back to top
المزيد

    الفخ الذي يلتهم كل دولار نفطي: دليل المستخدم لإصلاح الاقتصاد العراقي

    رأي العراقيين في أداء نظامهم الاقتصادي تدهور بشكل حاد، فالمواطن يرى بلداً يصدّر النفط بمليارات الدولارات شهرياً، لكنه لا يستطيع توفير الكهرباء على مدار (24) ساعة، أو تشغيل خط إنتاج واحد ينافس المستورد. وخريجو الجامعات لا يجدون عملاً إلا في التعيينات الحكومية التي أصبحت عبئاً على الموازنة العامة الاتحادية. أما القطاع الخاص، إن وُجد، فيعمل في التجارة والاستيراد، لا في التصنيع. كثيرون يقولون إن المشكلة تكمن في الفساد، أو غياب التنويع، أو ضعف القطاع الخاص. وكلها أسباب صحيحة، لكنها تبقى على سطح المشكلة. فلماذا فشلت كل محاولات التنويع بعد عشرين سنة؟ ولماذا لا تُقرض المصارف العراقية القطاع الصناعي؟ ولماذا يفضّل التاجر الاستيراد من تركيا على الشراء من معمل عراقي، حتى لو كان المنتج موجوداً؟

    تكمن الإجابة في هيكل النظام. فالعراق بلد تدخل إيراداته بالدولار عبر شركة تسويق النفط (سومو)، ثم تتحول في البنك المركزي العراقي إلى دنانير، حتى مطلع عام 2025 كان ذلك يتم عبر نافذة مزاد العملة، ومنذ ذلك الحين أصبح يتم عبر نظام المراسلة المصرفية الدولية، بضغط أمريكي لمكافحة غسيل الأموال وتهريب الدولار. ثم تُصرف هذه الإيرادات على شكل رواتب ونفقات تشغيلية عبر وزارة المالية الاتحادية، ليذهب معظمها إلى السوق المحلية التي تشتري بضائع مستوردة. وبعد ذلك يعود الدولار إلى الخارج عبر الحوالات، والمنافذ الحدودية، وشبكات الصيرفة، وتهريب العملة، والمضاربة بالفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي.
    وفي ربيع عام 2026 جاءت الصدمة الإقليمية لتؤكد هذا التشخيص بأوضح صورة ممكنة. فمع تعطل المرور عبر مضيق هرمز خلال الحرب، هبط إنتاج العراق النفطي وصادراته الجنوبية بصورة حادة، وامتلأت الخزانات، وتراجعت الإيرادات خلال أسابيع قليلة، قبل أن يبدأ الاستئناف التدريجي لاحقاً مع تحسن الظروف التشغيلية. هذه الصدمة لم تخلق الخلل العراقي، لكنها كشفت مدى عمقه. فالاقتصاد الذي كان عاجزاً، في الظروف الاعتيادية، عن الاحتفاظ بأثر الدولار النفطي داخل دورته المحلية، وجد نفسه فجأة أمام خطر أشد، هو تعطل دخول الدولار نفسه. وهنا يظهر أن المشكلة لا تقتصر على سوء استخدام الإيراد بعد دخوله، بل تمتد أيضاً إلى هشاشة القناة التي يدخل عبرها أصلاً.
    وبهذا المعنى، لا ينبغي فهم أزمة عام 2026 بوصفها حادثة طارئة منفصلة عن موضوع هذه الورقة، بل بوصفها اختباراً حياً للفخ البنيوي الذي تصفه. فحين يكون معظم النشاط الاقتصادي قائماً على إنفاق ريعي سريع التسرب، وحين يكون الإنتاج المحلي ضعيفاً، والمضاعف الاقتصادي منخفضاً، والاستيراد مرتفعاً، فإن أي انقطاع مفاجئ في التدفق النفطي لا يتحول إلى أزمة قطاعية في النفط فقط، بل إلى أزمة مالية وتجارية ونقدية تمتد إلى الموازنة، والرواتب، والاستيراد، والاستقرار الاجتماعي. فالحرب لم تغيّر طبيعة الاقتصاد العراقي، بل وضعته تحت ضغط كافٍ لكشفها بالكامل.
    هذه الورقة تقول إن المشكلة ليست التنويع، فالتنويع نتيجةٌ وليس عملية. وإنما تكمن المشكلة في إعادة التوازن: كيف نجعل الدينار يدور داخل الاقتصاد مدةً أطول؟ وكيف نجعل القروض تذهب إلى المعامل، لا إلى تجار المستوردات؟ وكيف نجعل المنافذ الحدودية أداةً لخفض الكلفة، لا محطةً للرشاوى؟

    لقراءة المزيد اضغط هنا