back to top
المزيد

    واحة البيان

    الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما بعد خامنئي: دولة قوية أم هشة

    م.م. نور الهدى عماد كاظم الكعبي / ماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية / جامعة النهرين / كلية العلوم السياسية

        أن مستقبل النظام السياسي في إيران ذو أهمية محورية بالغة في دراسات الشرق الأوسط المعاصرة، لاسيما بعد استشهاد المرشد الأعلى الثاني آية الله (علي خامنئي) في (28/شباط/2026). إذ أنه يعد رأس الهرم السياسي والديني في إيران ، وأن اغتياله من قبل العدوان الأمريكي والصهيوني كان مخطط مدروس من أجل إحداث توترات سياسية داخلية في ايران فضلاً عن إضعاف الأمن الاقتصادي الإيراني وتشتيت الحرس الثوري الإيراني، إذ أنه كان شخصية سياسية قوية وبارزة وغير خاضعة للنفوذ الغربي على الرغم من كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده  ، مما يولد ذلك أهمية قصوى في  طرح تساؤل جوهري فحواه : هل سيؤدي غياب المرشد الثاني الأعلى خامنئي إلى إضعاف النظام الإيراني أم ستشهد المرحلة القادمة من القيادة الجديدة إستقرار وترابط مؤسسي؟

        ومن هذا المنطلق سيتم تحليل ملامح المرحلة الانتقالية وذلك من خلال قراءة مرتكزات وعوامل القوة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية التي تستند عليها الحكومة الإيرانية وتأثير ذلك على استقرار النظام السياسي.

    أولاً: الغاية من اغتيال آية الله العظمى (علي خامنئي) وتأثيره على الوضع الداخلي الإيراني

         تكمن الغاية الأعظم للقوى الغربية ( الولايات المتحدة الأمريكية) و( الكيان الصهيوني) من اغتيال آية الله (علي خامنئي) هو إضعاف القوة العسكرية الإيرانية وخاصة الحرس الثوري الإيراني الذي يعد أبرز الأعمدة الرئيسة للنظام الإيراني إذ ولاءه المباشر مرتبط بالمرشد الأعلى ويعد هو الأساس في دعم وتعزيز قوة ايران ، فضلاً عن السعي إلى تحقيق هدف آخر واضح وهو تشتيت الداخل الإيراني وإحداث انقسامات وخلافات بين القوى المتنافسة على الحكم والسلطة والنفوذ، ومن جهة أخرى مابين صفوف الشعب الإيراني مابين رافضيين لخلافة الظل ومابين مؤيدين ، وأن إستهداف هذه الشخصية السياسية والدينية العليا بالبلد تعود لكونها شخصية سياسية بارزة ومؤثرة وغير خاضعة لأي سيطرة غربية ولم ترضخ أمام العقوبات الاقتصادية الدولية فضلاً عن أنه من الشخصيات السياسية التي تدعم حلفاؤها في الشرق الأوسط ، فضلاً عن سيطرة إيران على عدم توسع النفوذ الغربي في الشرق الأوسط وتحديداً ( سوريا ، العراق، ولبنان) ، وبشكل عام هي قوة إقليمية كبيرة التأثير والنفوذ وهذا ما يثير رعب الغرب وخوفهم من عدم السيطرة على الشرق الأوسط الذي يعد محط أطماع للنفوذ الغربي الذي يسعى لتقسيم الشرق الأوسط بشكل تكتيكي، وبذلك أن إيران شهدت اليوم مرحلة انتقاليّة جديدة ([1]).

    ثانياً: تولي مجتبى خامنئي الحكم: بين الاستقرار أو اللاإستقرار

        يعد تولي مجتبى خامنئي الحكم من بعد إستشهاد والده مباشرة في ( آذار/2026) هو مرحلة تموضع ذكي لتحقيق الاستقرار السياسي في الدولة وسد الفراغ القيادي بالسلطة على الرغم من وجود مرشحين آخرين ولكن جرى إختياره من قبل هيأة الخبراء ومن قبل دعم النظام وبدعم من الحرس الثوري ولكن ليس بقبول شعبي لعدم وجود قاعدة شعبية كبيرة لديه ، وأن اختياره الفوري هو تجنباً لحدوث الخلافات السياسية والتوترات الداخلية والسيطرة على الداخل الإيراني المضطرب والاستمرار بمواجهة القوى الغربية ( الولايات المتحدة الأمريكية ) و( الكيان الصهيوني ) وبالفعل بدأ مجتبى خامنئي بإدارة الحكم على الرغم من إصابته أثر بداية موجة الهجمات الأمريكية والصهيونية، ولكنه قليل الظهور إعلامياً ، واتخذ مجتبى  أسلوب المواجهة كسياسية والده وعدم الخضوع للضغوط الأميركية والصهيونية وعلى الأمد القصير يتضح أن هناك إستقرار سياسي وحماية للنظام الإيراني من الإنهيار أو السيطرة الغربية لوجود مؤسسات إيرانية مترابطة وسد الفراغ القيادي على الفور واستمرار المواجهة و رد الضربات وعدم الخضوع والاستسلام  ([2])  .

     وعند تحليل الواقع السياسي يظهر أن هناك مجموعة من العوامل التي تعزز قوة مجتبى خامنئي في الحكم وأهمهما الآتي ([3]):

    • دعم الحرس الثوري كونه أهم أعمدة النظام الإيراني ومسيطر على الأمن الداخلي والخارجي ومسيطر على شركات حيوية عدة مما يجعله مسيطر على الاقتصاد ويملك السلاح المتطور والحديث لذا يعد داعم قوي يعزز قوته ويحقق الأمن الداخلي مما يجعل ذلك استقرار بالحكم.
    • أنه نجل والده وذو علاقات قوية وجيدة مع القيادات الدينية والسياسية في الخارج الإيراني.
    • علاقاته الداخلية مع الأجهزة الأمنية والحرس الثوري ورجال الدين يمنحه قبول بالوقت الحالي.
    • بدء منذ تسنمه المهام كمرشد أعلى بدعم حلفاء إيران بالمنطقة ، وإتباع إقتصاد المقاومة وتقليل الاستيراد وبنفس الوقت تعزيز أهمية مضيق هرمز الذي يعد أحد أوراق الضغط بيد إيران وأهم الطرق الدولية للتعامل الاقتصادي والتجاري وكما قد صرح وزير الخارجية الإيراني ( عباس عراقجي) حوله أنه لا يتم فتحه إلا بتقديم الأطراف المقابلة تعويضات مالية فضلاً عن تقديم ضمانات بعدم تكرار هذه الهجمات مجدداً، فضلاً عن بدء التعامل التجاري عن طريق المضيق مع الصين وروسيا بعملة ( اليوان) إذ إن هاتين الدولتين غير ملتزمتين بالعقوبات على إيران ، والغاية من عدم تعامل ايران مع الدول بالدولار هو إضعاف الدولار الأمريكي وتنويع احتياطات إيران من العملات ، فضلاً عن العمل على تعزيز العلاقات التجارية الإقليمية مع دول المنطقة وخاصة العراق ودول الجوار الأخرى.

    ثالثاً: تحول حكم مجتبى خامنئي مستقبلاً من دعم النظام فقط إلى قبول شعبي شرعي أو عدمه

         أن قيادة مجتبى خامنئي جرت كإنتقال سريع في خضم الحرب، ولكنه اتخذ في سياسته أثناء هذه القيادة إتباع سياسات ذكية ومدروسة وبدعم قوي من قبل المؤسسات والنظام والحرس الثوري، ولكن لم يملك شعبية واسعة بالوقت الحالي كشعبية والده، ولكن حقق استقرار سياسي حالي نسبياً، وأن هناك احتمالية لتحول حكمه إلى قبول شعبي واسع إذا عمل على تحقيق إصلاحات وتحققت مجموعة من النقاط الأساسية وهي كالآتي ([4]):

    • أن إيران هي دولة ذو نظام سياسي ديني – مؤسساتي لذا أن نجاح حكم مجتبى خامنئي يعتمد على أستمرار دعم النظام والحرس الثوري ومجلس الخبراء وقبول النخبة الدينية له كون أن استقرار الحكم مدعوم بذلك.
    • إذا عمل على إنتعاش وازدهار الاقتصاد الإيراني على الأمد القريب والمتوسط لكون أن إيران عاشت فترات طويلة من التدهور الاقتصادي في ظل العقوبات ويتم ذلك من خلال تحسين العلاقات التجارية الإقليمية مع دول المنطقة، فضلاً عن رفع قيمة العملة الوطنية وتقليل البطالة وزيادة العمالة، وتعزيز التصنيع المحلي، وتقليل عملية الاستيراد وهذا يسمى اقتصاد المقاومة والالتفاف على العقوبات الغربية مما يمنح حكمه نفوذ وقوة أكبر.
    • امتلاك إيران الحالي للبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقوة البحرية واستمرارها بالتصنيع العسكري المستمر والمتطور يجعلها تحافظ على قوتها ووزنها السياسي وتوظيف تلك القوة بالوقت المناسب.
    • الحد من الاحتقان الاجتماعي ومعالجة قضايا الشارع الإيراني خاصة موضوع الحريات والاحتجاجات الشعبية للسيطرة على ضبط الأوضاع الداخلية وتحقيق الاستقرار والقبول الشعبي.
    • تحسين السياسة الخارجية مع الدول وتهدئة التوتر بما يخدم مصالح إيران وحماية حدودها وسيادتها.
    • ضبط التوازن مابين مؤسسات القوى وتوحيد مراكز القرار في إيران.

        نافلة القول ، تشهد إيران اليوم تماسك سياسي واستقرار أمني نسبي على الرغم من الضربات العسكرية الأميركية الصهيونية على إيران وعلى الرغم من استشهاد أهم الرموز الدينية والسياسية (علي خامنئي )  وذلك بسبب مؤسساتها المترابطة والمتكاتفة والعقيدة الراسخة أيضاً ، مما جعلها ذو قدرة على  مواجهة التحديات وذو مقاومة مستمرة ومتمكنة من رد الضربات بشكل أقوى فضلاً عن إمتلاكها برنامج نووي وقدرة على تخصيب اليورانيوم وأسلحة وصواريخ باليستية متطورة ومتنوعة وتخطيط دقيق جداً وإرادة وإصرار وعزيمة تجعل النفوذ الغربي يهابها بغض النظر عن اتحاد الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية معاً بالضد منها إلا أنها في صمود ومواجهة دون تردد أو تراجع وأن الغرب يدرك جيداً وزن إيران السياسي وقوتها ، وأن نجاح حكم مجتبى خامنئي أو غيره يعتمد على ما تم ذكره في أعلاه لأنه الأساس في خلق الاستقرار الداخلي الحالي والمستقبلي ، وفي نهاية الحديث لا تنحصر قوة إيران بالشخص القائد فقط بل بترابط وتكاتف مؤسساتها كافة وقدرتها على التكييف والتموضع .

     

     

     

     

     

     


     المصادر:

    ([1]) احمد محسن عليان العبيدي، إيران ما بعد المرشد انهيار ام إعادة تموضع، مركز دراسات الشهيد الخامس، العراق، 7/3/2026، تاريخ آخر زيارة 6/4/2026، متاح على الرابط الآتي: https://ar.shahidkhames.com/?p=23590

    ([2]) فراس الياس، السيد مجتبى الخامنئي المرشد الجديد في زمن المواجهة الكبرى، مركز البيان للدراسات والتخطيط، العراق، 15/3/2026، ص 7، متاح على الرابط الآتي: https://www.bayancenter.org/wp-content/uploads/2026/03/In-the-time-of-the-great-confrontation1532026.pdf

    ([3]) وزير الخارجية الإيراني: إنهاء الحرب مرهون بدفع تعويضات وتقديم ضمانات بعدم تكرار الهجمات، إنترناشيونال، 15/3/2026، تاريخ آخر زيارة 6/4/2026، متاح على الرابط الآتي:  https://www.iranintl.com/ar/202603159220

    ([4]) إبراهيم حردان مطر، القوة الصاروخية الإيرانية قراءة في توظيف قدرات الردع غير المتماثلة، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، العراق، 15/3/2026، تاريخ آخر زيارة 6/4/2026، ص1، متاح على الرابط الآتي: https://tinyurl.com/2p9b6y3w

    اقرأ ايضاً