المزيد

    واحة البيان

    هشاشة الإتفاق الإمريكي الإيراني وتداعيته على أمن الخليج فيما بعد 19 يونيو2026

    عمرو المتولي/ باحث ماجستير في العلوم السياسية بكلية السياسة والإقتصاد جامعة السويس

    في 19 يونيو 2026 تم توقيع مذكرة الإتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران،بعد إنتقال المفاوضات من قصر فرساي بفرنسا إلى سويسرا،وجاء تلك الإتفاق من خلال وسيط باكستاني بقيادة “شهباز شريف”ويشمل هدنة لمدة ستون يوماً، من المحادثات للوصول إلى إتفاق نهائي،ولكن ما يؤخذ هنا أن التوقيع كان إلكترونياً والتوقيع الرسمي  في سويسرا ليس ضرورياً لإستمرار الإتفاقية.

    لكن قبل الغوص في تحليل هشاشة الإتفاق يجب فهم السياق الذي إنبثق من رحمه هذا التفاهم،العالم إنتقل من إعلان عبر وساطة باكستانية ثم توقيع في قصر فرساي  ثم إلى سويسرا  وهكذا إنتقلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة  وإيران لإنهاء الحرب بمسار دبلوماسي متقلب خلال الأيام الأخيرة،فهذا التقلب هو المؤشر الأساسي على هشاشة الإتفاق،تهدف هذة الورقة إلى تحليل ثغرات الإتفاق،وتفكيك الإنعكاسات الأمنية المباشرة على دول مجلس التعاون الخليجي وإستشراف المسارات المستقبلية لتقديم توصيات لصانع القرار الخليجي.

    طبيعة الإتفاق وهشاشتة الجوهرية:

    أولاً: ماهو الإتفاق الفعلي:

    في 8 إبريل 2026 أعلن الرئيس ترامب  عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بشرط إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، جاء تلك الإتفاق بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي بدء بالفعل من 28 فبراير وشمل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على المنشأت النووية الإيرانية،لكن الساعات الأولى للإتفاق  كشفت هشاشته.

    المشكلة الأساسية كانت تكمن فى عدم شمل الإتفاق للوكلاء الإقليميين مثل حزب الله  مما سمح بإبقاء الجهات مفتوحة، إيران تفتقر السيطرة الكاملة على سلسلة القيادة لدى الفصائل التابعة لها، وهي ثغرى كبرى سمحت بإنتهاكات فورية،وعندما أستشهدت التقارير  بأكثر من 100 غارة جوية على حزب الله فى لبنان وإستهداف طائرات مسيرة  منشأت إماراتية،وكويتية والبحرين،كان هذا دليلاً واضحاً على وشك إنهيار الهدنة.

    بعد ذلك فى 15 يوينو 2026 كشفت التفاصيل على مسار التصديق على مذكرة التفاهم عن لحظة إنفجار كادت تطيح بالإتفاق  إثر الهجوم غلى ضاحية بيروت،قبل أن ينجح الوسيط القطري في التدخل وحل مشكلة المضيق والأموال المجمدة.

    ثانياً: الهشاشة في بنود الإتفاق

    البنود الأساسية التي تطلب إيران  تنفيذها فوراً لبدء المفاوضات النهائية تشمل وقف فوري  ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها جبهة لبنان،وإزالة الحصار البحري الأمريكي خلال 30 يوم،وإصدار إعفاءات مستدامة  من العقوبات على الصادرات النفط الإيرانية.

    إيران ربطت بدء المفاوضات النهائية  بتنفيذ هذة البنود وإستمرار تنفيذها، لكن التنفيذ الفوري لايعني بالضرورة  التنفيذ الكامل أو الدائم، هناك فرق بين “وقف العمليات العسكرية وبين إنهاء الحرب” وبين “إزالة الحصار البحري وبين ضمان عدم عودته”.

    مؤشرات التعثر بعد 19 يونيو

    أولاً: الدور الإسرائيلي:

    إسرائيل ترفض تقييد يدها في جبهة لبان وتصر أن مذكرة التفاهم لا تشمل لبنان،في المقابل يدفع ذلك حزب الله لتوسع دائرة قصفة،نتينياهو يؤكد  أن الإتفاق الوحيد  المقبول هو تفكيك البرنامج الننوي الإيراني على غرار ليبيا 2003، هذا الموقف الإسرائيلي يخلق ثغرة كبيرة في الإتفاق فإذا إستمرت إسرائيل  في إستهداف حلفاء إيران  مثل حزب الله أو إستهدفت أراضي إيران بحجة الدفاع الإستباقي، فإن الهدنة ربما تنتهي قبل إنتهاء الإسبوع الأول.

    المستوى العسكري الإسرائيلي يري  أن منح إيران مهلة 60 يوماً للتفاوض يعطيها مهلة تسمح بإخفاء معددات نووية أو تحصين منشأتها.

    ثانياً: الإضطراب في مضيق هرمز:

     بتاريخ 20-6-2026 أعلن مقر خاتم المرسلين إغلاق مضيق هرمز، هذا الإغلاق جاء بعد مرور يوم واحد فقط من على إعلان إيران ألية لإدارة المضيق تضمن رسوماً ومساراً محدداً،الإغلاق الفعلي ايوم 20يونيو يؤكد أن إيران  لم تكن راغبة في تطبيق بنود المذكرة بل إستخدمت ألية العبور كورقة ضغط مؤقتة.

    ثالثاً: التنازلات الأمريكية وإنكسار إستراتيجية  الضغط:

    إستراتيجية ترامب كانت  تكمن في  تفكيك قدرات إيران النووية في نطنز وأصفهان وفوردو  ومنع إيران من إمتلاك سلاح نووي بشكل دائم ،وإنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل،لكن حالياً الموقف مختلف تماماً الولايات المتحدة الأمريكية وافقت على التخصيب السلمي.

    التفسير هنا أن إيران قايضت الإلتزام بعدم إمتلاك سلاح نووي بمكاسب إقتصادية وشرعية دولية  لبرنامجها النووي، وهذا يعني أن الحرب التي أرادها ترامب لتقويض قدرات إيران إنتهت بإعتراف الولايات المتحدة بتلك القدرات،وتلك تعد تنازلات كبرى من إستراتيجية “الضغط الأقصي” التي كانت أساس السياسة الأمريكية إتجاه إيران لفترة طويلة.

    رابعاً: الإنقسام الداخلي الأمريكي:

    الإتفاق الأمريكي – الإيراني أحدث إنقسام في الداخل ألامريكي فزعيم الأغلبية الديمقراطية بمجلس الشيوخ “تشاك شومر” هاجم ترامب معتبراً تراجعة مؤشرا على فن الكارثة بعكس كتابه فن الصفقة،هذا الإنقسام الداخلي الأمريكي  يضعف موقف واشنطن في تنفيذ الإتفاق،فعندما يكون الرئيس الأمريكي تحت ضغط كبير  قد يغير ذلك موقفة أو عدم الإلتزام الكامل بالإتفاق.

    التداعيات المباشرة على أمن الخليج بعد 19 يونيو:

    أولاً: الموقف الخليجي

    الإتفاق الأمريكي الإيراني  وضع دول الخليج  أمام واقع لايلبي طموحاتها مع تصاعد التهديدات وتراجع الثقة بالحماية الأمريكية ليدفعها لإعادة صياغة إستراتيجياتها وتعزيزإستقلال قرارها، دول الخليج الأن تدرك أن الأزمة قد تعود من الباب نفسه إذا تكررت لحظة قرار خاطئ أو تصعيد خارج الحسابات.

    الكويت شهدت مايقرب من 28 مسيرة  إستهدفت منشأت نفطية  ومحطات كهرباء،والبحرين عانت من إصابات من شظايا طائرات مسيرة،والإمارات شهدن حرائق فى مجمع غاز حبشان،هذه الأحداث أثبتت أن الخليج داخل مسرح الردود وليس على هامشه.

    ثانياً: تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية:

    الحرب كشفت هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية، قاعدة العديد في قطر أستهدفت في 23 يونيو 2025 مما جعل الخليج داخل مسرح الردود، لسنوات كان  الأمن الخليجي يقوم على معادلة مفادها أن واشنطن هي الضامن والقواعد عنصر الردع  لكن في عام 2025 تغيرت المعادلة وكشفت أن القواعد التي تفترض أن تبعد الحرب تجعلها أقرب في لحظة التصعيد.

    هذا لاينتج نزيعة قطيعة مع واشنطن  بل ينتج نزيعة تحالف بشروط  “نحتاج المظلة الأمريكية  لكن نريد الا يتحول وجودها  إلأ سبب جرنا  إلى ردود”، “نحتاج الردع  لكننا أكثر إحتياجاً إلى أدارة المخاطر”.

    السيناريوهات المتوقعة ما بعد 19 يونيو:

    أولاً: سيناريو مرتفع الإحتمال”التهدئة المسلحة”

    الولايات المتحدة وإيران لايرغبان في حرب واسعة  نظراً لتكلفة باهظة،فقد تستمر الإشتباكات المحدودة  والرسائل العسكرية  المتبادلة دون تجاوز خطوط،يفتح مضيق هرمز بشكل مشروط والنتيجة إستقرار مؤقت دون حل جوهري فتعيش المنطقة هدوء هش من اللاحرب واللاسلم دون حلول جذرية للأزمات.

    ثانياً: سيناريو متوسط الإحتمال”الإنهيار السريع والعودة للحرب”

    أندلاع الحرب بسبب الإنتهاكات  الفورية وعجز الإتفاق عن قبح أذرع إيران،إستمرار إسرائيل في ضربات لبنان  ينهي الهدنة قبل أسبوعها الأول ، إغلاق إيراني لمضيق هرمز  إذا إستمر التصعيد وتكون النتيجة  تحول الخليج ليصبح ساحة للحرب، مع إضطراب في أسواق الطاقة العالمية.

    ثالثاً: سيناريو ضعيف الإحتمال:

    يفترض هذا السيناريو دخول جهود  ووساطة جديدة من تركيا ومصر وتقودها الصين كضامن إقتصادي وسياسي في حال إستنزاف الأطراف الرئيسية وصناع الإتفاق الحالي،ولكن هنا إسرائيل سترفض  أي إتفاق  مما يجعل هذا السيناريو ضعيف جداً.

    التقييم الإستراتيجي:

    أولاً: نقاط القوة في الموقف الإيراني:

    • سيادة هرمز:إيران نجحت في إنتزاع إعتراف أمريكي واقعي بولايتها على مضيق هرمز محولة المضيق من فتيل حرب إلى أداه لفرض الشروط.
    • أداة الضغط: إيران نجحت في تحويل المضيق من فتيل الحرب إلى أداة ضغط جيوسياسية.

    ثانياً: نقاط الضعف في الموقف الأمريكي:

    • إنكسار إستراتيجية الضغط الأقصى: الحرب التي أدارها ترامب لتقويض قدرات إيران إنتهت بمأسسة تلك القدرات وإعتراف أمريكي بها.
    • فقدان السيطرة: الولايات المتحدة فقدت القدرة على فرض الإرادة بالقوة وحدها، ولا تساطيع إدارة الأزمة بشكل أحادي بالكامل.
    • الإنقسام الداخلي: الإنقسام الداخلي الأمريكي يضعف موقف واشنطن في تنفيذ الإتفاق، مع ديمقراطيين يدعون لعزل ترامب.

    التوصيات العملية لدول الخليج:

    أولاً: أمن الممرات البحرية:

    • تطوير بدائل لهرمز عبر ربط الممرات التجارية.
    • زيادات إحتياطات الطاقة الإستراتيجية.

    ثانياً: الدفاع الجوي المشترك:

    • التصنيع العسكري المحلي لتقليل الإعتماد على الخارج.
    • نظام دفاعي موحد لمواجهة خطر الطائرات المسيرة.

    ثالثاً تنويع الشراكات:

    • توسيع التعاون التقني والعسكري والإقتصادي  مع أطراف متعددة دون فك الإرتباط بواشنطن.
    • تحالف بشروط المظلة ليكون حماية للأمن الخليجي ولايكون رهينة لحسابات الأطراف الأخري.

    الخاتمة:

    وختاماً الإتفاق الأمريكي الإيراني  رغم مايحمله من من أمال للتهدئة لكن يعد في جوهره هدنه هشة  بلا ضمانات وليست سلاما حقيقيا،والإغلاق الإيراني لمضيق هرمز يوم 20 يونيو أي بعد يوم واحد من توقيع المذكرة دليل قاطع على كون طهران لاتزال تدير المواجهة وفق  منطق التفاوض من موقع القوة  وليس منطق السلام.

    والدرس الأمثل من هذا المسار هو أن أمن الخليج  لن يصنع في واشنطن أو موسكو أو طهران  بل فى وعي الدولة  التي لابد أن تنتقل  من منطق إستئجار الأمن إلى منطق صناعته،فلا يمكن للخليج أن يبقى أمنه مرهوناً بتفاهمات دبلوماسية هشة بين طهران و واشنطن وعلي الضفة الأخرى إسرائيل ترفض الإلتزام بأي إتفاق، وتصر فيه إيران على إستخدام المضيق كأداة ضغط جيوسياسية.

    وأخيراً تقف دول الخليج أمام إحدي الإختيارين إما البقاء كساحة للصراع الإقليمي وتلقي الردود العسكرية الإقليمية، أو يصبح طرفاً فاعلاً فى تشكيل مستقبل المنطقة.

    اقرأ ايضاً