الكاتب: Nazım ALTINTAŞ
ترجمة: د. يوسف علاء عباس
إذا كانت معاهدة مكة ستؤسس بالفعل لنظام دفاع مشترك شبيه بالمادة الخامسة، فإن قابلية تفعيل هذا النظام عسكرياً ستفرض بمرور الوقت اعتماد تخطيط مشترك، وسيؤدي التخطيط المشترك إلى وضع سيناريوهات مشتركة، فيما ستحدد هذه السيناريوهات التهديدات المحتملة، وستسهم تقييمات التهديدات بدورها تدريجياً في تطوير لغة أمنية مشتركة.
عند توقيع معاهدة مكة، كان أول سؤال تبادر إلى ذهني، بحكم الاختصاص المهني، هو: كيف يمكن جعل مثل هذا التحالف فاعلاً من الناحية العسكرية؟ فقد جرى طرح اعتبار أي هجوم تتعرض له إحدى الدول الأعضاء بمثابة هجوم على الأعضاء الآخرين، باعتباره التزاماً سياسياً قوياً، غير أن كيفية تنفيذ هذا الالتزام على أرض الواقع من قبل ثلاث دول تمتلك تصورات مختلفة للتهديد، وثقافات عسكرية متباينة، وأنظمة تسليح مختلفة، وعلاقات تحالفية متباينة، أثارت عدداً كبيراً من التساؤلات التي يتعين الإجابة عنها. وقد ركزتُ في المقال الأول بصورة أساسية على هذه التساؤلات.
بعد توقيع المعاهدة، دفعت التصريحات التي أُدلي بها إلى التفكير في المسألة من زاوية أخرى. فقد أشار وزير الخارجية هاكان فيدان إلى أن النظام يستند، من الناحية الفنية، إلى المنطق ذاته الذي تقوم عليه المادة الخامسة لحلف الناتو، كما شدد على أن التحالف لم يُنشأ ضد أي دولة بعينها، وأُعلن كذلك عن إنشاء أمانة عامة دائمة تتولى العمل من خلال آليات سياسية وعسكرية. وقد مثّلت هذه التصريحات التصريحات إجاباتٍ عن بعض التساؤلات المتعلقة بآلية عمل التحالف. كما أُشير إلى أن الاتفاقية لن تحل محل التحالفات القائمة، وأنها ستكون مفتوحة أمام انضمام دول أخرى.
إلا أن هذه التصريحات أثارت حتماً مجموعة أخرى من التساؤلات، ذلك أن الدفاع الجماعي ليس عملية تبدأ بعد وقوع الهجوم، وإنما يتطلب، لكي يصبح فاعلاً وقابلاً للتنفيذ، البدء منذ وقت السلم بعملية تخطيط مشترك، وتقييم للتهديدات، وتبادل للمعلومات الاستخبارية، وإجراء التدريبات والمناورات، ووضع ترتيبات للقيادة والسيطرة، وتطوير لغة عسكرية مشتركة.
ومن هنا يبرز مباشرةً السؤال الآتي: هل يمكن إنشاء تحالف من دون إعلان أي دولة عدواً، وهل يمكن إعداد خطة للدفاع الجماعي من دون وجود تصور لخصم محتمل؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أولاً النظر في معنى العمل مثل المادة الخامسة، وما الذي يعنيه ذلك عملياً.




