back to top
المزيد

    العمارة والدولة المركزية: نحو سياسة عراقية للهوية العمرانية

    علي عبد الهادي المعموري / باحث

    لا تتشكل الهوية الوطنية من سردية التاريخ المشترك أو اللغة أو الرموز السياسية والثقافية وحدها، بل تتكون كذلك من جملة واسعة من التفاصيل المادية التي تحيط بالفرد وتمنحه شعوراً بالألفة والانتماء إلى مكان محدد ومجتمع بعينه، فالمدن وشوارعها وساحاتها ومبانيها العامة ومساكنها ليست مجرد حيز مادي تجري داخله الحياة الاجتماعية، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية ووسيلة من وسائل التعبير عن هوية المجتمع والدولة، وعن الطريقة التي ينظر بها مجتمع ما إلى نفسه، ويرغب في أن يراه الآخرون من خلالها.

    ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، أخذت العلاقة بين الدولة والعمارة بُعداً مختلفاً، فبغداد لم تعد مركزاً سياسياً وإدارياً فحسب، وإنما أصبحت مركزاً لتجمع مؤسسات الدولة والثروة والنخب السياسية والثقافية والمهنية، والنافذة الرئيسة التي تدخل عبرها اتجاهات التحديث إلى البلاد، ومن هذا الموقع أخذت العاصمة تنتج أنماطاً في البناء والحياة الحضرية تنتقل بدرجات متفاوتة إلى بقية المدن العراقية، ويمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، في تحولات العمارة السكنية خلال القرن العشرين؛ من منازل النخب المبنية بالطابوق البغدادي والخشب والجسور الحديدية، إلى انتشار الخرسانة المسلحة والواجهات المكسوّة والشرفات والعناصر الحديدية مع اتساع الطبقة الوسطى وزيادة موارد الدولة وتوسع جهازها البيروقراطي، ثم انتقال كثير من هذه الأنماط من بغداد إلى مدن عراقية أخرى.

    ولا يعني هذا أن الدولة كانت تصمم بصورة مباشرة كل هذه التحولات، أو أن المحافظات كانت تتلقى النموذج البغدادي بصورة سلبية، فالعمارة نتاج عوامل أكثر تعقيداً من القرار السياسي المباشر، تتداخل فيها السوق والتكنولوجيا والمواد المتاحة والمناخ والذوق الاجتماعي وحركة المهندسين والمقاولين وأنماط توزيع الأراضي والثروة، إلا أن الدولة المركزية كانت توفر الإطار الذي تتحرك داخله هذه العوامل، وكان تمركز الموارد والمؤسسات والنخب في العاصمة يمنح بغداد قدرة كبيرة على إنتاج النموذج ونشره، بهذه الكيفية يمكن قراءة العمارة، إلى جانب دلالاتها الفنية والاجتماعية، بوصفها أحد المؤشرات المادية على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف.

    ومن هذا المدخل، تتصل الهوية العمرانية بمقتربات الأمن الوطني، إذا جرى فهم الأمن بمفهوم يتجاوز حماية الحدود ومواجهة التهديدات العسكرية إلى المحافظة على تماسك المجتمع وقدرته على إعادة إنتاج هويته وشعوره بالانتماء إلى المجال السياسي المشترك، ولا يعني ذلك تحميل العمارة وظيفة أمنية مباشرة أو افتراض أن التصميم الحضري قادر بذاته على معالجة مشكلات الهوية والانقسام الاجتماعي، وإنما النظر إليه بوصفه واحداً من جملة عناصر تراكمية تسهم في بناء الذاكرة الجمعية وتعزيز الانتماء المكاني وحضور الدولة الرمزي، وهي جميعاً عناصر تدخل بدرجات متفاوتة في تكوين التماسك المجتمعي الذي يمثل أحد المرتكزات الداخلية للأمن الوطني.

    على هذا الأساس، تبحث هذه الورقة العلاقة بين العمارة والدولة المركزية في العراق، وتحولات قدرة الدولة والعاصمة على إنتاج النموذج العمراني خلال مراحل مختلفة من تاريخ الدولة الحديثة، وصولاً إلى حالة التشظي المعماري الراهنة. كما تحاول الإجابة عن سؤال أكثر ارتباطاً بالمستقبل، مفاده: كيف يمكن بناء سياسة عراقية للهوية العمرانية لا تقوم على استنساخ الماضي، ولا على فرض طراز معماري موحد على مدن مختلفة، وإنما تستخلص من التاريخ والبيئة والذاكرة والتنوع المحلي عناصر قادرة على إنتاج عمارة عراقية معاصرة يمكن التعرف إليها، وتحويل المجال العمراني إلى أحد المكمّلات المادية للهوية الوطنية وأدوات السياسة الرمزية المعززة للتماسك الاجتماعي والأمن الوطني؟

     

    لقراءة المزيد اضغط هنا