د. زياد الزيدي/ باحث ومستشار في الإدارة الاستراتيجية والتحول المؤسسي – المملكة المتحدة
منذ عام 2003، لم يعانِ العراق نقصاً في المبادرات السياسية. ظهرت مؤتمرات وتحالفات وجبهات ومشروعات إصلاح ونداءات لإعادة بناء التمثيل أو تعديل العلاقة بين الدولة ومكوناتها. وبعض هذه المبادرات كان جدياً، وبعضها مثّل استجابة حقيقية لأزمات عميقة. لكن النمط الأكثر لفتاً للانتباه ليس كثرة المبادرات، بل قِصر دورة حياتها.
تبدأ المبادرة عادة بسقف عالٍ: دولة، شراكة، إصلاح، حقوق، مستقبل. ثم تقترب الانتخابات، فتتحول الأولويات تدريجياً نحو التحالفات. وعندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، يتراجع المشروع أكثر أمام سؤال المواقع والحصص. وحين تولد الحكومة، تكون الفكرة التي سبقتها قد فقدت جزءاً كبيراً من طاقتها.
المسألة هنا ليست أخلاقية، ولا يصح اختزالها في اتهام السياسيين بسوء النيات. المشكلة أعمق، فالنظام السياسي ذاته يمتلك قدرة كبيرة على امتصاص المبادرات وإعادتها إلى منطقه الداخلي.
الأدبيات الجادة عن عراق ما بعد 2003 وصلت من مسارات مختلفة إلى نتيجة قريبة. فيصف المختصون أن منظومة تقاسم السلطة لم تبقَ مجرد ترتيب لتمثيل المكونات، بل امتدت إلى الدولة وإدارتها، بحيث أصبحت الأحزاب وشبكاتها قادرة على التأثير في مؤسساتها ومواردها. وفي قراءات أخرى، لم تعد السلطة العراقية مفهومة فقط من خلال الفصل التقليدي بين (الدولة) و(ما هو خارج الدولة)، لأن القوة الفعلية تتحرك أيضاً داخل شبكات حزبية واقتصادية واجتماعية متشابكة مع المؤسسات الرسمية نفسها.




