فإن تقييم هذه الزيارة على أساس نتائجها الثنائية وحدها يظل قاصراً عن استيعاب أبعادها الاستراتيجية، إذ ينبغي قراءتها ضمن المشروع الأشمل الذي تتبناه بغداد لإعادة تعريف مكانة العراق في البنية الأمنية والجيواقتصادية للشرق الأوسط، وتعزيز حضوره بوصفه فاعلاً إقليمياً مستقلاً يمتلك قدرة متزايدة على إدارة التوازنات المعقدة في المنطقة.

    الأبعاد الاستراتيجية لزيارة علي الزيدي إلى طهران: ما وراء العلاقات الثنائية

    لا يمكن تفسير زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران في إطار تطوير العلاقات الثنائية بين العراق وإيران فحسب، إذ جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، اتسمت بتزامن عدد من التحولات الاستراتيجية، من أبرزها تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، واحتدام المنافسة حول الممرات التجارية ومشروعات النقل الدولي، واستمرار الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر، فضلاً عن تنامي الدور الذي باتت تؤديه الجيواقتصاديات في صياغة السياسات الخارجية للدول. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، سعت بغداد إلى توظيف الحوار مع طهران بوصفه أحد أدوات استراتيجيتها الأشمل لإدارة محيطها الأمني وتعزيز استقلالها الاستراتيجي، بما ينسجم مع نهجها القائم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش المناورة الإقليمية.

    أولاً: البعد الأمني… ترسيخ أمن الحدود وإدارة التهديدات المشتركة

    لا يزال الأمن يشكل الركيزة الأساسية للعلاقات الإيرانية–العراقية. فامتداد الحدود المشتركة لأكثر من (1400) كيلومتر، ووجود جماعات مسلحة في المناطق الحدودية، واستمرار تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب العابر للحدود، فضلاً عن احتمالات انتقال الأزمات الإقليمية إلى الداخل العراقي، كلها عوامل تجعل الأمن القومي للبلدين مترابطاً بصورة وثيقة. ومن هذا المنطلق، لم تقتصر المباحثات بين بغداد وطهران على تعزيز التعاون الثنائي، بل جاءت في إطار سعي مشترك للحيلولة دون تحول الحدود المشتركة إلى مصدر لعدم الاستقرار الإقليمي.[2]

    وتضع طهران تنفيذ الاتفاقية الأمنية الموقعة مع العراق، ومنع استخدام أراضي إقليم كردستان من قبل الجماعات المسلحة المناوئة لإيران، في مقدمة أولوياتها الأمنية. وفي المقابل، تسعى بغداد إلى تجنب تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، أو إلى مسرح لتصفية الصراعات بين الفاعلين من غير الدول. وعليه، فإن التعاون الأمني بين البلدين يتجاوز مجرد إدارة الحدود، ليصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف احتواء تداعيات الأزمات الإقليمية ومنع انتقالها إلى الداخل العراقي.

    وفي السياق ذاته، تبرز قضية حصر السلاح بيد الدولة بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة العراقية. فقد قدمت حكومة الزيدي هذا الملف باعتباره ركناً أساسياً في مشروع إعادة بناء الدولة وترسيخ السيادة الوطنية، غير أن نجاحه يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة العلاقات التي تقيمها بغداد مع طهران وواشنطن، فضلاً عن توازناتها مع القوى السياسية الداخلية.[3] ومن ثم، فإن الحوار مع إيران بشأن هذا الملف لا يندرج ضمن إطار التعاون الأمني فحسب، بل يمثل جزءاً من محاولة عراقية لإيجاد توازن دقيق بين متطلبات بناء الدولة واستحقاقات البيئة الإقليمية.

    ثانياً: البعد الجيوسياسي… العراق والبحث عن دور الدولة الموازِنة

    تكشف التطورات الإقليمية الأخيرة عن رغبة عراقية متزايدة في تجاوز الصورة التقليدية التي حصرت العراق في كونه ساحةً لتنافس القوى الإقليمية والدولية. فزيارة طهران، إلى جانب زيارة واشنطن والزيارات المعلنة إلى أنقرة والرياض ودمشق، تعكس توجهاً استراتيجياً يهدف إلى إعادة تموضع العراق بوصفه دولةً موازِنة قادرة على إدارة علاقاتها مع مختلف الأطراف، بدلاً من أن يكون موضوعاً للتنافس بينها.

    وانطلاقاً من هذا التصور، لا يتمثل الهدف الرئيس للسياسة الخارجية العراقية في الاختيار بين إيران والولايات المتحدة، وإنما في المحافظة على علاقات متوازنة مع الطرفين، ومنع انعكاس تنافسهما على الاستقرار الداخلي العراقي. ولذلك، تندرج زيارة الزيدي إلى طهران ضمن مسار دبلوماسي متكامل يسعى إلى بناء شبكة من العلاقات المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما يحد من احتمالات انجرار العراق إلى صراعات المحاور.

    ومن المنظور النظري، يمكن تفسير هذا السلوك في إطار مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، الذي يشير إلى قدرة الدولة على الحفاظ على حرية قرارها السياسي والأمني والاقتصادي، رغم انخراطها في علاقات وثيقة مع قوى دولية وإقليمية متعددة. وتوضح ممارسات حكومة الزيدي أن بغداد تتبنى سياسة تقوم على تنويع شركائها الخارجيين، بما يعزز قدرتها التفاوضية، ويحد من مخاطر الارتهان البنيوي لأي قوة خارجية، ويمنحها هامشاً أوسع للتكيف مع التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية.

    ثالثاً: البعد الجيواقتصادي… الاقتصاد بوصفه أداة للسياسة الخارجية

    يعد الربط بين الأمن والتنمية الاقتصادية إحدى السمات الرئيسة في السياسة الخارجية التي تتبناها حكومة الزيدي. فبعد سنوات هيمنت فيها الاعتبارات الأمنية على علاقات العراق الخارجية، تسعى الحكومة الحالية إلى جعل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والنقل والبنية التحتية ركائز أساسية للتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في رؤية رئيس الوزراء، التي أكدت أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الاقتصادي تمثل، إلى جانب صيانة السيادة الوطنية، أولويات رئيسة للسياسة الخارجية العراقية.

    وفي هذا الإطار، لم تعد العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق تقتصر على التجارة الحدودية أو صادرات الطاقة، بل اتسع نطاقها ليشمل تطوير شبكات النقل، وربط خطوط السكك الحديدية، وتعزيز التعاون في المجالات الفنية والهندسية، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، وتيسير حركة التجارة، والتنسيق في مشروعات الممرات التجارية الإقليمية. ولا تسهم هذه المشروعات في توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين فحسب، بل تعزز أيضاً مكانة العراق بوصفه عقدةً لوجستية تربط بين الخليج وإيران وتركيا وشرق البحر المتوسط، وهو ما ينسجم مع الرؤية العراقية الرامية إلى تحويل الموقع الجغرافي للدولة إلى مصدر للقوة والنفوذ الاقتصادي.

    ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى زيارة طهران باعتبارها جزءاً من استراتيجية عراقية أوسع لتوظيف الجيواقتصاد بوصفه مكملاً للجيوبوليتيك، بحيث تصبح التنمية الاقتصادية، وتعزيز الترابط الإقليمي، وجذب الاستثمارات الأجنبية أدوات لتعزيز الأمن الوطني، ورفع مستوى المرونة الاقتصادية، وترسيخ مكانة العراق في النظام الإقليمي الآخذ في التشكل.

    في ضوء ما تقدم، لا يمكن اختزال أهمية زيارة علي الزيدي إلى طهران في نتائج اللقاءات الرسمية أو الاتفاقات الثنائية التي أفضت إليها. فالقيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه الزيارة تكمن في أنها سعت إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة في آنٍ واحد: تعزيز التعاون الأمني لإدارة التهديدات المشتركة، وترسيخ دور العراق بوصفه دولةً موازِنة في خضم التنافسات الإقليمية والدولية، وتفعيل الأدوات الجيواقتصادية لربط التنمية الاقتصادية بأهداف السياسة الخارجية. ويعكس هذا التداخل بين الأبعاد الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية التحول الذي تشهده الدبلوماسية العراقية، والتي لم تعد تقتصر على إدارة الأزمات، بل باتت تتجه نحو توظيف الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية للعراق في إعادة تعريف مكانته ضمن البنية الأمنية والجيواقتصادية للشرق الأوسط.

    التنافس على سرديات السياسة الخارجية العراقية: زيارة طهران في قراءات الفاعلين الإقليميين والدوليين

    تُعدّ السياسة الخارجية التي تنتهجها حكومة علي الزيدي واحدةً من أكثر السياسات الإقليمية عرضةً لتعدد التأويلات وتنافس السرديات. فمعظم الفاعلين الإقليميين والدوليين لا ينظرون إلى تحركات بغداد الخارجية بوصفها قرارات سيادية مستقلة فحسب، بل يفسرونها من خلال منظوراتهم الاستراتيجية ومصالحهم الخاصة. ومن ثم، فإن الجدل الذي رافق زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران لم يكن محصوراً في نتائجها السياسية أو الاتفاقات التي أفضت إليها، وإنما امتد إلى التنافس على صياغة السردية التي تُفسَّر من خلالها توجهات السياسة الخارجية العراقية. ويسعى كل طرف إلى تأطير هذه الزيارة بما ينسجم مع تصوره لمستقبل التوازنات الإقليمية، الأمر الذي يعكس تحول السياسة الخارجية العراقية إلى ساحة للتنافس الإدراكي، بقدر ما أصبحت مجالاً للتفاعلات الدبلوماسية التقليدية.

    ومن المنظور الأمريكي، تُقاس توجهات حكومة الزيدي بمدى نجاحها في تنفيذ الإصلاحات المؤسسية، وتعزيز سلطة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الولايات المتحدة وشركائها الغربيين. وفي هذا السياق، اعتبرت بعض التحليلات الأمريكية زيارة الزيدي إلى واشنطن مؤشراً على سعي بغداد إلى تعزيز استقلالية قرارها الوطني وتوسيع هامش حركتها الخارجية. [4]وانطلاقاً من المنظور ذاته، نُظر إلى زيارته اللاحقة إلى طهران بوصفها اختباراً لقدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على سياسة التوازن بين شركائها الدوليين، وهي قراءة تعكس في جوهرها الإدراك الأمريكي للتحولات العراقية أكثر مما تعبر عن التوجه الرسمي الذي تتبناه بغداد. [5]

    أما في إيران، فلم تكن السردية المتعلقة بزيارة الزيدي إلى طهران موحدة بالكامل، بل اتسمت بدرجة من التباين. ففي حين ركزت وسائل الإعلام والدوائر القريبة من مؤسسات الدولة على أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين إيران والعراق، واستمرار التنسيق الأمني والاقتصادي بين البلدين، برزت أيضاً أصوات سياسية أبدت قدراً من التحفظ إزاء بعض توجهات الحكومة العراقية الجديدة. وفي هذا السياق، أثارت التصريحات التي أدلى بها علي أكبر ولايتي، والتي انتقد فيها بعض توجهات بغداد، نقاشاً حول حدود سياسة التوازن التي تنتهجها الحكومة العراقية، ومدى تأثيرها في مستقبل العلاقات الثنائية.[6] غير أن هذه المواقف تعكس اختلافاً في تقييم أولويات السياسة الخارجية العراقية أكثر مما تعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقات بين البلدين، التي ما تزال تستند إلى شبكة واسعة من المصالح الأمنية والاقتصادية والجيواستراتيجية المشتركة.

    وفي المقابل، تنظر وسائل الإعلام والدوائر السياسية القريبة من محور المقاومة إلى الزيارة بوصفها امتداداً طبيعياً للشراكة الاستراتيجية بين إيران والعراق، وتؤكد أن تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين لا يزال يرتبط باستمرار التنسيق الوثيق بين البلدين. ووفقاً لهذه السردية، فإن العلاقات الإيرانية–العراقية لا تقتصر على التعاون الأمني، بل تشمل شبكة واسعة من المصالح المشتركة في مجالات الاقتصاد والطاقة والنقل والتكامل الإقليمي، ومن ثم تُقدَّم زيارة الزيدي باعتبارها دليلاً على استمرارية هذا المسار الاستراتيجي، وليس بوصفها مؤشراً على تحول في اتجاه السياسة الخارجية العراقية. [7]

    وفي مقابل هذه السرديات، تقدم العديد من الدراسات الأكاديمية وتقارير مراكز البحوث، فضلاً عن تحليلات مستقلة، تفسيراً أكثر اتزاناً لتوجهات بغداد الخارجية. فهذه الدراسات ترى أن سياسة حكومة الزيدي لا يمكن اختزالها في ثنائية الانحياز إلى الولايات المتحدة أو الارتهان لإيران، وإنما تعكس استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على المحافظة على علاقات فاعلة مع مختلف القوى المؤثرة، وتقليص كلفة التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية للعراق. [8]ومن هذا المنظور، لا تختلف زيارة طهران في جوهرها عن الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء إلى واشنطن أو تلك المعلنة إلى أنقرة والرياض ودمشق، إذ تمثل جميعها حلقات مترابطة ضمن استراتيجية إقليمية واحدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيواقتصادية.

    وتكتسب هذه السرديات المتنافسة أهمية خاصة من الناحية النظرية. فوفقاً لأدبيات العلاقات الدولية، تواجه الدول التي تتبنى استراتيجية التوازن النشط قراءات متباينة من قبل القوى الخارجية، لأن كل طرف يسعى إلى تفسير سلوكها في ضوء حساباته الجيوسياسية الخاصة. وفي المقابل، يتمثل الهدف الرئيس لهذه الدول في الحفاظ على حرية قرارها الاستراتيجي، وتجنب الانخراط في تحالفات جامدة، ومنع تحولها إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى. ومن ثم، فإن تعدد السرديات بشأن السياسة الخارجية العراقية لا ينبغي تفسيره بوصفه دليلاً على تغير اتجاه بغداد، بل باعتباره نتيجة طبيعية لاتباعها سياسة تقوم على تنويع الشراكات وإدارة التوازنات في بيئة إقليمية معقدة.

    ومن هذا المنطلق، تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لزيارة علي الزيدي إلى طهران حدود الاتفاقيات الثنائية أو اللقاءات الرسمية، لتتمثل في الرسالة السياسية التي وجهتها بغداد إلى محيطها الإقليمي والدولي، ومفادها أن العراق يسعى إلى إعادة تعريف دوره بوصفه دولةً مستقلةً تمتلك هامشاً أوسع من حرية الحركة الاستراتيجية. فبغداد تحاول، في آن واحد، المحافظة على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومواصلة تعاونها الاقتصادي والأمني مع الولايات المتحدة، وتوسيع انفتاحها على تركيا والدول العربية، مع تجنب الانخراط في أي محور إقليمي مغلق. ولذلك، فإن جوهر التنافس الدائر اليوم لا يتعلق بالسؤال عن الجهة التي يميل إليها العراق، بقدر ما يتعلق بالسؤال حول أي سردية ستنجح في تفسير خياراته الاستراتيجية وفرض نفسها بوصفها السردية المهيمنة. ومن ثم، فإن الصراع على السرديات أصبح جزءاً لا يتجزأ من الصراع على التأثير في السياسة الخارجية العراقية، وهو ما يعكس تنامي المكانة الجيوسياسية للعراق في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط.

    زيارة الزيدي إلى طهران وإعادة تعريف مكانة العراق في النظام الإقليمي للشرق الأوسط

    تشير التحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة إلى أن النظام الإقليمي للمنطقة يمر بمرحلة انتقالية من بنيةٍ كانت تقوم بصورة أساسية على الاستقطابات الأيديولوجية والمقاربات الأمنية الصلبة، نحو نمطٍ جديد تتزايد فيه أهمية المنافسة الجيواقتصادية، وتعزيز الترابط الإقليمي، وتوسيع أدوار الدبلوماسية متعددة الأطراف. وفي ظل هذا التحول، تكتسب الدول التي تمتلك القدرة على إدارة علاقاتها مع أطراف متنافسة في آنٍ واحد فرصاً أكبر لتعزيز نفوذها ومكانتها الإقليمية. ومن هذا المنظور، ينبغي قراءة زيارة علي الزيدي إلى طهران باعتبارها جزءاً من مسعى عراقي أوسع لإعادة تعريف دور العراق في النظام الإقليمي المتشكل في الشرق الأوسط.

    فعلى مدى العقدين الماضيين، لم يكن العراق فاعلاً رئيسياً في تشكيل النظام الإقليمي بقدر ما كان ساحةً لتقاطع تنافس القوى الإقليمية والدولية. فقد أدى الوجود العسكري الأمريكي، والنفوذ الإيراني، والدور التركي في شمال العراق، والتدخلات العربية، فضلاً عن التهديدات الناجمة عن التنظيمات الإرهابية، إلى جعل السياسة الخارجية العراقية في مراحل عديدة ذات طابع تفاعلي يركز على إدارة الأزمات أكثر من صناعة المبادرات. غير أن حكومة الزيدي تسعى إلى تجاوز هذا النمط عبر نقل السياسة الخارجية العراقية من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة الفرص الاستراتيجية، بما يعزز قدرة بغداد على التأثير في بيئتها الإقليمية.

    ومن أبرز مؤشرات هذا التحول أن بغداد لم تعد تنظر إلى علاقاتها مع طهران وواشنطن والرياض وأنقرة باعتبارها مسارات منفصلة أو متعارضة، وإنما باعتبارها أجزاءً مترابطة ضمن شبكة واحدة من العلاقات الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، لا تمثل زيارة طهران ابتعاداً عن واشنطن، كما لا تعني انضمام العراق إلى محور إقليمي محدد، بل تشكل حلقة ضمن سياسة خارجية متعددة الاتجاهات تهدف إلى تعزيز القدرة التفاوضية للعراق مع مختلف شركائه الخارجيين. ويتسق هذا التوجه مع نمط التحركات الدبلوماسية لرئيس الوزراء العراقي، الذي يركز على توسيع التعاون المتزامن مع مختلف القوى المؤثرة، بدلاً من الانحياز إلى مسار واحد.

    ويمكن تحليل هذا التحول أيضاً في إطار نظرية المجمع الأمني الإقلي، التي تفترض أن أمن الدول داخل الإقليم يرتبط بدرجة عالية من الاعتماد المتبادل، بحيث يصعب على أي دولة تحقيق أمن مستدام بمعزل عن محيطها الجغرافي. وفي الحالة العراقية، يظهر هذا الترابط بوضوح في ملفات أمن الحدود، والطاقة، والمياه، والتجارة، والممرات التجارية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. ومن ثم، فإن تطوير العلاقات مع إيران لا يمثل بالنسبة لبغداد خياراً سياسياً فحسب، بل يعد جزءاً من متطلبات إدارة البيئة الأمنية المحيطة بها. وفي الوقت ذاته، يدفع المنطق ذاته العراق إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا، لأن أمنه وتنميته الاقتصادية يرتبطان بشبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف.

    ومن جهة أخرى، تزايدت أهمية البعد الجيواقتصادي في السياسة الخارجية العراقية بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. فمشروع طريق التنمية، والسعي إلى تحويل العراق إلى ممر يربط الخليج بأوروبا، وتطوير البنية التحتية للنقل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، كلها مؤشرات على توجه بغداد نحو تحويل موقعها الجغرافي من مجرد عامل جيوسياسي إلى مصدر للقوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي. وفي هذا السياق، فإن التعاون مع إيران في مجالات النقل والطاقة والتجارة، إلى جانب التعاون مع تركيا في مسارات الربط والترانزيت، والانفتاح على الدول العربية والغربية في مجال الاستثمار، لا تمثل سياسات متناقضة، بل تشكل عناصر متكاملة ضمن استراتيجية عراقية واحدة تقوم على توظيف الجغرافيا والاقتصاد لتعزيز المكانة الإقليمية.

    وفي هذا السياق، حملت زيارة طهران رسالة مهمة على مستوى الدبلوماسية الإقليمية، إذ سعت بغداد إلى التأكيد على أن علاقاتها الاستراتيجية مع إيران لا تشكل عائقاً أمام تطوير التعاون مع الولايات المتحدة أو العالم العربي، كما أن توسيع علاقاتها مع واشنطن لا يعني بالضرورة تقليص تعاونها مع طهران. وعلى الرغم من أن هذا النهج يواجه بعض الشكوك والتحفظات من قبل عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، فإنه إذا ما استمر يمكن أن يجعل العراق أحد النماذج القليلة في المنطقة القادرة على إدارة علاقات متوازنة مع مجموعة من القوى المتنافسة في آنٍ واحد.

    وبناءً على ذلك، لا ينبغي البحث عن الأهمية الحقيقية لزيارة علي الزيدي إلى طهران في عدد الاتفاقيات الموقعة أو البيانات المشتركة الصادرة عنها، وإنما في التحول الأعمق الذي تعكسه في وظيفة السياسة الخارجية العراقية. فبغداد تسعى إلى الانتقال من دولة كانت تُعرَّف غالباً باعتبارها مجالاً لتنافس الآخرين، إلى دولة تمتلك القدرة على التأثير في ترتيبات المنطقة من خلال الدبلوماسية المتوازنة، والروابط الاقتصادية، والتعاون الأمني متعدد الأطراف.

    ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها تحقيق الاستقرار السياسي الداخلي، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وإدارة التوازنات بين القوى السياسية العراقية، والحفاظ على ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين. لكن مجرد تبني هذا المسار يعكس تحولاً مهماً في رؤية الدولة العراقية لمكانتها ودورها في الشرق الأوسط، وانتقالاً تدريجياً من موقع التأثر بالتوازنات الإقليمية إلى محاولة المشاركة في صياغتها.

    السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الإيرانية–العراقية في عهد الزيدي

    لا يمكن استشراف مستقبل العلاقات الإيرانية–العراقية خلال فترة رئاسة علي فالح الزيدي للحكومة العراقية بالاستناد إلى الإرادة السياسية لحكومتي البلدين فقط، إذ إن مسار هذه العلاقات سيتشكل من خلال تفاعل متزامن بين ثلاثة مستويات رئيسية من المتغيرات: التطورات الداخلية في العراق، والتنافسات الإقليمية، والتحولات في بنية النظام الدولي. وعليه، فإن مستقبل العلاقات بين بغداد وطهران لن يكون مساراً خطياً أو محدداً سلفاً، بل سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة، وإدارة الضغوط الداخلية والخارجية، وتوظيف الفرص الجيوسياسية والجيواقتصادية المتاحة. وفي ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار العلاقات بين البلدين.

    السيناريو الأول: تعميق الشراكة الاستراتيجية

    يقوم السيناريو الأول على احتمال تعميق العلاقات الإيرانية–العراقية والارتقاء بها نحو مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ووفق هذا المسار، لن تقتصر علاقات البلدين على المجالات السياسية والأمنية التقليدية، بل ستتوسع لتشمل قطاعات الاقتصاد والطاقة والنقل والبنية التحتية والاستثمار والربط الإقليمي.

    وتتمثل أبرز مؤشرات تحقق هذا السيناريو في ارتفاع حجم التبادل التجاري، واستكمال المشروعات المشتركة في مجالات السكك الحديدية والطاقة، وتطوير الممرات التجارية، وتعزيز التعاون في الملفات الأمنية، بما يحول العلاقة الثنائية من إطار التعاون التقليدي إلى شراكة قائمة على المصالح المتبادلة طويلة الأمد.

    ويرتبط تحقق هذا السيناريو بدرجة كبيرة بقدرة البيئة الإقليمية على تجاوز مستويات التصعيد الحالية، واستمرار مسارات خفض التوتر بين إيران والدول العربية، وتجنب تحول التنافس الإيراني–الأمريكي إلى مواجهة مفتوحة. ففي حال توافرت هذه الظروف، سيكون بإمكان العراق الاستفادة من علاقاته الوثيقة مع إيران في دعم خططه التنموية، وتعزيز قدراته في مجال الربط الإقليمي، وتطوير موقعه الجيواقتصادي، دون تحمل أعباء الصراعات بين القوى الكبرى.

    غير أن نجاح هذا المسار يتطلب أن تنتقل العلاقات الثنائية بصورة أكبر من منطق الاعتبارات الأمنية والسياسية إلى منطق المصالح الاقتصادية والتنموية، وأن تصبح المشروعات المشتركة والتكامل الاقتصادي محوراً أساسياً في مستقبل العلاقة بين البلدين، وهو توجه ينسجم مع الخطاب المعلن لحكومة الزيدي بشأن ربط السياسة الخارجية بالتنمية وتعزيز السيادة الوطنية.

    السيناريو الثاني: استمرار التوازن النشط؛ السيناريو الأكثر احتمالاً

    يمثل استمرار سياسة التوازن النشط السيناريو الأكثر ترجيحاً لمستقبل العلاقات الإيرانية – العراقية. ووفق هذا النموذج، ستواصل بغداد الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالتوازي مع استمرار تعاونها مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا وسائر الشركاء الدوليين.

    ولا يقوم هذا النهج على الابتعاد عن إيران أو الانحياز الكامل إلى الغرب، بل يستند إلى محاولة تعظيم المصالح الوطنية العراقية من خلال تنويع الشراكات الخارجية، وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الكلفة الناتجة عن التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

    وفي إطار هذا السيناريو، ستبقى العلاقات مع طهران أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الخارجية العراقية، لكنها ستُدار ضمن شبكة أوسع من العلاقات الدولية، وليس باعتبارها بديلاً عن التعاون مع الأطراف الأخرى أو نقيضاً له. ومن هذا المنظور، ينبغي فهم زيارات رئيس الوزراء العراقي إلى طهران وواشنطن وأنقرة والرياض باعتبارها حلقات مترابطة ضمن سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، وليست مؤشراً على تحول استراتيجي نحو طرف معين.

    وبالنظر إلى طبيعة احتياجات العراق الاقتصادية والأمنية، واعتماده على علاقات متوازنة مع مختلف القوى، فضلاً عن توجهات حكومة الزيدي المعلنة، فإن هذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية وقدرة على الاستمرار خلال المرحلة المقبلة.

    السيناريو الثالث: عودة العراق إلى ساحة تنافس القوى الكبرى

    يرتبط السيناريو الثالث باحتمال دخول التنافس بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد، أو تحول الأزمات الإقليمية إلى مواجهات مباشرة بين القوى المتنافسة. وفي مثل هذه الحالة، ستتقلص مساحة المناورة الدبلوماسية أمام بغداد، وستواجه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه شركائها الرئيسيين.

    وقد يؤدي تصاعد العقوبات، وارتفاع مستويات التوتر الأمني، وعودة أنماط الصراع بالوكالة، وتعطل المشروعات الاقتصادية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وزيادة حالة عدم اليقين في البيئة الاستثمارية، إلى إضعاف قدرة العراق على تنفيذ مشروعه القائم على التوازن والانفتاح المتعدد.

    وفي ظل هذا السيناريو، قد يعود العراق تدريجياً إلى موقعه السابق بوصفه ساحةً لتنافس القوى الإقليمية والدولية بدلاً من كونه فاعلاً قادراً على إدارة هذا التنافس. وتظهر تجارب العقدين الماضيين أن مثل هذا الوضع يفرض تكاليف كبيرة على الاستقرار السياسي، والأمن الداخلي، ومسارات التنمية الاقتصادية في العراق.

    المتغيرات الحاسمة في تحديد مستقبل العلاقات

    بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن مستقبل العلاقات الإيرانية–العراقية سيظل مرتبطاً بمجموعة من المتغيرات الاستراتيجية الأساسية. ويأتي في مقدمة هذه المتغيرات:

    • مسار العلاقات الإيرانية–الأمريكية ومستوى التصعيد بين الطرفين.
    • قدرة حكومة الزيدي على تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتعزيز مؤسسات الدولة.
    • نجاح المشروعات الجيواقتصادية العراقية، ولا سيما مشروع طريق التنمية.
    • قدرة بغداد على إدارة علاقاتها مع إقليم كردستان والقوى السياسية والاجتماعية الداخلية.
    • التطورات الأمنية في سوريا والخليج والبحر الأحمر.
    • مدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لقبول دور عراقي مستقل يقوم على التوازن والمناورة الاستراتيجية.

    وتشير مجمل المعطيات إلى أن مستقبل العلاقات الإيرانية–العراقية سيعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على قدرة بغداد على الحفاظ على سياسة خارجية متعددة الاتجاهات تقوم على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة. فإذا تمكنت حكومة علي الزيدي من إدارة علاقاتها مع طهران وواشنطن والدول العربية وتركيا وفقاً لمبدأ أولوية المصلحة الوطنية العراقية وتنويع الشركاء الخارجيين، فإن العراق لن يكتفي بتقليل تداعيات المنافسة الإقليمية والدولية، بل قد ينجح في ترسيخ موقعه بوصفه دولةً موازِنة وأحد الفاعلين المؤثرين في البنية الأمنية والجيواقتصادية الجديدة للشرق الأوسط.

    أما في حال تصاعد التنافس الجيوسياسي، أو تعثر الإصلاحات الداخلية، أو تراجع قدرة بغداد على الحفاظ على هامشها الدبلوماسي، فإن مخاطر عودة العراق إلى دائرة الصراعات بالوكالة ستزداد، بما يحد من قدرته على أداء دور مستقل في النظام الإقليمي. ومن ثم، فإن التحدي المركزي أمام حكومة الزيدي لا يتمثل فقط في إدارة علاقاتها الخارجية، بل في تحويل سياسة التوازن من خيار تكتيكي إلى استراتيجية دولة مستدامة قادرة على حماية مصالح العراق وتعزيز مكانته الإقليمية.

    التوصيات السياساتية للحكومة العراقية

    في ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، وتصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، والأولويات المعلنة لحكومة علي الزيدي، فإن نجاح السياسة الخارجية العراقية سيظل مرتبطاً بقدرة بغداد على تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية، والمصالح الاقتصادية، والاعتبارات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يمكن طرح مجموعة من التوصيات السياساتية التي من شأنها تعزيز فاعلية الدور العراقي إقليمياً ودولياً:

    أولاً: مأسسة سياسة التوازن النشط

    ينبغي على الحكومة العراقية تحويل سياسة التوازن الخارجي من مجرد توجه حكومي مرتبط بظروف سياسية محددة إلى عقيدة وطنية مستقرة للسياسة الخارجية، بحيث لا تؤدي تغيرات الحكومات أو التحالفات السياسية الداخلية إلى تحولات جذرية ومفاجئة في توجهات بغداد الخارجية. وفي هذا الإطار، يمكن أن يسهم إعداد وثيقة استراتيجية للسياسة الخارجية العراقية، تستند إلى مبدأ «العراق أولاً»، وتنويع الشراكات الخارجية، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، في تعزيز استقرار الدبلوماسية العراقية ورفع قدرتها على التعامل مع التحولات الإقليمية.

    ثانياً: إعطاء الأولوية للجيواقتصاد في العلاقات مع إيران

    يتعين على بغداد وطهران الانتقال بالعلاقات الثنائية من التركيز التقليدي على الملفات الأمنية والسياسية نحو توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموية. فاستكمال مشروع الربط السككي بين شلمجة والبصرة، وتطوير التعاون في قطاع الطاقة، وتسهيل حركة التجارة، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة، والتنسيق في مشروعات النقل والممرات التجارية، كلها خطوات يمكن أن تعزز الاعتماد المتبادل الاقتصادي بين البلدين، وتجعل العلاقات الثنائية أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات السياسية والأمنية.

    ثالثاً: تعزيز الدبلوماسية الإقليمية متعددة الأطراف

    ينبغي للعراق توظيف شبكة علاقاته المتوازنة مع إيران، ودول مجلس التعاون الخليجي، وتركيا، ومصر، والأردن، لتعزيز دوره بوصفه طرفاً قادراً على تسهيل الحوار الإقليمي وبناء مساحات مشتركة بين الأطراف المتنافسة. إن ترسيخ مكانة بغداد كمركز للحوار والتواصل الإقليمي لا يرفع فقط من مكانتها الدولية، بل يزيد أيضاً من كلفة تحويل العراق إلى ساحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

    رابعاً: ربط الإصلاحات الداخلية بالسياسة الخارجية

    أثبتت التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أن نجاح السياسة الخارجية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تعزيز قدرات الدولة الداخلية. فمكافحة الفساد، وإصلاح الجهاز الإداري، وتقوية المؤسسات الرسمية، وترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، تمثل شروطاً أساسية لإنجاح أي استراتيجية تقوم على التوازن الخارجي. وكلما ازدادت قدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها داخلياً، ازدادت قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية باستقلالية وفاعلية أكبر.

    خامساً: تطوير الدبلوماسية الاقتصادية وتنويع مصادر الاستثمار

    ينبغي على بغداد الاستفادة من التنافس بين إيران والدول العربية وتركيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أجل جذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية الوطنية. وفي هذا الإطار، يجب أن يقوم المبدأ الحاكم للسياسة الاقتصادية الخارجية على تنويع الشركاء، وتجنب الاعتماد البنيوي على أي طرف خارجي، وتحويل موقع العراق الجغرافي وموارده الاقتصادية إلى أدوات لتعزيز النفوذ الوطني.

    سادساً: الإدارة النشطة للمخاطر الجيوسياسية

    تحتاج الحكومة العراقية إلى تطوير آليات مؤسسية دائمة لتقييم تأثير الأزمات الإقليمية على الأمن الوطني والاقتصاد والسياسة الخارجية. ويمكن أن يسهم إنشاء مركز أو مجلس متخصص لتقييم المخاطر الجيوسياسية، بالتنسيق مع مجلس الأمن الوطني العراقي، في تحسين القدرة على الاستجابة السريعة للتطورات الطارئة، وتقليل هشاشة العراق أمام الصدمات الإقليمية والدولية.

    الخاتمة

    لا ينبغي تحليل زيارة علي فالح الزيدي إلى طهران باعتبارها مجرد محطة في مسار العلاقات الثنائية بين العراق وإيران، أو بوصفها امتداداً للتحركات الدبلوماسية الأخيرة لبغداد، بل ينبغي قراءتها في إطار تحول أوسع تشهده السياسة الخارجية العراقية، يتمثل في الانتقال التدريجي من نموذج «سياسة البقاء» إلى نموذج «سياسة الدور الإقليمي» .فالعراق يسعى إلى توظيف موقعه الجيوسياسي وإمكاناته الجيواقتصادية للانتقال من دولة كانت خلال العقدين الماضيين مجالاً لتنافس القوى الخارجية، إلى دولة قادرة على التأثير في إدارة المعادلات الأمنية والاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط.

    وفي هذا الإطار، لا تُعرَّف العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو الدول العربية أو بقية الشركاء الدوليين، وإنما باعتبارها أحد مكونات السياسة الخارجية العراقية متعددة الاتجاهات. ومن هذا المنظور، فإن زيارة الزيدي إلى واشنطن لم تكن مؤشراً على ابتعاد العراق عن طهران، كما أن زيارته إلى طهران لا تعني ابتعاده عن الولايات المتحدة أو العالم العربي، بل تمثل الزيارتان جزءاً من استراتيجية واحدة تهدف إلى توسيع هامش المناورة الدبلوماسية العراقية، وتنويع الشراكات الخارجية، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

    ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطاً بمجموعة من الشروط الداخلية والخارجية. فعلى المستوى الداخلي، يتطلب ترسيخ السياسة الخارجية المتوازنة تعزيز سلطة الدولة، وإدارة الانقسامات السياسية، ومعالجة الملفات العالقة بين بغداد وإقليم كردستان، والمضي في الإصلاحات المؤسسية. أما على المستوى الاقتصادي، فإن تحقيق أهداف مثل تطوير البنية التحتية، وتنفيذ مشروع طريق التنمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحويل العراق إلى عقدة ترانزيت إقليمية، يحتاج إلى بيئة مستقرة أمنياً واقتصادياً، وإلى بناء ثقة مستدامة مع الشركاء الدوليين.

    وفي الوقت ذاته، ستظل المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة، عاملاً مؤثراً في قدرة بغداد على الحفاظ على هامش حركتها الدبلوماسية. فتصاعد الاستقطاب الجيوسياسي قد يحد من قدرة العراق على ممارسة سياسة التوازن، ويعيده إلى وضعية سابقة كان فيها ساحةً لتنافس الآخرين بدلاً من أن يكون فاعلاً في إدارة هذا التنافس.

    ورغم هذه التحديات، تشير المعطيات المتاحة إلى أن المسار الأكثر واقعية أمام العراق يتمثل في استمرار سياسة التوازن النشط والدبلوماسية متعددة الاتجاهات. فإذا اقترنت هذه السياسة بإصلاحات داخلية حقيقية وتنمية اقتصادية مستدامة، فإن العراق سيكون قادراً على الانتقال من موقع «موضوع المنافسة» إلى موقع «الدولة القادرة على إدارة المنافسة»، بما يعزز مكانته في الترتيبات الأمنية والجيواقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط.

    وعليه، فإن الأهمية الحقيقية لزيارة علي فالح الزيدي إلى طهران لا تكمن فقط في الاتفاقيات الموقعة أو اللقاءات الرسمية التي رافقتها، وإنما في كونها تعكس تثبيت نموذج جديد للسياسة الخارجية العراقية يقوم على التوازن النشط، وتنويع العلاقات الخارجية، وربط الدبلوماسية بالتنمية الاقتصادية، والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي. وإذا نجحت بغداد في ترسيخ هذا النهج، فقد يتحول العراق خلال السنوات المقبلة إلى أحد الفاعلين المؤثرين في صياغة ملامح النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.


    [1]. Ali Al-Zaidi, “Iraq’s Prime Minister: Why I’m Coming to Washington.” July 12, 2026. The Washington Post.https://www.washingtonpost.com/opinions/2026/07/13/prime-minister-al-zaidi-iraq-is-ready-new-us-partnership

    [2]. علي نجات، «زيارة الرئيس الإيراني إلى العراق: الأسباب والمآلات»، 18 أيلول/سبتمبر 2024، مركز البيان للدراسات والتخطيط.

    .[3] رائد الحامد، «مسارات حصر السلاح في العراق: التحديات والتوقعات المحتملة»، مركز الجزيرة للدراسات، 2 تموز/يوليو 2026.

    [4]. David Schenker, “Mr. Al-Zaidi Goes to Washington.” July 13, 2026. The National Interest.
    https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/mr-al-zaidi-goes-to-washington

    [5]. Barak Ravid, “He Honored Khamenei. Then He Broke Bread with Trump.” July 15, 2026. Axios. https://www.axios.com/2026/07/15/iraq-iran-trump-zaidi

     .[6] مصطفى، حمزة، «استياء إيراني وفصائلي من زيارة الزيدي إلى واشنطن»، صحيفة الشرق الأوسط، 18 تموز/يوليو 2026.

    [7]. فاضل فقار،«انزعاج أميركي من حشود النجف وكربلاء: عراق ما بعد التشييع… نزع السلاح أبعد»، صحيفة الأخبار، 11 تموز/يوليو 2026.

    [8]. أيغون فيض الله، «عهد علي الزيدي في العراق: سياسة التوازن والتحديات»، مركز أورسام للدراسات، 21 أيار/ مايو 2026.

    اقرأ ايضاً