على الرغم من مضي ما يزيد عن (10) سنوات على دخول عصابات داعش الإرهابية لبعض المناطق في العراق، أو تنفيذها غارات ومعارك لغرض إجتياح بعضها الآخر، ومن بينها (جرف الصخر وعامرية الفلوجة)، ومن ثم مضي ما يقرب من (7) سنوات على تحريرها وإستقرارها وإزالة الخطر عنها، إلا أن النازحون إلى منطقة بزيبز ما زالوا مستمرين في نزوحهم. فعلى الرغم من سوء الأحوال المعيشية وتردي أو قلة توفر الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، سكن لائق، صحة، تعليم، فرص عمل .. ألخ)، إلا أنهم مازالوا عالقون في النزوح ويتطلعون لحلول مستدامة تتأرجح بين أمل العودة أو خيارات الاستقرار والاندماج.
في أغلب الأحيان، تؤدي المشكلات المستعصية إلى وقوع النزوح المطول، كما يعمل النزوح المطول على إحداث مشكلات جديدة، وفي بعض الأحيان يساعد على التكيف وتغيير التوجهات، مما يولد حلولاً ومعالجات، وفي أحيان أخرى يساعد على تشكيل مشكلات مستعصية جديدة.
بشكلٍ عام، يؤشر عالمياً إن الحلول الدائمة لحالة النزوح تتمثل في العودة الطوعية لمنطقة الأصل، أو الاستقرار الطوعي في منطقة النزوح، أو الاستقرار الطوعي في منطقة ثالثة، والذي يسمى أيضاً أعادة التوطين والإندماج. تحقق أيٌ منها يمثل إنهاء لحالة النزوح ونزع صفة النزوح عن السكان، لكن بشرط إنتفاء الحاجة لحماية ما ناتجة عن النزوح، وأن يتمتع النازحين بحقوقهم من دون تمييز بسبب نزوحهم. وفي السياق العراقي، وصف المستشار الدولي الخاص المعني بالحلول الدائمة في العراق، إن العراق من البلدان الستة عشر التي تتوفر فيها الظروف اللازمة للحث على إيجاد حلول تقودها الحكومات وظروف التنمية، مما يستدعي إعادة توجية النهج وإستثمار الجهود لصالحها. فبعد عودة نحو (خمسة ملايين) نازح في عموم محافظات البلاد على مدى السنوات العشرة الماضية، ينبغي أن تتحول الآن كل الجهود نحو التركيز على “حلول الميل الأخير” لمشكلة النزوح المطول لما تبقى من الحالات.
علمياً ومنهجياً، يتطلب تحقيق ذلك العمل على دراسة حالة كل منطقة بذاتها، ومشاركة النازحين أنفسهم في توليد وتقبل الحلول، ناهيك عن أهمية دور الحكومات المحلية والمجتمعات المضيفة في مناطق (الأصل، النزوح، البديلة) في الإستقرار وإعادة الاندماج، فضلاً عن دور المؤسسات القطاعية والمنظمات الدولية الساندة والشريكة لتنسيق الجهودة وتكامل الأدوار.
وفقاً لما تقدم، تمثل الدراسة الحالية محاولة جادة للتعرف على نوايا النازحين في العودة لمنطقة الأصل أو الإستقرار في منطقة النزوح أو الاستقرار في منطقة أخرى بديلة. وللغوص في تحديد أبرز المتطلبات والإحتياجات الضرورية لتحقيق ذلك، فضلاً عن تحديد أبرز المعوقات والمشكلات التي تحول من دون صناعة الحلول الدائمة. كما تركز على التعرف على أهم المتطلبات الآنية لتسيير الحياة وتوفير سبل العيش في منطقة النزوح.
أعتمدت الدراسة الحالية منهجية مراجعة الأدبيات ذات الصلة، فضلاً عن تعقب البيانات والتقارير المعتمدة لدى وزارة الهجرة والمهجرين، والمعلومات التي يحوزها المسؤولون عن الملف والعاملين عليه، فضلاً عن مراجعة العشرات من البرامج التلفزيونية والتقارير الاستقصائية والمقابلات المصورة مع النازحين والمسؤولين في بيئة النزوح. كما تم تصميم أستبانة تضمنت (12) سؤالاً محورياً يغطي أهداف الدراسة وغاياتها، وجهت لأرباب العوائل النازحة في منطقة عشوائيات بزيبز، وبواقع (100) مقابلة ناجحة للنازحين من منطقة جرف الصخر، و(100) مقابلة ناجحة للنازحين من عامرية الفلوجة.
كما تم تصميم قاعدة بيانات إلكترونية على منصة أور، مما سهل جمع البيانات والمعلومات إلكترونياً وباستخدام الأجهزة اللوحية والمقابلات المباشرة وجهاً لوجة مع المبحوثين. شارك نحو (10) باحثين في جمع البيانات والمعلومات من الميدان. كما إستغرق وقت تنفيذ الدراسة بجانبها النظري والميداني نحو ثلاثة أشهر.
تسعى الدراسة الحالية للتوصل إلى حلول ومعالجات، وإقتراح برامج وأنشطة عملية قابلة للتطبيق تساعد في إبتكار حلول مستدامة وعودة وإستقرار آمنين، وتتعكز على خيارات النازحين أنفسهم.




