زيد الصدر
ليس مطلوباً من المثقف أن يجمّل ما يراه، ولا من الكاتب أن يُسدل ستارة على موضع الخلل حتى يبدو المشهد أنظف مما هو عليه. لا تخرج المجتمعات من أزماتها بإنكارها، وإنما بقدرتها على تسميتها وتفكيك أسبابها والبحث عمّا يجاوزها. هذه بديهية يوافق عليها أغلب الناس، ولهذا فإن الخلاف الجدّي لا يقع هنا.
يقع الخلاف حين يتحول التشخيص إلى غاية قائمة بذاتها. حينها يصير الحديث عن الفشل أهمّ من فهم أسبابه، ويصبح تعداد الأزمات أقرب إلى استعراض القدرة، ويستقرّ التشاؤم خطاباً دائماً لا موقفاً عابراً، خطاباً يُقنع الناس بالتكرار لا بالحجّة أن المحاولة نفسها بلا معنى.
ومسؤولية النخبة هنا مضاعفة. الفيلسوف والمفكر والأديب والصحفي والأكاديمي لا يملكون ترف التعامل مع الكلمة كأنها شيء عابر، لأن الكلمة إذا صدرت عن صاحب أثر غيّرت طريقة الناس في النظر إلى أنفسهم وإلى بلدهم وإلى ما ينتظرهم. ونُسب إلى الإمام علي (عليه السلام) قوله: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه»، وفي العبارة ما يتجاوز مدح الإتقان إلى سؤال أثقل يخصّ أهل الاختصاص: ما الذي تصنعه معرفتك في الناس بعد أن تخرج من فمك؟
السلبية ليست أن يرى المرء الجانب المعتم من الأشياء؛ فقد يكون التشخيص القاسي أصدق من المجاملة، وقد يكون كشف الخلل واجباً لا فضيلة زائدة. المشكلة تبدأ حين ينقلب اكتشاف الخلل قناعةً باستحالة إصلاحه. بين أن تقول لطالب على وشك التخرّج إن الطريق أمامه مزدحم بالعقبات، وهذه أسبابها، وهذه المواضع التي ينبغي أن يحترس منها، وبين أن تقول له لا تحاول فالباب موصد منذ البداية، فرقٌ ليس في الدرجة، بل في النوع: الأول نقد يعينه على أن يقرّر، والثاني حكم يعفيه من أن يحاول، ويورثه عجزاً يصعب علاجه لأنه جاءه في لبوس المعرفة.
لذلك فإن السؤال ليس أنكون إيجابيين أم سلبيين، فتلك ثنائية فقيرة لا تصف شيئاً. السؤال هو: ماذا نصنع بالحقيقة بعد أن نمسك بها؟ أنجعلها أداة لفهم الواقع وتحريكه، أم ذريعة مريحة للانسحاب منه؟
ومن الخطأ أن يُدرج كل خطاب نقدي في خانة التشاؤم. المجتمع الذي يخاف النقد يكرّر أخطاءه بلا نهاية، وقد يكون الصمت عن الخلل أشدّ ضرراً من المبالغة في وصفه. للكاتب أن يشتدّ في نقد الفساد، وللمفكر أن يقسو في توصيف أزمة سياسية أو اجتماعية، وللصحفي أن ينشغل بالملفات التي يفضّل الجميع ألّا يراها. ما يميّز النقد المسؤول ليس نبرته المهذّبة، وإنما أنّ وراءه تصوّراً: صاحبه لا يقف عند «هذا فاسد»، بل يسأل لماذا فسد، وكيف يُصلَح، وما الذي يمنع تكراره؛ ولا يكتفي بالقول إن المؤسسات ضعيفة، بل يفتّش في بنية الضعف وفي آليات معالجته. أما أن تُقرأ كل مشكلة دليلاً على استحالة الإصلاح، وكل تجربة متعثّرة برهاناً على أن النجاح ضرب من الحظّ، فتلك ليست واقعية وإن تسمّت باسمها؛ إنها في كثير من الأحيان طريقة أنيقة للتخلّص من عبء المسؤولية.
ويزداد الأمر خطورة حين تصدر الرسالة عمّن يملك حضوراً وثقة. الشاب يتجاوز كلاماً متشائماً يسمعه من عابر في مقهى، لكنه لا يتجاوزه بالسهولة نفسها حين يسمعه من أستاذه، أو من كاتب يتابعه، أو من وجه إعلامي اعتاد أن يصدّقه. ومع تكرار الرسالة ذاتها — الفساد ثابت، المجتمع لا يتغيّر، الناس لا يتغيّرون، الغد أسوأ، والنجاح مصادفة — تترسّخ قناعة أشدّ أذى من أي أزمة بعينها: لا جدوى من الفعل. عندئذٍ يخرج التشاؤم من دائرة الرأي الشخصي ليصير ثقافة، وثقافة العجز أخطر من الفشل، لأن الفشل حادثة قابلة للمراجعة، أما الإيمان بأن المحاولة لا تُجدي فيقتل الاحتمال قبل أن يولد. وفي قول الإمام علي (عليه السلام): «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله» معنى قريب من هذا؛ فقلّة النتائج السريعة لا تُدين الطريق، وقلّة السائرين فيه ليست دليلاً على أنه مسدود.
وليس مطلوباً من الأدب أن يكون مبهجاً. الأدب الكبير عرف الحزن والفقد والظلم والانكسار، وصنع من هذه التجارب مادة لفهم الإنسان لا لإلغائه. والفرق بين أن يكتب الأديب عن الألم لأنه يريد أن يفهمه، وأن يكتب عنه لأنه صار بضاعته الوحيدة، فرقٌ يلمسه القارئ، حتى لو لم يستطع تسميته. وحين يصير الحزن علامة على العمق، والتشاؤم دليلاً على الذكاء، والسخرية من كل محاولة إصلاح شهادةً على «الوعي»، فإن ما نراه ليس نضجاً أدبياً بقدر ما هو ذوق عام يحتاج إلى مراجعة. ما كل مبتسم ساذجاً، ولا كل متشائم عميقاً. وربما كان أثمن ما في الأدب قدرته على أن يقول للإنسان: نعم، تألمنا، لكن الألم ليس آخر الحكاية. وليس عبثاً أن الشعر العربي، في جانب واسع منه، لم يكن تسجيلاً للهزيمة وحدها، بل كان تحريضاً على تجاوزها، كما في بيت المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وللإعلام مشكلة من نوع آخر، أقرب إلى الاقتصاد منها إلى الأخلاق. في سوق شديدة التنافس على الانتباه، يكسب الخبر الصادم ما لا يكسبه الخبر الهادئ، وتنتشر الكارثة أسرع من قصة نجاح بطيئة لا تصلح عنواناً. لهذا تتّسع المساحة أمام السواد وتمرّ النجاحات بصمت. والمشكلة ليست في نشر الأخبار السيئة، فإخفاء ما يسوء ليس إعلاماً، بل دعاية؛ المشكلة أن تصير السلبية النافذة الوحيدة التي يُرى منها المجتمع، فيستيقظ المواطن كل صباح على سلسلة من الرسائل المتشابهة: كل شيء ينهار، لا أحد ينجح، الفساد في كل مكان، والباب مغلق. ولا يحتاج الإعلام بعد مدة إلى إقناعه بشيء، إذ يكفي أن يعيد الرسالة حتى تصبح جزءاً من طريقة تفكيره. والسؤال المهني الذي ينبغي للإعلامي أن يطرحه على نفسه: هل أنقل الواقع، أم أنتقي منه ما يرسّخ في الجمهور شعوراً دائماً بالعجز؟
والحديث عن الأمل لا يعني إنكار ما يجري. ليس مطلوباً أن نقول إن الأمور بخير وهي ليست كذلك، ولا أن نسمّي الفشل نجاحاً، ولا أن نطلب من الناس ابتسامة في وجه مشكلاتهم بدل حلّها؛ ذلك إنكار لا تفاؤل، وهو أقلّ كلفة من الأمل بكثير. الأمل الحقيقي أشقّ: أن ترى المشكلة بحجمها كاملاً، وتعترف بثقلها، ثم تقول ومع ذلك يمكن أن نفعل شيئاً؛ أن تعرف أن الطريق طويل فتبدأ، وأن تدرك أن الإصلاح لا يتمّ في موسم واحد فترفض أن يكون بطؤه حجّة للتوقف. ونُسب إلى الإمام علي (عليه السلام) قوله: «من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره»، والحكمة تمتدّ إلى أصحاب الكلمة؛ فمن يخاطب الناس في شأن تغيير مجتمعهم مطالَبٌ أولاً بأن يسأل عن أثر كلامه، في نفسه قبل سامعيه.
فالكلمة لا تنتهي عند آخر سطر. قد تصل إلى شاب في لحظة ضعف، أو إلى رجل فقد ثقته بنفسه، أو إلى موظف يوشك أن يتخلّى عن محاولة إصلاح صغيرة في دائرته، أو إلى قارئ يبحث عن سبب واحد يمسك به. وأصحاب القلم ليسوا مطالَبين بالترويج للتفاؤل، بل بالصدق وتحمّل تبعته. قول الحقيقة واجب، وكشف الفساد واجب، ونقد السلطة والمؤسسات والمجتمع واجب حين يقع النقد في موضعه. أما صناعة العجز فليست بطولة فكرية، والاستهزاء بكل محاولة ليس دليل عمق، وتحويل التشاؤم إلى هوية لا يصنع نضجاً. والمثقف الذي يستحق الاسم هو من ينظر إلى الخراب دون أن يصير جزءاً من ثقافته، ويكشف الجرح دون أن يقنع صاحبه بأن الشفاء مستحيل.
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف دور النخبة: لا إلى من يصف الواقع بلغة جميلة، ولا إلى من يوزّع جرعات تفاؤل مصنوعة، بل إلى من يقول الحقيقة كاملة؛ هذا هو الخلل، وهذه أسبابه، وهذه مخاطره، وهذه المساحة التي يمكن التحرك فيها. المجتمع لا يحتاج إلى من يخفي عنه الظلام، ولا إلى من يقنعه بأن الظلام قدر، وإنما إلى من يدلّه على الطريق. وإذا كان من حق الكاتب أن يقول إن الغد قد يكون أسوأ، فمن حقه — بل من واجبه أحياناً — أن يبحث عمّا يجعله أفضل. القضية ليست اختياراً بين تشاؤم وتفاؤل، بل بين عجز وفعل. الكلمة التي تكشف الحقيقة وتترك معها باباً مفتوحاً على العمل تبني، والكلمة التي تكشفها ثم تُغلق الأبواب كلها قد تكون وصفت الواقع بدقة، لكنها لم تحرّكه قيد أنملة. وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية النخبة؛ فالقلم ليس مرآةً للخراب وحده، وفي وسعه، إن حمل تبعته، أن يكون من الأدوات التي تمنع الخراب من أن يصير قدراً.




