أ.م.د. رواء أحمد فارس/ جامعة بغداد
المقدمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي قضية تقنية تخص المختبرات أو الشركات الرقمية وحدها، بل أصبح جزءاً من بيئة الحكم وصناعة القرار السياسي. فالدول اليوم لا تُدار بالانطباعات وحدها، ولا تكفي الخبرة التقليدية لمعالجة مشكلات مركبة مثل البطالة، والهجرة، والخدمات، والأمن الغذائي، والتعليم، والصحة، والتحولات المناخية. لقد بات القرار السياسي الرشيد يحتاج إلى بيانات دقيقة، وأنظمة تحليل قادرة على قراءة الواقع، واستخلاص المؤشرات، وتقديم بدائل تساعد صانع القرار على اختيار المسار الأقل كلفة والأكثر أثراً.
ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة للعقل السياسي لا بديلاً عنه. فالآلة لا تمتلك الحس الوطني، ولا تدرك اعتبارات العدالة الاجتماعية، ولا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن النتائج، لكنها تستطيع أن تمنح القائد وصانع السياسة قدرة أوسع على الفهم والتوقع والمقارنة بين الخيارات. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تدخل الحكومات عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف تستخدمه بطريقة تحمي القرار الوطني، وتحافظ على حقوق المواطنين، وتحوّل البيانات إلى سياسات عامة نافعة؟
أولاً: القرار السياسي في عصر البيانات
ارتبط القرار السياسي في مراحل طويلة بتقديرات النخب الحاكمة، وتقارير المؤسسات التقليدية، وضغط الأحداث اليومية. غير أن تعقيد الواقع المعاصر جعل هذه الأدوات غير كافية بمفردها. فالمشكلة العامة لم تعد تظهر في صورة واحدة، بل تمتد عبر الاقتصاد، والمجتمع، والأمن، والإعلام، والفضاء الرقمي. ومن ثم فإن القرار الذي لا يستند إلى بيانات حديثة قد يعالج عرضاً ظاهراً، ويترك الأسباب العميقة دون معالجة.
تساعد البيانات الرقمية في نقل الدولة من القرار الحدسي إلى القرار القائم على الأدلة. فعندما تمتلك الحكومة قاعدة بيانات موحدة ومحدثة عن السكان والخدمات والموارد والمشاريع، تستطيع أن تحدد أين توجد المشكلة، وما حجمها، ومن الفئات الأكثر تضرراً، وما البدائل الممكنة لمعالجتها. وهنا لا تكون البيانات مجرد أرقام جامدة، بل تتحول إلى خريطة وطنية تساعد على توزيع الموارد بعدالة، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي أداة مساندة لا حاكمة
يمنح الذكاء الاصطناعي الحكومات قدرة على تحليل كميات ضخمة من المعلومات خلال وقت قصير، ورصد الاتجاهات قبل أن تتحول إلى أزمات. ويمكن توظيفه في متابعة مؤشرات الفقر، وتحليل احتياجات المحافظات، وقياس كفاءة الإنفاق، وتوقع الضغط على الخدمات الصحية والتعليمية، ورصد الفجوات في البنى التحتية. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام يمكن أن يسهم في تحسين الخدمات الحكومية، ورفع كفاءة الاستجابة، وتعزيز الابتكار المؤسسي.[1]
لكن هذه الإمكانات لا تعني أن القرار السياسي ينبغي أن يُترك للخوارزميات. فالخوارزمية تقدم قراءة احتمالية للواقع، أما القرار فهو فعل سياسي وأخلاقي يرتبط بالمصلحة العامة وبالأولويات الوطنية. لذلك فإن الاستخدام السليم للذكاء الاصطناعي يجب أن يقوم على مبدأ «الإنسان في مركز القرار»، أي أن تبقى الأنظمة الذكية أدوات تحليل ومساندة، بينما يبقى القرار النهائي بيد المؤسسات الشرعية والمسؤولة.
ثالثاً: البيانات الرقمية والسيادة الوطنية
أصبحت البيانات في العصر الحديث مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط أو المياه أو الأرض. فالدولة التي لا تملك بياناتها، أو تعتمد في تخزينها وتحليلها على منصات خارجية دون ضوابط واضحة، قد تجد نفسها أمام تحديات تمس السيادة والأمن الوطني. فالبيانات المتعلقة بالسكان، والاقتصاد، والصحة، والتعليم، والبنى التحتية، والحدود، والموارد الطبيعية، ليست مجرد ملفات إدارية، بل هي ذاكرة الدولة وأساس قدرتها على التخطيط.
ولهذا فإن بناء السيادة الرقمية يتطلب ثلاثة شروط أساسية: امتلاك بنية تحتية وطنية آمنة للبيانات، ووضع تشريعات واضحة لحماية الخصوصية، وتطوير كفاءات محلية قادرة على إدارة الأنظمة الذكية وفهم مخرجاتها. وقد شددت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على ضرورة حوكمة البيانات، وحماية الحقوق، وضمان الشفافية والمساءلة عند استخدام أنظمة قد تؤثر في الأفراد والمجتمعات.[2]
رابعاً: فرص الذكاء الاصطناعي للدولة العراقية
يمتلك العراق فرصة مهمة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير عمل الدولة، خصوصاً في الملفات التي تتطلب تنسيقاً عالياً بين المؤسسات. فغياب الترابط بين قواعد البيانات يؤدي غالباً إلى تكرار الإجراءات، وتضارب المعلومات، وصعوبة تقييم المشاريع. أما وجود منظومة رقمية وطنية مترابطة فيمكن أن يساعد في بناء قرارات أكثر دقة في مجالات التخطيط العمراني، والرعاية الصحية، والتعليم، والبطاقة التموينية، والحماية الاجتماعية، وإدارة الموارد المائية، ومكافحة الفساد.
فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحديد المناطق التي تحتاج إلى مدارس جديدة بناءً على الكثافة السكانية ونسب النمو، أو توقع الحاجة إلى مراكز صحية في مناطق معينة، أو كشف مؤشرات الهدر في المشاريع العامة، أو تحليل شكاوى المواطنين لمعرفة أكثر الخدمات تعثراً. كما يمكن أن يدعم صانع القرار في بناء سيناريوهات بديلة قبل اعتماد أي سياسة، بدلاً من انتظار النتائج بعد فوات الوقت.
غير أن نجاح هذه التجربة لا يتحقق بمجرد شراء البرامج أو إطلاق المنصات. فالتكنولوجيا لا تعمل بكفاءة في بيئة مؤسسية ضعيفة. لذلك يحتاج العراق إلى رؤية وطنية متكاملة تجعل البيانات أساساً للتخطيط، وتربط التحول الرقمي بإصلاح الإدارة العامة، وتمنع تحول الذكاء الاصطناعي إلى واجهة شكلية لا تغير واقع الخدمة العامة.
خامساً: التحديات الأخلاقية والمؤسسية
على الرغم من مزايا الذكاء الاصطناعي، فإن استخدامه في المجال السياسي والإداري يثير تحديات مهمة. أول هذه التحديات هو جودة البيانات؛ فالبيانات الناقصة أو القديمة أو المنحازة تنتج قرارات مضللة مهما كانت الخوارزمية متقدمة. وثانيها هو الخصوصية، إذ يجب أن يكون جمع بيانات المواطنين واستخدامها محكوماً بالقانون والضرورة والمصلحة العامة. وثالثها هو الشفافية، لأن المواطن من حقه أن يعرف كيف تُستخدم بياناته، ومن يملك حق الوصول إليها، وما الضمانات التي تمنع إساءة استخدامها.
كما أن الاعتماد غير المدروس على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى خلق فجوة جديدة بين من يمتلك المعرفة التقنية ومن لا يمتلكها. ولهذا يجب أن يكون بناء القدرات البشرية جزءاً أساسياً من أي مشروع وطني في هذا المجال. فالقيادات الإدارية والسياسية لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون مبرمجة، لكنها تحتاج إلى فهم معنى البيانات، وحدود الخوارزميات، ومخاطر الانحياز، وآليات المساءلة.
سادساً: نحو سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي
تحتاج الدولة إلى سياسة وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي تقوم على خطوات عملية. تبدأ هذه الخطوات بإعداد خريطة وطنية للبيانات الموجودة في الوزارات والمؤسسات، ثم توحيد المعايير التقنية والقانونية لتبادل البيانات، وإنشاء مراكز بيانات آمنة، وتطوير تشريعات حماية الخصوصية، وبناء برامج تدريبية للموظفين وصناع القرار. كما ينبغي تحديد القطاعات ذات الأولوية، مثل الصحة والتعليم والخدمات والاقتصاد والأمن السيبراني، حتى لا تتحول المشاريع الرقمية إلى مبادرات متفرقة غير مترابطة.
وتشير مبادرات البنك الدولي في مجال الحكومة الرقمية إلى أن نجاح التحول الرقمي يرتبط بقدرة الحكومات على جعل التكنولوجيا في خدمة الناس، لا مجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى نماذج إلكترونية.[3] وهذا المعنى مهم في الحالة العراقية؛ لأن الغاية من الذكاء الاصطناعي ليست إبهار المواطن بالمصطلحات، بل تحسين حياته اليومية، وتسهيل حصوله على الخدمة، وتقليل الفساد، ورفع ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.
الخاتمة
خلاصة القول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً هامشياً في إدارة الدولة، بل أصبح جزءاً من أدوات التفكير السياسي والإداري في القرن الحادي والعشرين. غير أن قيمته الحقيقية لا تظهر في حجم التقنيات المستخدمة، بل في قدرة الدولة على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى سياسة عامة عادلة وفعالة.
إن العراق بحاجة إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يرتبط بالإصلاح المؤسسي والسيادة الرقمية وحماية حقوق المواطنين. فالبيانات الدقيقة تصنع قراراً أفضل، والقرار الأفضل يصنع خدمة أعدل، والخدمة الأعدل تعزز ثقة المواطن بالدولة. ومن هنا فإن الاستثمار في البيانات والذكاء الاصطناعي ليس مسألة تقنية فحسب، بل هو جزء من بناء الدولة الحديثة وصناعة مستقبل أكثر كفاءة واستقراراً.
[1] منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مبادئ الذكاء الاصطناعي، 2019، محدثة 2024، متوفر على الرابط: https://oecd.ai/en/ai-principles ، تاريخ المشاهدة 7/7/2026.
[2] منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، باريس، 2021، متوفر على الرابط: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000380455 ، تاريخ المشاهدة 7/7/2026.
[3] البنك الدولي، GovTech: Putting People First، برنامج الحكومة الرقمية، متوفر على الرابط: https://www.worldbank.org/en/programs/govtech ، تاريخ المشاهدة 7/7/2026.




