back to top
المزيد

    واحة البيان

    ما وراء المصالح: العقيدة بوصفها فاعلًا خفيًا في الصراعات الدولية

    جواهر ابراهيم الفضلي/ ماجستير دراسات دولية 


    اعتاد الباحثون في العلاقات الدولية تفسير الحروب والصراعات من خلال مفاهيم المصلحة الوطنية، وتوازن القوى، والاقتصاد، والأمن القومي غير أن بعض الأحداث المعاصرة تدفعنا إلى التساؤل هل تكفي هذه الأدوات لفهم ما يجري في العالم اليوم؟
    في إحدى مقابلاته طرح المفكر الروسي المعروف بـ ” عقل بوتين المدبر” ألكسندر دوغين فكرة تستحق التأمل، مفادها أن جزءًا من الصراعات الحالية لا تحركه الحسابات المادية وحدها، بل أيضًا تصورات دينية وأخروية راسخة لدى بعض الفاعلين السياسيين، فحين يؤمن أفراد أو جماعات بأنهم يعيشون مرحلة حاسمة من التاريخ أو أنهم يساهمون في تحقيق نبوءة كبرى فإن السياسة تتحول من إدارة للمصالح إلى ساحة لتحقيق رسائل ورسوم تاريخية يعتقد أصحابها أنها تتجاوز الزمن الحاضر، ففي الشرق الأوسط يمكن ملاحظة حضور هذا البعد بصورة واضحة فبعض التيارات داخل إيران تنظر إلى الأحداث الجارية من خلال تصورات مرتبطة بالمهدي والظهور والدجال وأحداث آخر الزمان كما سماها دوغين “الاسكاتولوجيا” وفي المقابل، توجد داخل الولايات المتحدة وإسرائيل جماعات دينية وسياسية تؤمن بأن قيام إسرائيل وتوسعها يمثلان جزءًا من مسار ديني يمهد لعودة المسيح أو لتحقيق نبوءات توراتية معينة.
    المهم هنا ليس مناقشة صحة هذه المعتقدات أو بطلانها، بل إدراك أثرها السياسي فعندما يصبح الفاعل السياسي مقتنعًا بأنه يؤدي دورًا تاريخيًا أو دينيًا مقدسًا، فإن أدوات الردع التقليدية قد تصبح أقل تأثيرًا فالمفاوضات والحوافز الاقتصادية وحتى حسابات الربح والخسارة قد لا تكون العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
    وهنا تظهر إحدى المعضلات الكبرى في العلاقات الدولية المعاصرة فالكثير ما زالوا يفسرون الصراعات بمنطق المصالح المادية فقط، بينما يتجاهلون قوة الأفكار والعقائد والهويات في تشكيل السلوك السياسي وقد أثبت التاريخ مرارًا أن البشر لا يتحركون دائمًا وفق حسابات عقلانية بحتة، بل كثيرًا ما تدفعهم المعتقدات والرؤى الفكرية إلى اتخاذ قرارات تبدو غير منطقية من منظور اقتصادي أو استراتيجي.
    ربما لهذا السبب تبدو بعض المناقشات التقليدية حول التجارة والاستثمار والاقتصاد غير كافية لتفسير ما يجري في مناطق الصراع فعندما يعتقد طرف ما أنه يشارك في معركة ذات أبعاد تاريخية أو دينية تتجاوز الحاضر تصبح لغة الأرقام أقل قدرة على التأثير من لغة العقيدة والهوية، كما إن فهم السياسة الدولية اليوم يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من المصالح المباشرة فالعالم لا تحركه الجيوش والأسواق فقط بل تحركه أيضًا الأفكار التي يؤمن بها الناس، والقصص التي يروونها لأنفسهم عن الماضي والمستقبل والتصورات التي يحملونها عن مصير التاريخ ذاته.
    وفي عالم تتزايد فيه قوة السرديات الدينية والهوياتية ربما يصبح السؤال الأهم ليس من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يمتلك الرواية الأكثر قدرة على إقناع أتباعه بأنهم جزء من مهمة تاريخية كبرى، إذ إن الحرب الأخيرة أعادت هذا السؤال إلى الواجهة فحين يستمر الصراع رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة وحين تتجاوز الخطابات السياسية لغة المصالح المباشرة إلى الحديث عن رسائل تاريخية ومصائر كبرى، يصبح من المشروع التساؤل هل نتعامل مع صراع تقليدي بين دولتين أم مع مواجهة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الرؤى العقائدية؟
    لا يعني ذلك أن العقيدة هي المحرك الوحيد للأحداث، ولا أن الاقتصاد والأمن والاستراتيجية فقدت أهميتها لكن تجاهل أثر المعتقدات في فهم السلوك السياسي قد يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد، فصانع القرار لا يتحرك دائمًا وفق ما يراه المراقب عقلانيًا بل وفق ما يؤمن هو بأنه صحيح وضروري ومصيري.
    ولعل أخطر ما تكشفه الحرب الحالية هو أن المنطقة أصبحت ساحة تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية مع السرديات الدينية والتاريخية وفي مثل هذا المشهد لا يكفي أن نسأل عن حجم الجيوش أو قوة الاقتصاد، بل ينبغي أن نسأل أيضًا ما الأفكار التي تحرك هذه الجيوش؟ وما التصورات التي تمنح أصحابها الاستعداد للاستمرار في الصراع مهما ارتفعت التكاليف؟ ربما لا تكون النبوءات هي التي تحكم الشرق الأوسط، لكن المؤكد أن تجاهل تأثيرها في عقول بعض الفاعلين السياسيين يجعل فهمنا للصراعات الجارية أقل دقة، فالعالم لا تصنعه المصالح وحدها، بل تصنعه أيضًا الأفكار التي يؤمن الناس بأنها تستحق القتال من اجلها.

    اقرأ ايضاً