د. مؤيد جبير محمود/ أكاديمي وباحث سياسي
يمثل 30 أيلول محطة مهمة في مسار العلاقة بين الدولة العراقية والقوى المسلحة المنخرطة في المجالين السياسي والأمني، لكن أهمية هذا التاريخ لا تأتي من كونه موعداً إجرائياً لتسليم السلاح، وإنما من كونه نقطة انتقال في طبيعة المقاربة الحكومية للملف. فالتوضيح الأخير لمستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أعاد تعريف وظيفة التاريخ نفسه، عندما أكد أن 30 أيلول هو موعد خروج التحالف الدولي، وأن حصر السلاح بيد الدولة سيبدأ بعده بصورة تدريجية، مع التوجه إلى فك الارتباط بين الأحزاب وألوية الحشد الشعبي.
هذا التحول في الصياغة ليس تفصيلاً لغوياً. فهو يعكس انتقالاً من تصور كان يتعامل مع القضية باعتبارها مهلة محددة ينبغي أن تنتهي عندها مشكلة السلاح، إلى تصور يرى أن المشكلة أعمق من موعد زمني، وأنها ترتبط بإعادة بناء علاقة الدولة بمصادر القوة الموجودة داخل النظام السياسي نفسه. فالقوى المسلحة التي يُراد تنظيم وضعها ليست أجساماً منفصلة عن الدولة والمجتمع، وإنما تشكلت في سياقات أمنية وسياسية مختلفة، وأصبحت لبعضها امتدادات حزبية وبرلمانية واقتصادية ومؤسسية، الأمر الذي يجعل عملية إعادة تنظيمها أقرب إلى إعادة توزيع للنفوذ منها إلى عملية نزع سلاح تقليدية.
ومن هنا تبدو المسألة أكثر تعقيداً من معرفة ما إذا كانت الأسلحة ستُسلَّم في 30 أيلول أم لا، القيمة السياسية لهذا التاريخ ستظهر في طبيعة ما سيأتي بعده: هل تنتقل الحكومة إلى مسار مؤسسي له سقف زمني ومراحل واضحة وآليات تنفيذ، أم أن التغيير في المصطلحات سيمنح الأطراف مزيداً من الوقت من دون أن يتغير جوهر العلاقة بين الدولة والقوة؟ وهذه النقطة هي التي تجعل ملف السلاح مرتبطاً مباشرة بمستقبل النظام السياسي العراقي نفسه، لأن احتكار القوة لا يتحقق بمجرد تسجيل السلاح باسم مؤسسة رسمية، وإنما عندما تصبح الدولة هي الجهة الوحيدة التي تملك قرار استخدامه وتحديد توقيته وأهدافه وسلسلة القيادة التي تحركه.
وعلى هذا الأساس، فإن مرحلة ما بعد 30 أيلول ينبغي أن تُقرأ من خلال ثلاثة مستويات متداخلة: قدرة الحكومة العراقية على إدارة عملية إعادة التنظيم، واستعداد إيران للتكيف مع مسار قد يقلص بعض أدوات نفوذها من دون أن ترغب في خسارة نفوذها السياسي والأمني، ثم موقف الولايات المتحدة من تسوية تدريجية قد تكون مقبولة إذا أنتجت تغييراً فعلياً في القرار العسكري، لكنها لن تكون مقنعة إذا تحولت إلى وسيلة لإبقاء الوضع القائم تحت تسمية جديدة.




