المزيد

    واحة البيان

    انسحاب الإمارات من أوبك: لحظة كسر التوازن وبداية عصر النفط بلا ضابط

    رامي الشمري

    لم يعد انسحاب الإمارات من أوبك وتحالف أوبك بلس حدثاً يمكن قراءته في إطار الخلافات التقليدية داخل المنظمة، بل هو تعبير صريح عن تحول بنيوي في طبيعة النظام النفطي العالمي. فالنموذج الذي حكم السوق لعقود، والقائم على التنسيق الجماعي لضبط الإنتاج والأسعار، بدأ يفقد صلابته أمام صعود مقاربات وطنية أكثر براغماتية تسعى لتعظيم العائد المباشر من الموارد، حتى على حساب الاستقرار الجماعي.

    خلال السنوات الماضية استندت معادلة أوبك بلس إلى فكرة بسيطة مفادها أن خفض الإنتاج يؤدي إلى رفع الأسعار ومن ثم تحقيق استقرار في الإيرادات. غير أن هذه المعادلة اصطدمت تدريجياً بواقع جديد يتمثل في اتساع الفجوة بين القدرات الإنتاجية لبعض الدول وبين حصصها المفروضة داخل التحالف. في هذا السياق برزت الإمارات بوصفها نموذجاً لدولة استثمرت بكثافة لرفع طاقتها الإنتاجية إلى مستويات تفوق بكثير ما يسمح به نظام الحصص. ومع إنتاج فعلي يقترب من 3 إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، وطموح يتجاوز 5 ملايين برميل، أصبحت القيود التنظيمية عبئاً اقتصادياً أكثر منها أداة توازن.

    هذا التباين لم يكن تقنياً فحسب، بل عكس اختلافاً عميقاً في الرؤية بين نهجين: أحدهما تمثله المملكة العربية السعودية ويقوم على إدارة السوق عبر تقليص المعروض للحفاظ على أسعار مرتفعة نسبياً، والآخر تتبناه الإمارات ويركز على تعظيم الحصة السوقية حتى وإن جاء ذلك على حساب السعر. ومع تراكم هذا التباين، أصبح البقاء داخل الإطار الجماعي أقل جدوى من الناحية الاقتصادية.

    غير أن العامل الأكثر تأثيراً الذي أعاد تشكيل قواعد اللعبة يتمثل في صعود النفط الصخري الأمريكي، الذي كسر عملياً احتكار التحكم بالإمدادات. فكل ارتفاع في الأسعار بات يقابله توسع سريع في الإنتاج الأمريكي، ما يفرغ جزءاً كبيراً من أثر سياسات خفض الإنتاج. هذا الواقع جعل من استراتيجية “رفع السعر عبر تقليص المعروض” أقل فعالية مما كانت عليه في العقود السابقة، ودفع بعض الدول، وفي مقدمتها الإمارات، إلى إعادة التفكير في جدوى الالتزام الجماعي.

    الدوافع التي قادت إلى هذا القرار تتداخل فيها اعتبارات اقتصادية واستراتيجية وزمنية. فمن الناحية الاقتصادية تسعى الإمارات إلى تعظيم الإيرادات عبر زيادة الكميات المصدرة بدلاً من الاعتماد على أسعار مرتفعة لكمية محدودة، خاصة في ظل سوق قد لا يستجيب للخفض كما في السابق. ومن الناحية الاستراتيجية، يوفر التحرر من الحصص مرونة أكبر في التعامل مع سوق شديد التقلب تحكمه أزمات جيوسياسية وتغيرات في الطلب العالمي، خصوصاً في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب. أما البعد الزمني فيرتبط بتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، حيث تتزايد الاستثمارات العالمية في البدائل، ما يعزز القناعة بأن الطلب على النفط قد يقترب من ذروته خلال العقدين القادمين، الأمر الذي يدفع المنتجين إلى تسريع استغلال مواردهم قبل تآكل قيمتها النسبية.

    انعكاسات هذا التحول على سوق النفط لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد، بل تتوزع على عدة سيناريوهات. في حال زيادة الإنتاج بشكل محدود، قد يظل السوق متماسكاً مع ضغوط سعرية طفيفة، ربما في نطاق 65 إلى 75 دولاراً للبرميل، مع تراجع تدريجي في قدرة أوبك على الضبط. أما في حال التوسع الكامل في الإنتاج، فإن المعروض الإضافي قد يدفع الأسعار إلى نطاقات أدنى قد تلامس 50 إلى 60 دولاراً، وهو ما يعني خسائر بمليارات الدولارات سنوياً للدول الريعية، إذ إن كل انخفاض بمقدار 10 دولارات قد يترجم إلى فجوات مالية كبيرة في الموازنات المعتمدة على النفط. السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في انتقال العدوى إلى دول أخرى داخل أوبك بلس، بما يؤدي إلى تآكل الانضباط الجماعي وعودة غير مباشرة إلى نماذج المنافسة المفتوحة.

    في هذا السياق يعاد تشكيل موازين القوة داخل التحالف، حيث يبقى محور السعودية وروسيا في موقع القيادة، لكنه يواجه تراجعاً تدريجياً في أدوات التأثير نتيجة خروج أحد أبرز المنتجين وتزايد النزعات الاستقلالية. القيادة هنا لا تختفي، لكنها تفقد قدرتها على فرض التزام صارم كما في السابق.

    تأثيرات القرار تمتد أيضاً إلى خريطة الرابحين والخاسرين. فالدول المستهلكة الكبرى مثل الصين والهند قد تستفيد من انخفاض الأسعار، ما يدعم النمو الاقتصادي ويخفض كلفة الطاقة. كما يستفيد الاقتصاد العالمي بشكل عام من تراجع أسعار النفط. في المقابل، تتعرض الدول الريعية لضغوط متزايدة، وقد تجد نفسها أمام خيارات صعبة تشمل تقليص الإنفاق أو اللجوء إلى أدوات مالية جديدة. وعلى المستوى الداخلي، قد تنعكس هذه التحولات على المواطن بشكل مباشر عبر تراجع مستويات الدعم أو زيادة الأعباء المالية.

    بالنسبة إلى العراق، تتخذ المسألة بعداً أكثر تعقيداً. فالموازنة العراقية تعتمد بشكل كبير على سعر نفط يتجاوز 70 دولاراً للبرميل، وأي تراجع دون هذا المستوى يخلق فجوة مالية واضحة. وفي الوقت نفسه، فإن الالتزام بحصص الإنتاج في بيئة تتجه فيها دول أخرى إلى زيادة إنتاجها يعني خسارة مزدوجة تتمثل في انخفاض السعر وتراجع الحصة السوقية، ما يضع العراق أمام معادلة صعبة بين الالتزام الجماعي ومتطلبات الاستقرار المالي.

    وعلى الرغم من وجود سوابق لانسحاب دول من أوبك مثل قطر وأنغولا، فإن الحالة الإماراتية تختلف من حيث الوزن والتأثير. فالإمارات ليست عضواً هامشياً، بل لاعباً مركزياً يمتلك قدرات إنتاجية واستثمارية كبيرة، ما يجعل خطوتها أقرب إلى تحول استراتيجي منها إلى انسحاب تكتيكي.

    المشهد العام يشير إلى أن سوق النفط يدخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة أوبك بلس على فرض الانضباط، دون أن يعني ذلك انهيارها الكامل. في المقابل، يتصاعد التنافس على الحصص السوقية، وتزداد تقلبات الأسعار ضمن نطاقات أوسع، مع حضور متزايد لعوامل خارج سيطرة التحالف.

    الخاتمة:

    في المحصلة، لا يمثل انسحاب الإمارات نهاية أوبك بقدر ما يكشف نهاية المرحلة التي كانت فيها قادرة على ضبط إيقاع السوق العالمي. ما يتشكل اليوم ليس مجرد خلل في التوازن، بل انتقال إلى نظام نفطي جديد تحكمه المنافسة المفتوحة، والمرونة الإنتاجية، وردود الفعل السريعة، أكثر مما تحكمه الاتفاقات الجماعية. لم يعد السؤال من يسيطر على السوق، بل من يستطيع الصمود داخله. وفي عالم تتآكل فيه أدوات الضبط التقليدية، يصبح النفط أقل خضوعاً للقرارات السياسية وأكثر انقياداً لمنطق القوة والإنتاج والسرعة. إنها بداية عصر لا يُدار فيه السوق… بل يُصارع فيه.

    اقرأ ايضاً