back to top
المزيد

    وهم الانتصار وإعادة إنتاج الفشل السياسي في العراق

    منذ عام 2003، لم تكن الأزمات السياسية في العراق أزمةَ تداولِ سلطةٍ فحسب، بل كانت أيضاً أزمةَ إدراكٍ سياسي لطبيعة الدولة ووظيفتها وحدود القوة داخلها. فقد تعاملت القوى السياسية العراقية، بمختلف اتجاهاتها، مع كل عملية انتخابية أو تفاهم حكومي بوصفه لحظةَ انتصارٍ نهائي، لا مرحلةً مؤقتة ضمن نظام سياسي هشّ ومركّب، تتداخل فيه المصالح والهويات والتوازنات الداخلية والخارجية. ومن هنا تشكّلت واحدة من أخطر الظواهر في التجربة العراقية الحديثة، وهي: “وهم الانتصار”.

    ولا يقتصر وهم الانتصار على كونه شعوراً نفسياً أو خطاباً إعلامياً، بل تحوّل إلى آليةٍ لإدارة العمل السياسي؛ إذ إن كل كتلة تعتقد أنها حققت انتصاراً انتخابياً أو تفاوضياً تتصرف باعتبارها الممثل الأوحد للشرعية، وتسعى إلى إعادة تشكيل العملية السياسية وفق عقلية الاستحواذ لا عقلية الإدارة والتوازن. وفي المقابل، يتحول هذا الانتصار ذاته إلى مدخلٍ لإنتاج أزمة جديدة أكثر تعقيداً من سابقتها.

    وفي الحالة العراقية تحديداً، غالباً ما يدفع شعور القوى السياسية بأنها حققت انتصاراً انتخابياً أو تفاوضياً إلى ارتكاب سلسلة من الأخطاء البنيوية التي تُفضي عملياً إلى إضعاف الحكومة والدولة معاً، في الوقت الذي تظن فيه أنها تعزز سلطتها ونفوذها.

    ومنذ انتخابات عام 2018، مروراً بانتخابات عام 2021 وما أعقبها من مرحلة انسداد سياسي، وصولاً إلى إعادة تشكّل التحالفات التي انتهت بتكليف وتشكيل الحكومة في 14 أيار/مايو 2026، أعادت القوى السياسية العراقية إنتاج النمط ذاته: إعلان النصر، وتوسيع النفوذ، واحتكار القرار، ثم الاصطدام بالواقع البنيوي للنظام السياسي المأزوم. وكأن النظام السياسي العراقي يعيش داخل دورة متكررة من “الانتصارات القصيرة” و”الإخفاقات الطويلة”.

    إن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في نتائج الانتخابات بحد ذاتها، بل في الكيفية التي تُفهم بها تلك النتائج وتُترجم سياسياً. ففي الأنظمة المستقرة، تمثل الانتخابات أداة لإعادة توزيع السلطة ضمن قواعد مؤسساتية راسخة، ويُفترض أن يقود الفوز السياسي إلى زيادة المسؤولية، والانفتاح على المجتمع، وإعادة بناء الثقة العامة. أما في العراق، فقد تحولت الانتخابات إلى معركة وجودية تُنتج شعوراً بالغلبة لدى الفائز، وشعوراً بالإقصاء الوجودي لدى الخاسر، الأمر الذي يجعل كل عملية سياسية تمهيداً لأزمة لاحقة.

    ومن هنا، غالباً ما يُترجم الفوز السياسي إلى سلوك معاكس لمنطق الدولة، إذ يقود إلى التوسع في السيطرة، والتضييق في الشراكة، والتعامل مع الدولة بوصفها ملكية سياسية مؤقتة للفائز، وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية. وعليه، يحاول هذا المقال تحليل مفهوم “وهم الانتصار” في الحالة العراقية، وكيف أسهم في إعادة إنتاج الفشل السياسي، من خلال تتبع أنماط السلوك السياسي للقوى المتنفذة، وتحليل العلاقة بين الانتخابات والسلطة والدولة، وفهم الكيفية التي تحولت بها الديمقراطية العراقية من آلية للتنافس السياسي إلى أداة لإعادة تدوير الأزمة.

    لقراءة المزيد اضغط هنا

    مصطفى السراي
    مصطفى السراي
    مدير قسم الدراسات السياسية في مركز البيان للدراسات والتخطيط،باحث واكاديمي في العلوم السياسية،حاصل على الماجستير في العلاقات الدولية / جامعة بغداد.