لا تُقاس القمم الثنائية في العلاقات الدولية بحجم البروتوكول الذي يرافقها، ولا بعدد الوثائق التي تُوقَّع على هامشها، بل بقدرتها على تعديل بنية العلاقة نفسها؛ أي على نقل الملفات من طور إدارة الخلاف إلى طور التسوية المؤسسية. ومن هذا المنظور، تكتسب الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الجمهورية التركية، يوم الثلاثاء الموافق 28 تموز/يوليو 2026، على رأس وفد رفيع المستوى ضمّ كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والاقتصاديين، أهميةً تتجاوز دلالتها الاحتفالية.
تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي مدى نجحت زيارة أنقرة في تحويل الإرادة السياسية المشتركة إلى ترتيبات تعاقدية قابلة للقياس في الملفات العالقة الكبرى، والمتمثلة في المياه، وطريق التنمية والطاقة، وحزب العمال الكردستاني والوجود العسكري التركي، والتركمان؟ وتفترض الورقة أن الزيارة أفضت إلى اختراق حقيقي في الملف الاقتصادي–الطاقي، وتقدّم إجرائي محدود في ملف المياه، وتحوّل في الخطاب أكثر منه في الوضع القانوني في ملف السيادة والوجود العسكري، وارتقاء رمزي محسوب في ملف التركمان.
وعليه، تبدو حصيلة الزيارة غير متوازنة بنيوياً؛ إذ إن الملفات التي شهدت حسماً نسبياً هي تلك التي يتقاسم فيها الطرفان مصالح مشتركة وصافية، في حين أُحيلت الملفات التي تنطوي على لعبة صفرية نسبية إلى آليات مؤسسية مؤجَّلة، بما يؤكد أن أنقرة وبغداد نجحتا في توسيع مساحة التعاون، من دون أن تتمكنا بعد من تسوية جميع مصادر الخلاف البنيوية بينهما.




