د. علي عبد الرحيم العَبوّدي – جامعة النهرين/باحث في الشأن السياسي والاقتصادي
دأبت المدارس الاقتصادية، على مرِّ العصور، على تحديد دور الدولة في الحياة الاقتصادية. وإذا اختلفت المدارس الاقتصادية فيما بينها في طبيعة الدور الاقتصادي الذي تؤديه الحكومة، فإنها اشتركت في نقطة محورية، ألا وهي كيفية البحث عن مصادر تمويلية للدولة، مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة. ومن بين أهم تلك المصادر المالية: الأراضي ذات الصبغة العامة المملوكة للحكومة، إذ تُعد هذه الأراضي مهمة، ليس بوصفها مورداً مالياً للدولة فحسب، بل بوصفها أداة يمكن توظيفها في تحقيق التنمية المستدامة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
والحقيقة أن الحكومات العراقية لما بعد عام 2003 ورثت أراضي ذات صبغة عامة، تعود ملكيتها إلى الدولة حصراً؛ إذ بسبب السياسات الاقتصادية الاشتراكية التي تبناها النظام السياسي المنحل، اتسعت وتنوعت الأراضي العائدة للدولة، من أراضٍ زراعية، وصناعية، وخدمية، وأوقاف، حتى أصبح من الصعب الإلمام بها بشكل دقيق ووافٍ.
إن اتساع الأراضي المملوكة للدولة العراقية، من دون ضابط اقتصادي، جعل منها مورداً معطلاً وعرضةً للاستحواذ والسرقة، إذ لم تتمكن الحكومات العراقية لما بعد عام 2003 من استغلال هذا المورد الاستراتيجي وتوظيفه بصورة جيدة، ولا سيما بعد التحول الاقتصادي الذي طرأ على الدولة، ومسعى الحكومة العراقية إلى مغادرة السياسات الاشتراكية وتبني سياسات السوق.
واستناداً إلى ذلك، عانت الحكومات العراقية المتعاقبة لما بعد عام 2003 من إشكالية كبيرة في التعامل مع هذه التركة الموروثة من الأراضي. فمن جانب، لم تتمكن هذه الحكومات من إدارة هذا الإرث بكفاءة، ومن جانب آخر، لم تتمكن من مغادرة السياسات الاشتراكية بصورة فعلية والانتقال إلى سياسات السوق، كما نص عليه الدستور العراقي لعام 2005، مما جعل سياساتها متخبطة في استغلال الأراضي المملوكة لها، وعدم استغلالها بالصورة التي تجعل من هذه الأراضي مورداً مالياً إضافياً وأداةً للتخطيط من أجل التنمية الوطنية. وتبعاً لذلك، جاءت هذه الورقة محاولةً لرسم استراتيجية خاصة بكيفية استغلال تلك الأراضي، بما يتناسب مع واقع البيئة العراقية. لكن، قبل طرح هذه الاستراتيجية، من الضروري تحديد نوع السياسات الاقتصادية المتبعة في العراق.




