back to top
المزيد

    واحة البيان

    حروب المطر الصامتة

    ناديا أنور علي/ باحث سياسي /كلية العلوم السياسية/ جامعة النهرين

    تمهيد:

       في الوقت الحاضر لم تعد الحروب تقتصر على الأسلحة والجيوش فقط ، بل ظهرت أنواع جديدة من الصراعات ترتبط بالاقتصاد والطاقة وحتى المناخ،  ومن بين هذه الصراعات مايعرف ” بحروب المطر الصامتة”  وهي فكرة تشير الى التنافس بين الدول حول التحكم بالأمطار والمياه باستخدام تقنيات حديثة مثل الاستمطار الصناعي، وقد أصبح هذا الموضوع يثير الكثير من النقاش بسبب تأثيره المحتمل على الأمن المائي والعلاقات السياسية بين الدول ، ويمكننا تعريف الاستمطارالصناعي”بأنه عملية علمية تهدف إلى زيادة سقوط الأمطار من خلال تلقيح السحب بمواد معينة تساعد على تكاثف بخار الماء. وتستخدم هذه التقنية غالبا في الدول التي تعاني من قلة الأمطار والجفاف” حيث تسعى الحكومات إلى تأمين المياه للزراعة والشرب ودعم الاقتصاد، ومع أن هذه التقنية تحمل فوائد كبيرة، إلا أنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف عديدة تتعلق بإمكانية استخدامها بطريقة تؤثر على الدول المجاورة ،  ما تسبب في تسميتها حروب المطر الصامتة كونها لا تحدث مباشرة مثل الحروب التقليدية  بل تكون على شكل تنافس خفي على الموارد الطبيعية وتبعا لذلك ومع انتشار هذه التقنية ظهرت تساؤلات كثيرة: هل يمكن لدولة أن “تسرق” الغيوم من دولة أخرى؟ وهل فعلاً يؤثر الاستمطار الصناعي على كمية الأمطار في المناطق المجاورة؟ ولفهم هذه التقنية بصورة اوضح ، سنتناول اولا مفهوم الاستمطار الصناعي والية عمله واهم اهدافه.

    اولا:الاستمطار الصناعي في دولة الامارات العربية المتحدة ودوره في تعزيز الامن المائي: عرف الاستمطار الصناعي أحد الأساليب الحديثة التي اعتمدتها دولة الإمارات العربية المتحدة في إطار استراتيجياتها الرامية إلى تعزيز الأمن المائي، ومواجهة تحديات الندرة المائية الناتجة عن الطبيعة الصحراوية والتغيرات المناخية. وتصنف الإمارات ضمن أوائل دول منطقة الخليج العربي التي طبقت تقنيات تلقيح السحب بصورة منظمة، وذلك من خلال برامج يشرف عليها المركز الوطني للأرصاد باستخدام تقنيات متقدمة تشمل الرادارات الجوية والطائرات المخصصة لرصد السحب المناسبة وتنفيذ عمليات التلقيح،وقد شهد البرنامج توسعا ملحوظا منذ عام 2010، ضمن مشروع وطني بلغت تكلفته التقديرية نحو 11 مليون دولار أمريكي، بهدف زيادة معدلات الهطول المطري في المناطق الصحراوية، ولا سيما في الامارات دبي، وأبوظبي. وتعتمد تقنية الاستمطار على تحفيز السحب الموجودة أصلًا عبر نثر مواد دقيقة، مثل أملاح كلوريد البوتاسيوم أو يوديد الفضة، بهدف تعزيز تكاثف بخار الماء وزيادة فرص سقوط الأمطار،وتشير التقديرات العلمية إلى أن عمليات تلقيح السحب قد تسهم في زيادة كميات الأمطار بنسبة تتراوح بين 10% و35% تبعا لطبيعة السحب والظروف الجوية السائدة، وفي هذا السياق نفذت الإمارات مئات المهمات الجوية الخاصة بالاستمطار خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ عدد العمليات 187 مهمة عام 2018، و247 مهمة عام 2019، الأمر الذي يعكس اعتماد الدولة المتزايد على هذه التقنية بوصفها إحدى الوسائل المساندة لإدارة الموارد المائية.

    • الشكل من اعداد الباحثة بالاستناد الى: المركز الوطني للأرصاد الاماراتي (NCM)

    يوضح المخطط التطور الملحوظ لعمليات الاستمطار في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال المدة من 2000 إلى 2026، بدأت عمليات الاستمطار بعدد محدود بلغ نحو 10 عمليات في عام 2000، ثم شهدت زيادة تدريجية خلال السنوات اللاحقة لتصل إلى 50 عملية عام 2005 و90 عملية عام 2010، واستمر هذا التوسع ليبلغ 219 عملية في عام 2020، مما يعكس اهتمام الإمارات بتطوير تقنيات الاستمطار لمواجهة مشكلة شح المياه وتعزيز الأمن المائي، وتشير البيانات إلى وصول العمليات إلى 300 عملية بحلول عام 2026، وهو ما يدل على التوسع الكبير في استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في برامج الاستمطار.

    ثانيا: الجدل حول الاستمطار الصناعي وإمكانية توظيف التكنولوجيا المناخية في الصراعات الإقليمية: أثارت الأحاديث المتداولة حول عودة الأمطار إلى العراق وإيران وتركيا بعد الحديث عن تدمير رادارات أمريكية داخل الإمارات  وعندما قصفت ايران مركز استمطار السحب السري وتعديل الطقس في الامارات (13) ابريل 2026 جدلاً واسعاً بشأن العلاقة بين التكنولوجيا المناخية والتغيرات الجوية في المنطقة، فقد اعتبرمجموعة من الباحثين  أن ما حدث لم يكن مجرد تطور عسكري تقليدي، بل “ضربة مناخية” قد تكون مرتبطة بشكل غير مباشر بالتأثير على حركة الأمطار والظواهر الجوية، وانتشرت تفسيرات تربط بين تقنيات التحكم بالطقس وبين التغيرات المفاجئة في كميات الأمطار، خاصة مع تزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة ببرامج الاستمطار الصناعي وتقنيات تعديل المناخ، وقد ساهم هذا الجدل في تعزيز المخاوف المتعلقة بإمكانية استخدام التكنولوجيا المناخية كأداة نفوذ أو ضغط سياسي غير مباشر بين الدول، لا سيما في المناطق التي تعاني من أزمات مائية وتغيرات مناخية متزايدة، بالرغم من ذلك أن هذه الطروحات لا تستند إلى أدلة علمية قاطعة، إلا أنها تعكس حجم القلق المتنامي تجاه التطور الكبير في تقنيات الرصد الجوي والاستمطار الصناعي، والذي دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن التحكم الجزئي بالمناخ لم يعد مجرد فرضيات خيالية، بل احتمالا تفرضه التطورات العلمية الحديثة، كما أن تزايد الحديث عن “حروب المطر الصامتة” يعكس طبيعة التحولات الجديد في مفهوم الصراع الدولي، حيث أصبحت المياه والمناخ من القضايا المرتبطة بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي جعل التكنولوجيا المناخية محورا للنقاش السياسي والعلمي في الوقت ذاته.

    ثالثا: الأبعاد السياسية للاستـمطار الصناعي: لم يعد الاستمطار الصناعي ينظرإليه بوصفه تقنية علمية تهدف إلى زيادة كميات الأمطار ومعالجة مشكلة الجفاف فقط ، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بالأبعاد السياسية والاستراتيجية، خاصة في المناطق التي تعاني من أزمات مائية وتنافس إقليمي على الموارد الطبيعية، فمع تصاعد آثار التغير المناخي وارتفاع معدلات التصحر، بدأت العديد من الدول تتجه نحو استخدام تقنيات تعديل الطقس باعتبارها وسيلة لتعزيز أمنها المائي وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والزراعي، ومن هذا المنطلق أصبحت التكنولوجيا المناخية جزءا من أدوات القوة الحديثة التي يمكن أن تمنح بعض الدول نفوذا إضافيا داخل محيطها الإقليمي، فامتلاك القدرة على تطوير برامج الاستمطار الصناعي يعكس مستوى التقدم العلمي والتقني، كما يمنح الحكومات إمكانية إدارة جزء من أزماتها المائية بعيداً عن الاعتماد الكامل على الموارد الطبيعية التقليدية، وفي المقابل أثار هذا التطور مخاوف سياسية متزايدة، خصوصاً في المناطق التي تشترك في الظروف المناخية نفسها، إذ تخشى بعض الدول من احتمالية تأثير عمليات الاستمطار الصناعي على التوازن الطبيعي لحركة السحب وكميات الأمطار في الدول المجاورة، ورغم عدم وجود أدلة علمية قاطعة تثبت إمكانية “سرقة الغيوم” ، إلا أن استمرار الجدل حول هذا الموضوع يعكس حساسية قضية المياه في العلاقات الدولية، كما أن غياب القوانين والاتفاقيات الدولية الواضحة التي تنظم عمليات تعديل الطقس يزيد من تعقيد هذه القضية، إذ لا توجد حتى الآن آليات قانونية دقيقة تحدد حدود استخدام التكنولوجيا المناخية أو مسؤولية الدول عن اثارها المحتملة، ولهذا بدأت بعض التحليلات السياسية تربط بين الاستمطار الصناعي وبين ما يعرف بـ “حروب المناخ” أو “حروب المطر الصامتة” ، في إشارة إلى الصراعات غير المباشرة التي قد تنشأ مستقبلا بسبب التحكم بالموارد المائية، يمكن القول إن خطورة الموضوع لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها ضمن بيئة دولية تعاني أصلاً من التوترات السياسية والأزمات البيئية، لذلك فإن التعامل مع الاستمطار الصناعي يجب أن يكون ضمن إطار من التعاون الإقليمي والرقابة الدولية، لضمان عدم تحول هذه التقنيات إلى وسيلة جديدة للصراع والنفوذ بين الدول.

    وختاما يمكننا القول ان التغيير المناخي الذي طرأ على العراق في الأونة الاخيرة  مثلا كثرة هطول الامطار في فصل الصيف لعام 2026 لم يكن الا نشاط منخفضات جوية مصحوبا بتغيرات مناخية موسمية اي لم يكن له علاقة بالاستمطار الصناعي بل ليس الا تقلبات طبيعية بين سنوات جافة ورطبة ، كون ان وزارة البيئة والزراعة العراقية قد صرحت  بداية  عام2026 بأنهم مستعدين للتنفيذ،لكن التطبيق الفعلي لم يتحقق بعد وأن العراق يقترب من اطلاق اول مشروع وطني للاستمطار الصناعي، وان المشروع لازال بمرحلة الموافقات والخطط والتجهيز الفني اكثر من كونه برنامج تشغيل كامل ومستمر، واما بخصوص الادعاءات التي تفيد بوجود برنامج “هارب” في دولة الامارات العربية المتحدة واستخدامه لسرقه الغيوم المتجهة الى العراق وايران ، هو في الاصل مشروع علمي انشأ في الولايات المتحة تحديدا في ولاية الاسكا ويهدف الى دراسة طبقة الايونوسفير وهية طبقة عليا من الغلاف الجوي، لكن بسبب ضخامته وطبيعته العسكرية السابقة ظهرت حوله نظريات مؤامرة كثيرة تزعم أنه يتحكم بالطقس او يسبب الزلازل والاعاصير او يسيطر على العقول او ما الى ذلك من تأويل.

    اقرأ ايضاً