محمد قاسم – باحث في الشأن الامني والاستراتيجي
في الماضي، كانت الحرب توصف بأنها ملتقى لخصمان في الميدان. كانت القوة تقاس بحجم النيران وعدد الجنود والقدرة على احتلال الاراضي او الدفاع عنها. وكانت القيادة العسكرية حاضرة وتعيش تفاصيل المعركة بشكل لحظي من خلال التقارير الميدانية وحركة القوات على الارض. اما اليوم، فأن صورة الحرب تحولت جذرياً، قد يكون هذا من أكبر التحولات التاريخية التي عرفتها الاستراتيجية العسكرية منذ الثورة الصناعية. اذ انتقلت المعارك من الميدان والخنادق الى الشاشات، ومن المواجهة المباشرة الى الادارة الافتراضية والى فضاء رقمي معقد تتحكم فيه البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
ان جلوس الجندي امام عدة شاشات يتابع فيها هدفاً على بعد مئات او الالف الكيلومتر يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة الحرب نفسها. فالحروب الحديثة لم تعد تتطلب وجود المقاتل في مكان الخطر اذ أصبح بالإمكان ادارة العمليات العسكرية بصورة كاملة من غرف القيادة البعيدة ميدانياً عن ساحة المعركة، عبر انظمة مراقبة واتصالات واقمار صناعية وطائرات مسيرة ومنصات ذكاء اصطناعي لها القدرة على تحليل المشهد الميداني لحظة بلحظة.
اذ أصبح دور القائد العسكري أقرب الى مدير شبكة معقدة من الانظمة الرقمية منه الى قائد يقود قواته من الخطوط الامامية. فالمعارك الحديثة تدار من خلال تدفق مستمر للصور والمعلومات والبيانات الاستخبارية التي حولت ساحة القتال الى نموذج رقمي يمكن تحليله والتفاعل معه في الزمن الحقيقي. لتظهر فكرة “المعركة الافتراضية” ليس بمعنى انها غير حقيقية، بل بمعنى ان ادارتها تتم عبر تمثيل رقمي للواقع الميداني.
وفي هذا السياق، تتجسد الثورة العسكرية المعاصرة في القدرة على ملاحظة العدو وكشف تحركاته ومراقبتها وتحييده قبل ان يدرك خطورة موقفه. وبناءً على هذا المنظور انتقل طموح الدول من السعي نحو التفوق الكمي والعددي الى التركيز على التفوق المعرفي، مما جعل من ” السيطرة المعلوماتية ” الركيزة الاساسية لاستراتيجيات القوة المعاصرة.
وتشكل الطائرات المسيرة النموذج المثالي لهذه الطفرة العسكرية، اذ توفر للدول القدرة على ادارة العمليات القتالية وتقليل المخاطر على جنودها. حيث اتاح التطور التقني للمشغلين من مراكز تحكم تبعد مسافات شاسعة مراقبة مسارح العمليات واتخاذ قرار الاشتباك بشكل فوري. لذلك فأن العامل الجغرافي فقد قيمته الاستراتيجية التقليدية للعمليات العسكرية.
كما ان الاهمية الاستراتيجية لهذا التحول لا تقتصر على تطوير الاداء العسكري، بل في اعادة تعريف مفهوم الردع، فبينما قام الردع التقليدي على مبدأ الحاق خسائر مادية للعدو، يرتكز الردع اليوم بشكل متزايد على ثنائية الرصد الدائم والاستهداف الدقيق. لان التهديد الحقيقي للخصم اليوم يتمثل في خسارته لميزة التخفي وتحول اي نشاط له الى مادة استخباراتية قابلة للمعالجة العسكرية بشكل فوري.
يذكر العقيد جون بويدن في كتابه «الحرب المتبادلة»: إن معرفة الخصم بأنه مراقب قد تكون كافية لتقييد خياراته. وهذا بالضبط ما نشهده اليوم، انتقال من “ردع التدمير” إلى “ردع المراقبة”. فمعرفة الخصم بأنه مراقب قد تكون كافية لتحجيم حركته، وهذا يجعل المعلومات أداة قوة لا تقل أهمية عن السلاح نفسه.
ومع ذلك، فأن هذا المنعطف التقني لا يخلو من اشكاليات اخلاقية عميقة للسلوك البشري وطبيعته فيها ارتباط. فمع تحول مسارح العمليات الى بيانات رقمية واحداثيات حرارية على شاشات التحكم، تتغير العلاقة السببية بين المهاجم ونتائج عملياته. يصبح الهدف البشري مجرد معطى رقمي، ويتحول القرار العسكري الى برمجية روتينية بدلاً من ان يكون مواجهة حية. حيث تكمن الخطورة الاخلاقية هنا في ان المسافة النفسية والمكانية التي توفرها التكنولوجيا تقلل من الوعي الداخلي بوطأة العنف وكلفته الانسانية.
وتتجلى المفارقة الاستراتيجية في ان زيادة ذكاء الحروب ودقتها لم تترجم الى خفض مستويات الخطر، بل على العكس اذ ادت الى سهولة اللجوء الى الخيار العسكري نتيجة انخفاض كلفته. ان اعفاء الدول من الخسائر البشرية المباشرة في صفوف قواتها يقلل من القيود السياسية والضغوطات الداخلية التي كانت تصاحب الحروب التقليدية مما يجعل عتبة اتخاذ قرار الحرب أكثر انخفاضاُ واقل تعقيداً.
يتشكل اليوم نموذج عملياتي جديد يعُرف “بحرب الشبكات” وفيه لم يعد الحسم العسكري حكراً على جبهات القتال التقليدية، بل أصبح نتيجة للتفوق في مراكز البيانات وغرف القيادة ومنظومات الذكاء الاصطناعي ولم تعد المعضلة الاستراتيجية تتمثل في حجم الترسانة العسكرية، بل مدى القدرة على امتلاك تدفق معلوماتي يتيح التقييم والقرار بشكل أسرع من الطرف الاخر.
ومن ثم، فإن صورة الجندي أمام أنظمة التحكم الرقمية تختزل تحولاً بنيوياً في العقائد العسكرية إذ تؤرخ لنهاية حصرية الميدان المادي، وبداية مرحلة العمليات الافتراضية والتحكم عن بُعد، حيث أصبحت البيانات والخوارزميات ركائز أساسية في معادلات الردع والسيادة. في البيئة الأمنية المعاصرة، تبدأ الحرب سيبرانياً ومعلوماتياً قبل التحرك الميداني للقوات، مما يكرس حقيقة أن القوة في القرن الحالي باتت تكمن في القدرة على إدارة الصراع عبر الشاشات والأنظمة الذكية.




