د. علي الراوي/ دكتوراه في الاقتصاد النقدي
يمرّ العراق اليوم بمرحلة اقتصادية تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات طويلة، ليس فقط بسبب التحديات المالية التقليدية، بل نتيجة تزامن عدة أزمات معقدة في وقت واحد، بعضها داخلي ناتج عن تراكمات اقتصادية وإدارية امتدت لسنوات، وبعضها خارجي يرتبط بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، والتي باتت تؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
لقد بُني الاقتصاد العراقي طوال العقود الماضية على مورد واحد يكاد يكون المصدر الرئيسي للحياة المالية للدولة، وهو النفط. ومع أن هذا المورد وفّر للعراق تدفقات مالية ضخمة في فترات ارتفاع الأسعار والاستقرار السياسي، إلا أن الاعتماد المفرط عليه جعل الاقتصاد شديد الحساسية أمام أي اضطراب سياسي أو أمني أو اقتصادي قد يصيب أسواق الطاقة العالمية. فالدول التي تعتمد على مورد واحد، غالباً ما تبدو قوية في أوقات الوفرة، لكنها تصبح أكثر هشاشة عند أول اختبار حقيقي.
واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات تعطل أو تقييد حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز، يواجه العراق تحدياً استثنائياً يتمثل في الخوف من تراجع التدفقات المالية التي يعتمد عليها بشكل شبه كامل في تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والمشاريع والخدمات العامة. وتزداد حساسية هذا المشهد في ظل تضخم حجم الإنفاق الحكومي، وارتفاع أعداد الموظفين، وتراكم الالتزامات المالية المؤجلة، إضافة إلى الضغوط التي رافقت تأخر تشكيل الحكومة وما نتج عنه من تباطؤ في اتخاذ القرارات الاقتصادية والإصلاحية.
إن أخطر ما تواجهه الاقتصادات الريعية لا يتمثل فقط في انخفاض الإيرادات، بل في فقدان القدرة على المناورة عند وقوع الأزمات. فحين تصبح الدولة مسؤولة عن تمويل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي، وعن إعالة ملايين المواطنين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن أي اضطراب في الإيرادات يتحول بسرعة إلى ضغط نقدي واجتماعي ونفسي يمتد أثره إلى السوق والمواطن والمستثمر في آنٍ واحد.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية لا تتطلب حلولاً مؤقتة أو معالجات آنية فحسب، بل تحتاج إلى رؤية إصلاحية متوازنة تجمع بين حماية الاستقرار النقدي من جهة، والبدء بخطوات اقتصادية حقيقية تُقلّل من هشاشة الاقتصاد العراقي على المدى المتوسط والطويل من جهة أخرى. فالأزمات الكبرى، رغم قسوتها، قد تتحول أحياناً إلى لحظة مراجعة تاريخية تعيد ترتيب الأولويات، وتدفع نحو بناء نموذج اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة.
وعليه، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة واقعية للتحديات النقدية والمالية الراهنة، مع طرح مجموعة من الإجراءات الإصلاحية العاجلة والقابلة للتطبيق، بهدف مساعدة الحكومة الجديدة على عبور المرحلة الحالية بأقل الخسائر الممكنة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.




