مرام مازن
ليست المشكلة في أن الأزمات تتكرر، بل في أننا اعتدنا تكرارها حتى أصبحت جزءً من المشهد اليومي. ومع كل أزمة، يتجدد الحديث عن الحلول، وتُعلن الخطط، وتُرصد الأموال، ثم تمضي الأيام لتعود المشكلة نفسها، ولكن بوجه جديد واسم مختلف.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نقيس نجاح الدولة بعدد المشاريع التي تُفتتح، أم بعدد الأزمات التي لا تعود؟
إعتادت الحكومات أن تحتفل ببداية المشاريع، بينما تقيس الدول المتقدمة نجاحها بنهاية الأزمات. فالمشروع ليس غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق استقرار دائم وتحسين ملموس في حياة الناس، وإذا بقيت المشكلة قائمة رغم كثرة المشاريع، فإن الإنجاز يصبح ناقصاً مهما كانت كلفته أو حجمه.
وفي العراق، لا تُقاس كفاءة الدولة بعدد المشاريع التي تُفتتح، بل بقدرتها على منع تكرار الأزمات التي تستنزف المال العام وثقة المواطنين. فما زالت بعض المشكلات تعود بصور مختلفة رغم تغيّر الحكومات وتعدد الخطط، مما يؤكد أن التحدي الحقيقي ليس معالجة النتائج، بل إصلاح أسباب الخلل المؤسسي.
في العراق، لا ينقصنا الحديث عن الإصلاح، ولا كتابة الخطط والاستراتيجيات، لكن المواطن ما زال ينتظر أن يشعر بأن الأزمة التي عانى منها في العام الماضي لن تتكرر هذا العام. فالنجاح الحقيقي لا يتمثل في إدارة الأزمة بكفاءة مرة أخرى، وإنما في بناء مؤسسات تمنع تكرارها من الأساس.
ولعل تكرار أزمات الكهرباء والمياه والازدحام والخدمات في مواسم متشابهة يطرح سؤالاً جوهرياً : هل نعالج الأزمات عند وقوعها، أم نبني سياسات تمنع تكرارها؟ فالمواطن لا يبحث عن حلول مؤقتة تخفف آثار الأزمة، بقدر ما ينتظر سياسات تمنع عودتها من الأساس.
إن إدارة الدولة لا ينبغي أن تقوم على منطق ردّ الفعل، بل على منطق الاستباق؛ فالحكومات التي تنشغل بإخماد الحرائق ستبقى أسيرة الأزمات، أما الحكومات التي تستثمر في التخطيط والحوكمة وبناء المؤسسات، فإنها تقلل من فرص اندلاع تلك الحرائق أصلاً.
وهذا لا يقتصر على قطاع بعينه؛ ففي الخدمات لا يكفي افتتاح مشروع إذا بقي المواطن يواجه المشكلة ذاتها بعد فترة قصيرة، وفي الاقتصاد لا يكفي تحقيق إيرادات مرتفعة في سنوات الرواج إذا ظل الاقتصاد هشاً أمام أي تراجع في أسعار النفط، وفي الإدارة العامة لا يكفي كشف مواطن الخلل، بل يجب بناء أنظمة تقلل من فرص تكراره.
فالدول لا تتقدم لأنها أكثر ثراءً، بل لأنها أقل سماحًا بتكرار الخطأ نفسه.
إن الدولة التي تنجح في منع الأزمة من العودة، توفر على نفسها المال والوقت والجهد، وتكسب قبل ذلك ثقة مواطنيها. أما الدولة التي تعالج الأعراض دون الأسباب، فإنها تجد نفسها في سباق لا ينتهي مع المشكلات نفسها، مهما تغيّرت القوانين أو تبدلت الحكومات.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل مشروع جديد ليس: كم بلغت كلفته؟ ولا كم استغرق إنجازه؟ بل: هل سيمنع هذا المشروع الأزمة من الوقوع مرة أخرى؟
فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد شرائط الافتتاح، ولا بعدد الملفات التي تُغلق مؤقتاً ، وإنما بعدد الأزمات التي تتحول إلى جزء من الماضي، لا إلى موعد ثابت في المستقبل.
فالتاريخ لا يخلّد من افتتح أكثر، بل من جعل الأزمات حدثاً استثنائياً لا عادةً تتكرر.




