back to top
المزيد

    واحة البيان

    إعادة هندسة النظام الدولي عبر الفوضى الاستراتيجية: تحليل عقائدي ومؤسسي وجيوسياسي للاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في أفق 2026

    د. محمد رضا صادقي / خبير في القضايا الاستراتيجية

    تمهيد ومدخل نظري: تحديد المفاهيم والمصطلحات الأساسية للبحث

    تُظهر التحولات الجيوسياسية العالمية في عام 2026 ميلادية تحولاً باراديمياً جذرياً في عقيدة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يُوصف بأنه عبور تاريخي من “النظام القائم على القواعد” إلى “النظام القائم على القوة”. وقد تلقى هذا التحول الهيكلي زخماً غير مسبوق بعودة دونالد ترامب إلى السلطة، مما يستلزم فهماً عميقاً للمفاهيم النظرية والأدوات القانونية-الاقتصادية الجديدة التي تشكل أساس هذه العقيدة المستحدثة. وإيضاحاً لهذا التحول الباراديمي، تُعاد تعريف وتحليل المفاهيم والعبارات الرئيسية لهذا التقرير على النحو التالي:

    التحول الهيموني: من الإبداع المدمر عند شومبيتر إلى العالم متعدد الطبقات عند آشاريا

    يمثل التحول الاستراتيجي للولايات المتحدة في أفق 2026 محاولة واعية للخروج من الالتزامات الدولية التي تصفها أروقة البيت الأبيض بأنها عوائق قانونية تحد من القوة الصلبة الأمريكية. ويرى أنصار هذا التوجه داخل الهيكل الإداري الجديد أن المؤسسات متعددة الأطراف، التي صُممت يوماً كأذرع للهيمنة الليبرالية الأمريكية، قد تحولت في الظروف الراهنة إلى منصة للركوب المجاني والنمو الجيوسياسي للمنافسين التجاريين مثل الصين. وبناءً عليه، وسّعت الحكومة الأمريكية استراتيجية “الإبداع المدمر” الشومبيترية لتشمل المجال المؤسسي للعلاقات الدولية. ويهدف هذا النهج إلى تدمير منظم للمؤسسات متعددة الأطراف عبر قطع التمويلات الكبيرة (خفض الميزانية من 4 مليارات دولار عام 2024 إلى مليار دولار عام 2026) والانسحاب الرسمي من المعاهدات، لإثبات عدم فعالية أي بنية تكاملية تفتقر إلى الموارد الأمريكية المباشرة من خلال شل الوكالات الدولية في مجالات حفظ السلام والصحة.[1]

    غير أن الأدلة تشير إلى أن استراتيجية التفكيك هذه لم تؤدِ إلى عودة الهيمنة الأحادية القطبية المطلقة، بل عجّلت بعملية الانتقال نحو “العالم متعدد الطبقات”. ووفقاً لنظرية أميتاف آشاريا، فإن أفول الهيمنة الأمريكية في هذا العالم الناشئ لا يعني استبدالها بقوة عظمى أخرى، بل إدارة استدامة النظام عبر تعددية من الفاعلين الدوليين وغير الدوليين، مستخدمين “قدرتهم التفاعلية”. وقد استفادت الصين من الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي، فلم تزدد حصتها في إدارة المنظمات الدولية فحسب، بل شرعت في إعادة تعريف “نظام هرمي موازٍ” في قطاعات مهمة من الجنوب العالمي. وهكذا، يتحرك العالم بعيداً عن التقارب في هيكل واشنطن الهرمي العمودي، نحو تعددية بنيوية، حيث تحل الدبلوماسية المرنة والتحالفات الشبكية غير الدائمة محل الالتزامات التقليدية طويلة الأجل.[2]

    عقيدة دانرو وتعديل ترامب لعقيدة مونرو: الجغرافيا والتدخلات العسكرية

    أحدثت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS) لعام 2025، بالإعلان الرسمي عن “عقيدة دانرو” (The Dunroe Doctrine) التي تُعد تعديلاً ترامبياً لعقيدة مونرو التاريخية (1823)، تحولاً إقليمياً كبيراً. إذ تتبنى هذه العقيدة، بإدراكها الموضوعي لمحدودية القوة المادية الأمريكية لقيادة العالم بأسره، الأولوية المطلقة للسيادة والأمن الوطنيين على الحدود، والسيطرة المطلقة على نصف الكرة الغربي. وفي هذا الإطار الاستراتيجي، تتدنى العلاقات مع المنافسين المتكافئين كالصين وروسيا من مجال “التنافس الأيديولوجي والنظامي” إلى مجال “الصفقات التجارية ومناطق النفوذ الملموسة”.[3]

    والتجسيد العملياتي الهجومي لهذه العقيدة كان الغزو العسكري المفاجئ عبر الحدود الذي شنته الولايات المتحدة على الأراضي الفنزويلية في الثالث من يناير 2026، تحت اسم “عملية أبسولوت” (Operation Absolute). ففي هذه العملية، وبانتهاك مباشر لميثاق الأمم المتحدة وسيادة فنزويلا الوطنية، اعتقلت القوات الخاصة الأمريكية الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلتهما إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمتهما بتهم التآمر للإرهاب عبر الحدود وتهريب المخدرات. ومن وجهة نظر واشنطن، كانت هذه العملية رسالة واضحة إلى بكين وموسكو بأن أي حضور عسكري أو نفوذ استراتيجي لهما في الفناء الخلفي لأمريكا سيواجه برد عسكري صارم. بيد أن المحللين الواقعيين يجادلون بأن هذا الإجراء استهدف في الأساس الوصول المباشر إلى الموارد النفطية الفنزويلية، وليس احتواء تهديدات إقليمية حقيقية. ولم يؤدِ هذا السلوك العدواني إلى استقرار دائم في كاراكاس، بل أثار معارضة شديدة بين النخب السياسية في مكسيكو سيتي وبرازيليا، ودفعها إلى الميل لتحقيق توازن استراتيجي على المدى المتوسط عبر توسيع التقارب مع بكين.

    إعادة تشكيل التحالفات الغربية: إضعاف الناتو والعودة إلى نظام “المحور والأطراف

    كما استهدف النهج المعاملات الذي تتبعه واشنطن في مجال الأمن، بنية التضامن الحضاري لحلف الناتو. ففي إطار وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، تم تخفيض مكانة أوروبا من مرتكز استراتيجي إلى عبء مالي وأمني، واتُهمت بلهجة حادة بمواجهة “تلاشٍ حضاري”. وفي هذا السياق، اشترطت الحكومة الأمريكية في قمة لاهاي في يونيو 2025 التزامها بالمظلة الحمائية للناتو برفع الإنفاق العسكري السنوي للأعضاء إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومضاعفة إجمالي النفقات الدفاعية للحلف بحلول عام 2035.[4]

    وهذه المساعي للانتقال من نظام أمني متعدد الأطراف ومتناظر إلى بنية ثنائية غير متناظرة (“المحور والأطراف”)، تمنح أمريكا قوة تفاوضية فريدة، وتمنع تشكل تضامن دفاعي بين الدول الأوروبية قد يتحدى مصالح واشنطن. والهدف النهائي للولايات المتحدة من خطة خفض الوجود العسكري في أوروبا بحلول عام 2027، هو تفريغ أعباء التكاليف عبر الحدود، وتوجيه النظام بحيث تصبح العواصم الأوروبية، في حال وقوع أزمات أمنية عميقة، مضطرة لقبول الشروط التي تفرضها واشنطن باعتبارها المنقذ الوحيد المتبقي.[5]

    تسليح الاقتصاد: تحليل الأنظمة الجمركية وهندسة السداد CAPE

    تم تسليح الأدوات الاقتصادية والتجارية في هذه الفترة بالاعتماد غير المسبوق على قانون السلطات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية (IEEPA). ففي أبريل 2025، أعلن الرئيس ترامب حالة الطوارئ الوطنية بسبب أزمة تهريب المخدرات والعجز التجاري المستمر، وفرض “رسوم جمركية ليوم التحرير” (Liberation Day tariffs) بنسبة لا تقل عن 10% على السلع الواردة من جميع أنحاء العالم. وقد أحدث هذا الهجوم الجمركي، المصحوب بالتهديد بفرض رسوم انتقامية تصل إلى 145% ضد الصين والدول المشترية للنفط الفنزويلي، صدمة عنيفة في الأسواق المالية، وتسبب في انهيار المؤشرات ورد فعل حاد في سوق السندات. ويُظهر التحليل الهيكلي والقانوني للأنظمة الجمركية المعتمدة من حكومة ترامب بين 2025 و2026 أبعاداً وأنماطاً متعددة، يمكن توضيحها كالتالي:[6]

    أولاً: “الرسوم الجمركية العالمية ليوم التحرير” المعتمدة في أبريل 2025، وبنسبة 10% عامة، استناداً إلى صلاحيات قانون IEEPA ضد جميع الدول المتعاملة باستثناء حالات محددة. وقد تم إلغاء هذا النظام الجمركي وإعلان عدم دستوريته في فبراير 2026 من قبل المحكمة العليا، بعد تحديات قانونية واسعة.

    ثانياً: “رسوم الفنتانيل” المعتمدة في فبراير ومارس 2025، والتي شكلت نسبة 30% (تشمل 10% عامة و20% رسومًا عقابية للفنتانيل). فُرضت هذه الرسوم مباشرة على الصين وكندا والمكسيك، وتسببت في تقلبات حادة بالأسواق المالية، لكنها علقت مؤقتاً على الحدود الشمالية للولايات المتحدة بسبب تبعاتها التجارية المدمرة.[7]

    ثالثاً: “الرسوم الانتقامية القصوى” المعتمدة في أبريل 2025، وبنسبة ثقيلة بلغت 145% (تشمل رسومًا انتقامية متبادلة، منها نسبة أساسية 34%، بالإضافة إلى 50% و41% من الإجراءات الانتقامية المتتالية) ضد جمهورية الصين الشعبية. وأدى هذا النهج الانكماشي العدواني إلى ارتفاع مفاجئ في تكاليف الإنتاج ضمن سلاسل التوريد الداخلية الأمريكية، وزيادة ملحوظة في الشكاوى الجمركية الرسمية.

    رابعاً: “الرسوم الثانوية على شراء النفط” المعتمدة في مارس 2025 بنسبة 25%، استناداً إلى صلاحيات وزارة الخارجية بموجب عقيدة IEEPA. فُرضت هذه الرسوم الثانوية على جميع الدول المشترية لشحنات النفط الفنزويلية، بهدف شل الإيرادات النقدية لحكومة كاراكاس بشكل كامل قبل بدء الغزو العسكري الشامل.

    خامساً: “رسوم البديل بموجب البند 122” المعتمدة في فبراير 2026، المقترحة رداً على حكم الإبطال الصادر عن المحكمة العليا. وقد حددت هذه الرسوم نسبة 10% عامة بموجب قانون التجارة لعام 1974، ولمدة 150 يوماً، مع تخصيص نسب تفضيلية 15% للاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، و10% لبريطانيا. غير أن محكمة التجارة الدولية (CIT) في مرحلة الاستئناف، أصدرت حكماً بعدم قانونية هذه الرسوم البديلة أيضاً.

    وفي 20 فبراير 2026، قضت المحكمة العليا للولايات المتحدة في القضية التاريخية Learning Resources, Inc. v. United States بأغلبية (6-3) بأن قانون IEEPA لم يفوض السلطة التنفيذية صلاحية فرض رسوم جمركية على الواردات. وألزم هذا الحكم التاريخي الحكومة بإعادة 166 مليار دولار من عائدات هذه الرسوم إلى المستوردين الرسميين. ونفذت الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP)، بأمر من محكمة التجارة الدولية (CIT) برئاسة القاضي ريتشارد إيتون، عملية سداد إلكترونية موحدة عبر نظام CAPE على مراحل زمنية محددة:

    نموذج الإكراه العسكري في الشرق الأوسط: حرب الأيام الاثني عشر وسلام غزة المعاملاتي

    تحليل جيوسياسي لحرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، شهد الشرق الأوسط أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإسرائيل، سُجلت في الأدبيات الخارجية باسم “حرب الأيام الاثني عشر”. بدأت التوترات في 12 يونيو 2025 بعد صدور قرار GOV/2025/38 الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أدان عدم التزام إيران النووي. وفي 13 يونيو، شنت إسرائيل عملية هجومية جوية واستخباراتية شاملة تحت اسم “عملية الأسد الهادر” (Operation Rising Lion) ضد بنى التخصيب والقيادة والنقل الإيرانية. وقد استفادت هذه الهجمات من القاذفات الاستراتيجية الأمريكية B-2 وإطلاق قنابل اختراق فائقة الثقل (Massive Ordnance Penetrator) في عمق جبل فردو، مما تسبب في دمار واسع في نطنز، وأضرار جسيمة في مفاعل أراك. وخلال هذه الهجمات، قُتل عشرة من كبار العلماء النوويين والقادة العسكريين البارزين، مثل اللواء محمد باقري واللواء حسين سلامي، في عمليات اغتيال.[8]

    وردت إيران بإطلاق نحو 900 صاروخ باليستي و1000 طائرة مسيرة هجومية باتجاه أهداف استراتيجية في إسرائيل، منها مدرسة الاستخبارات العسكرية ومصفاة حيفا ومعهد وايزمان العلمي. وبعد التدخل الجوي المباشر للولايات المتحدة في 22 يونيو وقصف المواقع الدفاعية الإيرانية، تم التوصل إلى هدنة هشة. وكشفت هذه الأزمة عن نقاط ضعف أمنية عسكرية في القيادة الدفاعية الإيرانية، حيث حاولت الهياكل العسكرية في حالات الطوارئ تعويض أوجه قصورها التقنية. ورغم تضرر القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، فإن طهران سعت سريعاً إلى إعادة بناء قدراتها الردعية من خلال تفعيل شبكات مالية رمادية، وبيع النفط الخام عبر قنوات فرعية، ودفع استراتيجية المقاومة الاستنزافية.[9]

    مجلس سلام غزة: البنية والوظيفة وعلاقته بالقانون الدولي

    بالتوازي مع هذه التطورات العسكرية، اتخذت واشنطن خطوة كبيرة نحو خوصصة المسارات الدبلوماسية، من خلال تقديم “الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة” في أكتوبر 2025. وقد وقعت إسرائيل وحماس هذا الاتفاق، وأُقر بقرار مجلس الأمن 2803، ويتضمن التبادل الكامل للمحتجزين، والانسحاب المشروط لقوات الدفاع الإسرائيلية إلى خطوط حدودية محددة، ونزع السلاح التدريجي لغزة. وللإشراف على هذه العملية، تم إنشاء “مجلس السلام” (Board of Peace) في يناير 2026 في قرية دافوس.[10]

    ويُظهر تحليل الأركان التنظيمية لمجلس سلام غزة وتشكيل الأعضاء والمهام والنسب القانونية لكل منها، الخصائص التالية:

    الركن الأول: “الرئاسة العليا للمجلس”، وتدار تحت إشراف دونالد ج. ترامب كرئيس مدى الحياة، وله الحق الحصري في دعوة الدول، وعزل وتعيين الأعضاء، وحل الهيئات التابعة. وهذا المنصب لا يخضع لقيود دورية، ولا يمكن عزله إلا بإجماع مطلق من أعضاء الهيئة.

    الركن الثاني: “الهيئة التنفيذية للمجلس” (Executive Board)، وتتكون من شخصيات مثل جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وتوني بلير، ومارك روان، وأجي بانغا، وماركو روبيو. وتتولى هذه الهيئة تحديد جدول أعمال المجلس، وتخصيص الميزانية، وتنفيذ استراتيجيات السلام الكبرى؛ وتتخذ القرارات فيها بأغلبية الأصوات، ومدة العضوية سنتان.

    الركن الثالث: “الهيئة العامة العليا” (Full Board)، وتتكون من قادة 27 دولة عضو، من بينهم خافيير ميلي، وفيكتور أوربان، وبنيامين نتنياهو. وتتولى هذه الهيئة الموافقة على برامج التنمية الكبرى، والمصادقة على التقارير الدورية لإرسالها إلى الأمم المتحدة، ووفقاً للنظام الأساسي، يمكن للدول شراء العضوية الدائمة فيها مقابل دفع مليار دولار كرسوم دخول.

    الركن الرابع: “اللجنة العليا التنفيذية لغزة”، وتضم هاكان فيدان، وعلى الثوادي، وحسن رشاد، وريم الهاشمي، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ. وتكلف هذه اللجنة بالإشراف على أنشطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) والتنسيق مع المنظمات المحلية، ويتركز عملها على الشؤون الأمنية، ولوجستيات إعادة الإعمار على الحدود، وإدارة معبر رفح.

    الركن الخامس: “لجنة التكنوقراط الفلسطينيين”، برئاسة علي شعث (نائب رئيس دائرة التخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية، والمدير السابق للبنك الإسلامي الفلسطيني، ورئيس جامعة فلسطين). وتتولى هذه اللجنة الإدارة اليومية للشؤون المدنية، وتوزيع المساعدات الواردة، وإدارة البلديات، وهي الركن الوحيد في مجلس السلام الذي تعمل فيه ممثلون فلسطينيون محليون رسميون.

    ورغم حصول مجلس سلام غزة على موافقة مبدئية من مجلس الأمن، إلا أن علاقته متوترة مع هيئة الأمم المتحدة. فالدول الأوروبية، باستثناء المجر، تتهم هذا المجلس باغتصاب المهام الدبلوماسية للأمم المتحدة؛ وهو اتهام تعززه تصريحات ترامب العلنية حول إمكانية أن يحل المجلس محل الأمم المتحدة بالكامل، وتصميم شعار خاص بمجلس السلام يحذف مساحات شاسعة من أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ تماماً من الخريطة. فضلاً عن ذلك، فإن الغموض الجدي حول تركيز الموارد المالية لهذا المشروع في حسابات خاصة لبنك جي بي مورغان، وعدم البت في صندوق البنك الدولي الخاص لإعادة إعمار غزة، يحول هذا المجلس من مرجعية سلام متعددة الأطراف إلى كونسورتيوم تجاري مملوك ومدير من قبل نخبة واشنطن الخاصة.

    تحليل ما وراء النص: التداعيات البنيوية للفوضى الهيمونية والعالم متعدد الطبقات

    تشير حصيلة تحليل السلوك الاستراتيجي للولايات المتحدة في عام 2026 إلى أن عملية “إعادة هندسة النظام العالمي عبر الفوضى الاستراتيجية” قد أوقعت النظام الدولي فعلياً في ظاهرة “الفوضى الجيوسياسية” أو حالة اللانظام البنيوي. وتترتب على هذه الحالة تداعيات عميقة ومتعددة على مكانة الولايات المتحدة والاستقرار العالمي:

    1. تآكل القيمة المعاملاتية للالتزامات (Commitment Value Erosion): أدت سياسة الانسحاب الأحادي من المعاهدات متعددة الأطراف، والتغيير المستمر للأولويات الجمركية والعسكرية، إلى هبوط “الثقة الاستراتيجية” كركيزة أساسية للتعاون الدولي إلى أدنى مستوياتها. وقد أدرك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في هذا الجو أن وثائق التعاون مع واشنطن لا تتمتع بصلاحية عملية سوى حتى نهاية فترة رئيس معين، مما يقلل بشدة من حافز الحكومات للدخول في التزامات طويلة الأجل لاحتواء الأزمات.
    2. التشظي والتداخل المؤسسي (Institutional Fragmentation): أدى إنشاء مؤسسات موازية مثل مجلس سلام غزة، التي تعمل عملياً خارج القواعد الرقابية لميثاق الأمم المتحدة وتستند إلى مصالح تجارية، إلى تجزئة إدارة السلام العالمي. وقد أضعف هذا المسار قدرة القانون الدولي على تسوية النزاعات بشكل عادل، واختزل لغة الدبلوماسية من مصطلحات قانونية إلى مصطلحات القوة والمعاملة المالية.
    3. تسريع الاستقلالية الاستراتيجية (Accelerated Strategic Autonomy): خلقت الفوضى الموجهة واشتراط المظلة الأمنية للناتو بدفعات مالية ضخمة، فجوات أمنية خطيرة على الحدود الشرقية لأوروبا. والنتيجة المنطقية لهذا التطور هي تحول جاد للعواصم الأوروبية نحو عقيدة الاستقلالية الاستراتيجية، وتعزيز قدرات نووية مستقلة، وتقليل الاعتماد الدفاعي على الصناعات واللوجستيات العسكرية الأمريكية على المدى المتوسط.
    4. بروز مراكز مقاومة غير متماثلة رمادية: إن الاستخدام المستمر لأدوات الإكراه العسكري والحد الأقصى من العقوبات التجارية دون تقديم مسارات دبلوماسية موثوقة، دفع الدول المستهدفة إلى متابعة استراتيجيات دفاعية غير رسمية. وقد شكّل النمو المتزايد للاقتصادات الرمادية، وتطوير التبادلات المالية خارج نظام سويفت، واستخدام العملات الرقمية اللامركزية من قبل محاور مثل إيران وفنزويلا، تحدياً جدياً لفعالية أدوات تسليح الاقتصاد التي تستخدمها واشنطن على المدى الطويل.
    5. تعليق التقارب في مواجهة التحديات عبر الحدود: إن التآكل المتعمد للبنى متعددة الأطراف للأمم المتحدة يجرد العالم من السلاح في مواجهة التهديدات المشتركة غير العسكرية، كالتغير المناخي، وأزمات الصحة العامة، والجوائح المستقبلية. ونتيجة هذا الانقطاع البنيوي هي استحالة تحقيق استجابات عالمية منسقة، مما قد يفرض أزمات إنسانية لا تعوض على الكرة الأرضية بأكملها على المدى البعيد.


    [1] https://cebri.org/media/documentos/arquivos/Leonardo_Burlamaqui_-_Schumpet622927e254f92.pdf

    [2] Towards critical multiplexity in International Relations Open Access

    https://academic.oup.com/ia/article/102/2/435/8509068

    https://academic.oup.com/ia/article/102/2/435/8509068

    What is a multiplex world order?. Amitav Acharya, Antoni Estevadeordal… | by International Affairs | International Affairs Blog | Medium https://medium.com/international-affairs-blog/what-is-a-multiplex-world-order-d942af3d2b45

    [3] Dunroe Doctrine Devolution: The US Grand Strategy Reset to Retest Global Orde:

    https://usiofindia.org/pdf/_Doctrine_Devolution_US_Grand_Strategy_Reset_to_Retest_Global_Order.pdf

    [4] What is USA’s Hub-and-Spokes Alliance System under Trump? https://www.foreignpolicyindia.in/2025/04/india-usa-hub-and-spokes-alliance.html?m=1

    [5] The U.S.-led Hub and Spokes Alliance System in the Asia-Pacific Region and its Greater Significance in U.S. Foreign Policy\https://www.researchgate.net/publication/388963017_The_USled_Hub_and_Spokes_Alliance_System_in_t he_Asia-Pacific_Region_and_its_Greater_Significance_in_US_Foreign_Policy

    The prospects of the US Alliance system in Asia:  https://www.worldscientific.com/doi/abs/10.1142/S1013251120400123

    [6] IEEPA Tariffs on Canada, China & Mexico | Sandler, Travis & Rosenberg, P.A.

     https://www.strtrade.com/trade-news-resources/tariff-actions-resources/ieepa-tariffs-on-canada-china-mexico-venezuelan-oil

    [7] United States – Supreme Court Reins in IEEPA Tariff Authority: What Happens Now – BDO https://www.bdo.global/en-gb/insights/tax/indirect-tax/united-states-supreme-court-reins-in-ieepa-tariff-authority-what-happens-now

    [8] Iran in crisis: the landscape after the Twelve-Day War | OSW Centre for Eastern Studies https://www.osw.waw.pl/en/publikacje/osw-commentary/2025-12-18/iran-crisis-landscape-after-twelve-day-war

    The Twelve-Day War, twelve months later: What will Trump do next with Iran? By Michael M. Rosen:

    https://www.washingtonexaminer.com/premium/4601942/twelve-day-war-twelve-months-later

    Iran – Israel – WAR WATCH: https://warwatch.ch/situations/international-armed-conflict-between-iran-and-israel/violations

    Humiliation and Transformation: The Islamic Republic After the 12-Day War – Foreign Policy Research Institute https://www.fpri.org/article/2025/10/humiliation-and-transformation-the-islamic-republic-after-the-12-day-war

    The 12-Day War and the Collapse of US ImperialismNina Farnia: https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/19436149.2025.2578034

    [9] Iran’s Axis of Resistance after the 12-day war:

     https://mei.edu/publication/irans-axis-of-resistance-after-the-12-day-war-adaptation-restructuring-and-reconstitution

    [10] A Guide to the Gaza Peace Deal: https://www.cfr.org/articles/guide-trumps-twenty-point-gaza-peace-deal

    اقرأ ايضاً