back to top
المزيد

    واحة البيان

    كيف ساهمت الحرب الاوكرانية في تغيير القطبية الدولية من وجهة نظر سيرغي لافروف

    د. احمد المياحي

    نُشرت مقالة سيرغي لافروف بعنوان “أوكرانيا، أوروبا، والأمن العالمي” في 19 يونيو/حزيران 2026. كان من المقرر في الأصل نشرها في النسخة الأوروبية من موقع “بوليتيكو-يوروب”، إلا أن النشر مُنع في اللحظات الأخيرة، فنشرت وزارة الخارجية الروسية النص الكامل في مجلة “الشؤون الدولية”. يضفي هذا التاريخ النشري على المقالة طابعًا يتجاوز كونها مجرد مذكرة دبلوماسية تقليدية. لا تُمثل مقالة لافروف الموقف الرسمي لموسكو من الحرب في أوكرانيا فحسب، بل تُعد من أكثر البيانات الفكرية شفافيةً الصادرة عن جهاز السياسة الخارجية الروسية في السنوات الأخيرة؛ وهي محاولة لإعادة تعريف مكانة روسيا في النظام الدولي، وطبيعة الغرب، ومشهد الأمن العالمي من منظور موسكو.

    تكمن أهمية هذه المقالة في أن لافروف لا يتحدث من منظور دبلوماسي يُعنى بإدارة أزمة يومية، بل كمتحدث باسم رؤية عالمية. في هذا السياق، لم تعد الحرب الأوكرانية تُنظر إليها كنزاع على الحدود أو الأراضي أو حتى عضوية حلف الناتو، بل كرمز لمواجهة أعمق بين روسيا والغرب حول شكل النظام العالمي المستقبلي. في هذا الضوء، يمكن وضع مقالة لافروف جنبًا إلى جنب مع سلسلة من النصوص والخطابات الروسية العقائدية، بما في ذلك خطاب فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، ومقالته عام 2021 بعنوان “حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين”، ومفهوم السياسة الخارجية الروسية في السنوات الأخيرة، وهي نصوص شكلت مجتمعةً السردية الناشئة للسياسة الخارجية الروسية المعاصرة.

    الانهيار التام للثقة في الغرب

    لا يتمحور المقال حول أوكرانيا، بل حول قضية الثقة؛ أو بتعبير أدق، الانهيار التام للثقة بين روسيا والغرب. يبدأ لافروف حجته بالقول إن “أكثر من عقدين من المفاوضات مع أوروبا” لم تسفر إلا عن نتيجة واحدة: استخدام الحوار كغطاء دبلوماسي للتوسع الجيوسياسي” للمؤسسات الغربية باتجاه حدود روسيا.

    في هذا السياق، يُعاد تفسير جميع الأحداث الرئيسية تقريبًا في العقدين الماضيين في سردية واحدة. فالثورة البرتقالية في أوكرانيا، وتطورات عام 2014، واتفاقيات مينسك، ورفض المقترحات الأمنية الروسية عشية الحرب، وحتى محادثات إسطنبول عام 2022، كلها تُعرض كحلقات في سلسلة واحدة، يرى لافروف أنها تهدف إلى الحد من نفوذ روسيا وإضعافه. في هذه السردية، لا تكمن المشكلة الرئيسية في تضارب المصالح، بل في انعدام الصدق من جانب الطرف الآخر. الغرب ليس مجرد منافس ذي مصالح مختلفة، بل هو فاعل يستخدم المفاوضات لتحقيق أهدافه الجيوسياسية.

    لهذا السبب، يؤكد لافروف في ختام المقال أن الثقة لا يمكن استعادتها عبر “الإنذارات”. هذه الجملة، ربما أكثر من غيرها، تُظهر أن الأزمة الراهنة، من وجهة نظر روسيا، ليست مجرد نتيجة لفشل الدبلوماسية، بل هي نتيجة لاستغلالها لأغراض سياسية. يشير هذا التصور إلى أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاقيات سياسية أو وقف لإطلاق النار، ستبقى فجوة عميقة من انعدام الثقة قائمة.

    روسيا كعائق أمام التوسع الغربي

    يتناول المقال موضوعًا هامًا ثانيًا، ألا وهو صورة روسيا الذاتية كقوة دفاعية في مواجهة مشروع توسعي غربي. ففي رواية لافروف، نادرًا ما تبادر روسيا إلى العمليات التي تُثير التوتر. بل إن الغرب هو من يُغيّر حدوده الجيوسياسية شرقًا، من خلال توسيع حلف الناتو، وتعزيز نفوذ الاتحاد الأوروبي، ودعم التغييرات السياسية في دول روسيا الطرفية، بينما تكتفي روسيا بالرد على هذه العملية.

    والجدير بالذكر أن لافروف لا يحصر المسألة في أوكرانيا. فعندما يكتب أن “أوروبا الموحدة لا تزال تحلم بالتوسع”، يُنظر إلى أوكرانيا كمثال واحد فقط ضمن عملية أوسع. ومن هذا المنظور، تُعدّ الأزمة الأوكرانية جزءًا من مشروع أكبر يهدف إلى تقليص نفوذ روسيا وسلطتها في محيطها.

    ويتردد هذا الانطباع نفسه في جملة أخرى، حيث يُوصف “المزيد من التوسع العسكري والسياسي والاقتصادي للغرب” بأنه أمر غير مقبول. في الواقع، شكّلت هذه الفكرة أحد أبرز ركائز الفكر السياسي الروسي منذ خطاب ميونيخ عام 2007. ورغم أن رؤية روسيا للتطورات الإقليمية والعالمية قد تكون مثيرة للجدل، فإن فهم هذه الرؤية الأمنية ضروري لفهم سلوك موسكو الخارجي. ومن هذا المنطلق، تُبرَّر العديد من تحركات روسيا لا باعتبارها محاولة لتوسيع رقعة نفوذها، بل كرد فعل على تطور النظام الغربي.

    نهاية أوروبا كشريك

    لعلّ أهمّ تحوّل فكريّ يعكسه مقال لافروف هو تحوّل مكانة أوروبا في حسابات روسيا الاستراتيجية. فخلال معظم فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ميّزت روسيا بين أوروبا والولايات المتحدة، وظلّ هناك أمل في أن تلعب بعض القوى الأوروبية دورًا أكثر استقلالية من واشنطن. وحتى بعد أزمة 2014، لم يختفِ هذا التوجّه تمامًا.

    لكن مقال لافروف يُشير إلى انتهاء هذه المرحلة. فعندما يقول إنّ روسيا “تنظر إلى أوروبا كطرفٍ يُريد فشلها”، فهو في الواقع يُعبّر عن تحوّلٍ جوهريّ في التصوّر الاستراتيجي الروسي. لم تعد أوروبا تُنظر إليها كوسيطٍ مُحتمل أو كطرفٍ مُوازن، بل كجزءٍ من جبهةٍ تهدف إلى هزيمة روسيا.

    في هذا السياق، يُجادل لافروف بأنّ “الهدف الحقيقيّ للقادة الأوروبيين ليس التفاوض مع روسيا”، بل الحفاظ على الحكومة الأوكرانية كوسيلةٍ لمواصلة الضغط على روسيا. يُظهر هذا التصور أن الأزمة الحالية، من وجهة نظر موسكو، لا تقتصر على العلاقات الروسية الأوكرانية، وأن حتى انتهاء الحرب لن يعني بالضرورة استعادة العلاقات الروسية الأوروبية. بعبارة أخرى، لا يُنظر إلى الفجوة التي نشأت في العلاقات الروسية الأوروبية على أنها تكتيكية، بل على أنها جوهرية واستراتيجية.

    الانتقال من أوروبا إلى أوراسيا

    على الرغم من الانتقادات الواسعة الموجهة للغرب، فإن الرسالة الأهم في المقال تكمن في قسمه الأخير. لا يكتفي لافروف بانتقاد النظام القائم، بل يرسم ملامح بديل له. فعندما يؤكد أن “النموذج الأمني ​​الأوروبي… لن يُعاد بناؤه أبدًا”، فإنه في الواقع يتحدث عن نهاية حقبة تاريخية؛ حقبة شكلت الإطار الأمني ​​الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة.

    يرى لافروف أن البديل لهذا النظام هو إنشاء “بنية أمنية عابرة لأوراسيا”. وقد أصبح هذا المفهوم أحد أهم عناصر الخطاب السياسي الخارجي الروسي في السنوات الأخيرة، وتكرر مرارًا في خطابات بوتين والوثائق الروسية الرسمية. في هذا الإطار، لم تعد روسيا تسعى للعودة إلى النظام القديم أو إحياء علاقاتها التقليدية مع أوروبا، بل تسعى للمشاركة في بناء نظام جديد تلعب فيه القوى غير الغربية دورًا أكثر بروزًا.

    يرتبط هذا الرأي بأفكار التعددية القطبية، وأوراسيا الكبرى، والدور المتنامي لمجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، والتحول التدريجي لمركز ثقل السياسة العالمية من المجال الأوروبي الأطلسي إلى أوراسيا. من هذا المنظور، لا تُعدّ الحرب الأوكرانية مجرد أزمة أمنية، بل جزءًا من عملية الانتقال من نظام عالمي إلى آخر.

    الخلاصة: تشكيل الرؤية العالمية الروسية ما بعد الغربية

    يمكن اعتبار مقال لافروف من أكثر التعبيرات تماسكًا عن السردية الناشئة للسياسة الخارجية الروسية؛ وهي سردية تبلورت تدريجيًا على مدى عقدين تقريبًا منذ خطاب بوتين في ميونيخ. فإذا كان التركيز الرئيسي في عام 2007 منصبًا على انتقاد الأحادية الأمريكية وتوسع حلف الناتو، فقد تطورت هذه السردية بحلول عام 2026 إلى إطار أوسع بكثير يربط بين الهوية الحضارية الروسية، والذاكرة التاريخية، والأزمة الأوكرانية، والتعددية القطبية، والنظام الأوراسي في منظومة فكرية واحدة.

    في هذه الرؤية العالمية، لا يُنظر إلى الغرب كمنافس فحسب، بل كممثل لنظام متدهور؛ ولا تُعتبر أوروبا وسيطًا، بل جزءًا من الجبهة المعارضة؛ ولا تُعدّ أوكرانيا سببًا للأزمة، بل رمزًا لأزمة أعمق في بنية النظام الدولي. ولهذا السبب، تُصوَّر الحرب الأوكرانية في هذه السردية على أنها الساحة الرئيسية للمواجهة بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل النظام الدولي، بدلًا من كونها نزاعًا على أرض.

    في نهاية المطاف، تكمن أهمية مقال لافروف في أنه يُقدّم صورة واضحة لكيفية إدراك النخب الروسية للعالم المعاصر. فهو يُبيّن أن السياسة الخارجية الروسية لم تعد محصورةً في موازين القوى أو المخاوف الأمنية التقليدية، بل تعمل ضمن سردية أوسع ترى روسيا كحضارة مستقلة، والعالم في مرحلة انتقالية نحو التعددية القطبية، وأوراسيا مركز النظام المستقبلي. وبناءً على ذلك، فإن مقال لافروف لا يُركّز على الحرب في أوكرانيا بقدر ما يُركّز على مكانة روسيا في عالم دخل، من وجهة نظر موسكو، حقبة “ما بعد الغرب”.

    اقرأ ايضاً