back to top
المزيد

    واحة البيان

    تركيا والتصعيد الأمريكي – الإيراني: لماذا تفضّل أنقرة الحذر؟

    جواهر إبراهيم الفضلي / ماجستير دراسات دولية/ باحثة في الدراسات الدولية والاقليمية

    شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن احتمالية اتساع نطاق الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي، وفي ظل هذه التطورات تبرز تركيا بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين بحكم موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتشابكة مع كل من واشنطن وطهران، فضلًا عن ارتباط مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية باستقرار المنطقة على الرغم من امتلاك أنقرة حضورًا مؤثرًا في العديد من ملفات الشرق الأوسط إلا أن موقفها من التصعيد الأمريكي–الإيراني يتسم بالحذر ومحاولة تجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة محتملة، ويعود ذلك إلى جملة من العوامل الداخلية والخارجية أبرزها التحديات الاقتصادية، والانقسامات السياسية الداخلية، فضلًا عن سعي تركيا إلى الحفاظ على سياسة التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية.

    أولًا: الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على القرار الخارجي التركي
    تُعدّ الأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا في السنوات الأخيرة من أبرز العوامل المؤثرة في توجهات السياسة الخارجية التركية، إذ تواجه الحكومة تحديات اقتصادية متزايدة تتمثل في ما يلي:
    _1ارتفاع معدلات التضخم
    _2 تراجع قيمة الليرة التركية

    _3 فضلًا عن الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
    وقد انعكست هذه التحديات بصورة مباشرة على أولويات صانع القرار التركي، الذي بات يركّز بدرجة أكبر على تحقيق الاستقرار الداخلي وتقليل حجم الضغوط الاقتصادية التي قد تؤثر على الوضع السياسي والاجتماعي داخل البلاد.
    وفي ظل هذه الظروف تدرك أنقرة أن أي تصعيد إقليمي واسع لاسيما بين الولايات المتحدة وإيران، قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد التركي من خلال التأثير على حركة التجارة والطاقة والاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن احتمالية ارتفاع أسعار النفط وتراجع ثقة الأسواق المالية، كما أن الموقع الجغرافي لتركيا وارتباطها بعدد من الملفات الإقليمية يجعلها أكثر تأثرًا بأي اضطرابات قد تشهدها المنطقة، الأمر الذي يدفعها إلى تبني سياسة حذرة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، وعليه يمكن القول إن التحديات الاقتصادية الحالية تمثل عاملًا مهمًا في تحديد طبيعة الموقف التركي من التصعيد الأمريكي–الإيراني، إذ تسعى الحكومة التركية إلى تجنب أي خطوات قد تزيد من الأعباء الاقتصادية أو تؤثر على حالة الاستقرار الداخلي، خصوصًا في مرحلة تتطلب التركيز على معالجة الأزمات الاقتصادية واستعادة التوازن المالي والاقتصادي داخل البلاد.
    ثانيًا: الانقسامات السياسية الداخلية والتحديات التي يواجها أردوغان
    لا يقتصر الموقف التركي الحذر من التصعيد الأمريكي–الإيراني على الاعتبارات الاقتصادية فحسب، بل يرتبط أيضًا بطبيعة المشهد السياسي الداخلي الذي يشهد حالة من التوتر والاستقطاب المتزايد خلال المرحلة الحالية، فقد أصبحت الحكومة التركية أمام تحديات سياسية داخلية معقدة، خاصة مع تصاعد نشاط المعارضة واتساع حدة الخلافات داخل الساحة السياسية، الأمر الذي يفرض على القيادة التركية التركيز بصورة أكبر على إدارة الملفات الداخلية وتجنب الانخراط في أزمات خارجية قد تؤثر على الاستقرار السياسي
    تشهد الساحة السياسية التركية خلال المرحلة الحالية حالة من التوتر والاستقطاب المتزايد، في ظل تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة، فضلًا عن الأزمات الداخلية التي يواجها حزب الشعب الجمهوري بوصفه أبرز أحزاب المعارضة التركية، وقد ازدادت حدة هذه التوترات مع استمرار الجدل حول مستقبل قيادة الحزب، والتطورات القضائية والسياسية المرتبطة بقيادته الحالية برئاسة أوزغور أوزيل، إضافة إلى استمرار حضور اسم كمال كليجدار أوغلو في المشهد السياسي الداخلي، وسط انقسامات واضحة داخل صفوف المعارضة التركية نفسها.
    وفي المقابل، يواجه رجب طيب أردوغان تحديات سياسية متزايدة تتعلق بالأوضاع الاقتصادية، وتراجع مستوى التأييد الشعبي في بعض المدن الكبرى، إلى جانب استمرار الانتقادات الموجهة للحكومة من قبل المعارضة كما أن تصاعد التحقيقات والقرارات القضائية المتعلقة ببعض شخصيات المعارضة، ومنهم أكرم إمام أوغلو، أسهم في زيادة حالة الاستقطاب السياسي داخل تركيا، الأمر الذي جعل الحكومة التركية أكثر تركيزًا على إدارة التوازنات الداخلية والحفاظ على الاستقرار السياسي، وفي ظل هذه البيئة السياسية الحساسة تبدو أنقرة أقل ميلًا للانخراط المباشر في أي تصعيد إقليمي واسع خاصة أن أي توتر خارجي قد ينعكس بصورة سلبية على الوضع الداخلي ويمنح المعارضة مساحة أكبر لتصعيد انتقاداتها للحكومة، لذلك تحاول القيادة التركية خلال المرحلة الحالية إعطاء الأولوية للداخل التركي واحتواء التحديات السياسية والاقتصادية، بالتوازي مع تبني سياسة خارجية أكثر حذرًا تجاه الأزمات الإقليمية.
    ثالثًا: سياسة التوازن في السياسة الخارجية التركية
    تعتمد السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة على مبدأ التوازن في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وهو ما يظهر بوضوح في تعامل أنقرة مع حالة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران فتركيا بوصفها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة في العديد من الملفات الأمنية والعسكرية، إلا أنها في الوقت ذاته تحرص على الحفاظ على مستوى من التعاون السياسي والاقتصادي مع إيران بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الإقليمية خاصة في ملفات الطاقة والتجارة والأوضاع الأمنية في العراق وسوريا.
    وفي هذا الإطار، تسعى أنقرة إلى تجنب الانحياز الكامل لأي طرف إدراكًا منها لحساسية موقعها الجيوسياسي وتعقيد البيئة الإقليمية المحيطة بها فالدخول في مواجهة مباشرة أو اتخاذ موقف حاد ضد إيران قد ينعكس سلبًا على المصالح التركية، سواء من ناحية أمن الحدود أو المصالح الاقتصادية والطاقة، فضلًا عن احتمالية تأثر التوازنات الإقليمية التي تحاول تركيا الحفاظ عليها منذ سنوات وفي المقابل تدرك أنقرة أهمية استمرار علاقاتها مع واشنطن وعدم الوصول إلى مرحلة التصادم الكامل مع الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل عضويتها في الناتو وارتباطها بملفات أمنية وعسكرية مشتركة مع الغرب.
    كما تعكس السياسة التركية الحالية توجهًا يقوم على إدارة الأزمات بدل الانخراط المباشر فيها أي أن تركيا أصبحت تميل الى “إدارة الأزمات بدل تصدير الأزمات “، إذ تميل أنقرة غالبًا إلى لعب أدوار سياسية ودبلوماسية أكثر من اعتمادها على التدخل العسكري المباشر، خاصة في القضايا التي قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع الإقليمي ومن هذا المنطلق، قد تحاول تركيا تقديم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على التهدئة أو الوساطة السياسية، مستفيدة من علاقاتها مع مختلف الأطراف بدل الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تفرض عليها كلفًا سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة،  اذ إن سياسة التوازن تمثل أحد أبرز محددات الموقف التركي من التصعيد الأمريكي–الإيراني، وبذلك تحاول أنقرة من خلالها حماية مصالحها الإقليمية والحفاظ على هامش حركة سياسي يتيح لها الاستمرار في إدارة علاقاتها مع القوى المختلفة دون الانزلاق نحو مواجهة مباشرة قد تؤثر على استقرارها الداخلي ومكانتها الإقليمية.

    كما تنظر تركيا إلى أي تصعيد محتمل بين الولايات المتحدة وإيران من زاوية انعكاساته الأمنية على مناطق النفوذ والتوتر القريبة من حدودها، لاسيما في العراق وسوريا، حيث تمتلك أنقرة حضورًا عسكريًا وأمنيًا مرتبطًا بملفات مكافحة التنظيمات المسلحة وحماية أمنها القومي ولذلك، تخشى تركيا أن يؤدي اتساع نطاق الصراع إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في هذه المناطق، بما قد ينعكس على أمن الحدود وحركة اللاجئين والتوازنات الأمنية الإقليمية، الأمر الذي يدفعها إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه أي مواجهة واسعة في المنطقة.
    وبناءا على ما تقدم ، يبدو أن تركيا تتجه إلى تبني سياسة الحذر تجاه التصعيد الأمريكي–الإيراني، في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها داخليًا، فضلًا عن حرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية، لذلك من المرجح أن تفضّل أنقرة الاستمرار في سياسة التوازن وتجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة قد تؤثر على استقرارها الداخلي ومصالحها الإقليمية.

    اقرأ ايضاً