د. مهند حميد الراوي / دكتوراه في العلوم السياسية/ الاستراتيجية
وقّع الرئيس دونالد ترامب استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية لعام 2026. وتُعدّ هذه الاستراتيجية أول وثيقة رسمية لمكافحة الإرهاب في ولايته الثانية، وهي بمثابة إعادة هيكلة لكيفية تحديد الحكومة الأمريكية للتهديدات الإرهابية، وترتيب أولوياتها، وتحييدها. إذ تحدد هذه الوثيقة، الصادرة عن البيت الأبيض في مايو 2026 في عهد الرئيس دونالد جيه ترامب، تحولاً استراتيجياً في الأمن القومي الأمريكي يرتكز على مبدأي «أمريكا أولاً» و«السلام من خلال القوة». وتُعدّ هذه الوثيقة عقيدةً استراتيجيةً وأيديولوجيةً لمكافحة الإرهاب، تعكس نهج «أمريكا أولاً» الذي تنتهجه إدارة ترامب، وهي تجمع بين: «عقيدة الأمن القومي، والأيديولوجية السياسية، والاستراتيجية العسكرية، والتوجه الاستخباراتي، وإنفاذ القانون، وإدراك التهديدات الجيوسياسية». كما تتمحور الاستراتيجية حول السلطة الرئاسية، والسيادة، وأمن الحدود، والعمليات العسكرية الهجومية، ومواجهة الأعداء الأيديولوجيين للدولة.
إذ يمثل مفهوما «أمريكا أولاً» و«السلام من خلال القوة» نموذجاً متميزاً في السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي. وانطلاقاً من جذور عميقة في المدرسة الواقعية للعلاقات الدولية، يعطي هذا النهج الأولوية للسيادة الوطنية، واتخاذ القرارات الأحادية أو القائمة على المصالح المتبادلة، والتفوق العسكري الساحق بوصفه وسيلةً أساسيةً لردع الخصوم وحماية المصالح الوطنية. وقد اكتسب مصطلح «أمريكا أولاً» شهرةً واسعةً قبل الحرب العالمية الثانية، ممثلاً موقفاً انعزالياً يهدف إلى إبقاء الولايات المتحدة بعيدةً عن الصراعات الأوروبية. وفي السياسة المعاصرة، أُعيد تعريفه بوصفه نهجاً قومياً في السياسة الخارجية، يدعو إلى إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية الأمريكية وسيادتها على الاتفاقيات متعددة الأطراف، وهياكل الحوكمة العالمية، أو مشاريع بناء الدول في الخارج.
أما مفهوم «السلام من خلال القوة»، فهو مفهوم جيوسياسي قديم يعود إلى المثل الروماني: «إذا أردت السلام، فاستعد للحرب». وفي تاريخ الولايات المتحدة، يرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بنهج إدارة ريغان في الحرب الباردة. وتنص هذه العقيدة على أن أفضل طريقة لتجنب الحرب بالنسبة للدولة هي الحفاظ على قوة عسكرية هائلة، بحيث لا يُخاطر أي خصم بشن ضربة استباقية. وعندما يتم دمج هذين المفهومين في استراتيجية موحدة للأمن القومي، فإنهما يخلقان موقفاً يعتمد بشكل كبير على الردع العسكري والنفوذ الاقتصادي، مع التعبير عن الشكوك تجاه التحالفات التقليدية والمؤسسات الدولية.




