back to top
المزيد

    العراق بين عجز موازنة 2027 والاقتراض من صندوق النقد الدولي: قراءة في الخيارات المالية والنقدية ومخاطر الاستقرار الاقتصادي

    د. قصي الجابري / أستاذ الاقتصاد – كلية الإدارة والاقتصاد، الجامعة المستنصرية

    • تكشف المؤشرات المالية في موازنة 2027 عن مفارقة مهمة، ألا وهي أن الحكومة تخطط لإنفاق ضخم يُفترض توافر إيرادات نفطية مرتفعة نسبياً لتمويله، في حين تواجه مخاطر جدية تتعلق بحجم الصادرات الفعلي، وتكاليف نقل النفط وتسويقه، وتقلبات أسعاره العالمية، كما أن البيانات المالية المخططة لا تلبي جميع متطلبات الموازنة العامة للدولة.
    • يقدّر صندوق النقد الدولي أن تثبيت الدين العام يتطلب تصحيحاً مالياً إضافياً يتراوح بين 1 و1.5% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي سنوياً خلال المدة 2026–2030، وسيكون من الضروري إجراء المزيد من التخفيضات في العجز للقضاء على التمويل، وإعادة بناء الاحتياطيات المالية للحماية من المخاطر السلبية الكبيرة، كما ينبغي حماية الإنفاق الاجتماعي في أي تعديل مالي.
    • إن التمييز بين الصدمة المؤقتة والاختلال الهيكلي في موازنة 2027 ضروري لتحديد العلاج المناسب؛ فإذا كانت المشكلة مؤقتة، فقد يكون التمويل الجسري أداة معقولة لتجاوزها، أما إذا كان العجز يعكس اختلالاً دائماً بين الالتزامات المالية والموارد المتاحة، فإن الاقتراض وحده لن يعالج المشكلة، بل قد يؤجلها ويزيد تكلفتها في السنوات القادمة.
    • إن تمويلات صندوق النقد الدولي لا تعمل بوصفه جهة مانحة تقدم تمويلاً مجانياً لسد العجز، بل وفقاً لترتيبات تتحدد بحسب طبيعة المشكلة التي تواجه الدولة، وحجم حاجتها التمويلية، وقدرتها على السداد، والسياسات التي تتعهد بتنفيذها.
    • يجب تقييم نجاح الاقتراض من صندوق النقد الدولي على أساس ما يحققه من استقرار وما يصاحبه من إصلاحات، لا على أساس قدرته على تمويل الإنفاق في سنة واحدة.
    • تعظيم الأثر الاقتصادي للاقتراض يتطلب ربطه بإطار متوسط الأجل لضبط المالية العامة، وإدارة السيولة بكفاءة، وحماية الاحتياطيات الأجنبية، وتوسيع التمويل الموجّه للقطاع الخاص، بما يجعل التمويل الخارجي أداة لامتصاص الصدمات وتهيئة الإصلاح، لا بديلاً عن معالجة الاختلالات الهيكلية.
    • إن المعيار الحقيقي لنجاح الاقتراض ليس حجم الأموال التي تدخل الخزينة، بل مقدار التحسن الذي تحققه في الاستقرار المالي والنقدي.
    • يتطلب الانضباط المالي ضرورة وضع خطة لتقليل أعداد الوظائف في الجهاز الحكومي، وإعداد الموازنات ضمن سقف مالي متوسط الأجل تحدده قدرة الحكومة على التمويل، ثم يجري توزيع الموارد المتاحة داخله وفق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، مع الالتزام بالمعايير الحاكمة للانضباط المالي.
    • يجب أن يتضمن أي اتفاق تمويلي تقييماً واضحاً لاستدامة الدين العام، واختبارات تأخذ في الحسبان تراجع أسعار النفط، وانخفاض كميات التصدير، وارتفاع الإنفاق الجاري، واحتمال الحاجة إلى تمويل إضافي في السنوات اللاحقة.
    • إن التصحيح المالي السريع، إذا لم يراعِ الأوضاع الاجتماعية، قد يضعف الاستهلاك ويزيد الضغوط على سوق العمل، بينما يؤدي تأجيل الإصلاح في المرحلة الحالية إلى تراكم الدين والمخاطر.
    • استقرار سعر الصرف يتطلب وجود موارد مالية أجنبية كافية، وسياسة مالية متسقة، وشفافية في تخصيص العملة، وثقة لدى المتعاملين بأن القواعد المعتمدة لن تتغير بصورة متكررة وغير متوقعة.
    • يجب ألا يقتصر الإصلاح على خفض العجز، بل يمتد إلى تهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بزيادة الإنتاج والاستثمار والتوظيف، وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
    • الاقتراض من صندوق النقد الدولي ليس ضمانة تلقائية للنجاح، والحكم عليه يعتمد على مدى ملاءمة البرنامج للظروف العراقية، وعدالة توزيع أعباء الإصلاح، وواقعية أهدافه، وقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذه.
    • يجب ألا تقتصر إدارة الموازنة على تغطية الالتزامات السنوية، بل يجب أن تستند إلى توقعات واقعية لأسعار النفط، وكميات التصدير، وتحليل لمخاطر الإيرادات، وتقدير واضح لالتزامات الرواتب، والتقاعد، والدعم، والدين.
    • يجب تقييم النفقات وكل بند وفق أثره في النمو والتشغيل والخدمات العامة، ويمكن إعطاء الأولوية للمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي المرتفع، خصوصاً البنية التحتية للنقل والكهرباء والمياه، والمشروعات التي تخفض كلفة الإنتاج وتدعم القطاع الخاص.
    • تطوير الإدارة الضريبية والكمركية، وتوسيع قاعدة الامتثال، والحد من التهرب والتسرب، وتحسين نظم الدفع والتحصيل الإلكتروني.
    • يجب مراقبة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار بصورة دورية، وتعزيز المنافسة في أسواق السلع الأساسية، وتوجيه الحماية الاجتماعية إلى الفئات الأكثر تعرضاً للضرر.
    • تحديد الغرض من التمويل، وتكلفته الكلية، وآجال السداد، ومخاطر العملة، والأثر المتوقع في الاحتياطيات والمالية العامة. وينبغي نشر المعلومات الأساسية المتعلقة بالاتفاق بعد إقراره، وإخضاع استخدام الأموال لآليات رقابية واضحة، حتى لا يتحول التمويل الخارجي إلى مورد إضافي للإنفاق غير المنتج.
    • لا يمكن تحقيق الاستدامة المالية من خلال إجراءات الموازنة وحدها، فزيادة مساهمة الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات الحديثة، وتحسين إنتاجية العمل، وتوسيع التمويل المصرفي للمشروعات، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تمثل عناصر أساسية لزيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل هشاشة الاقتصاد.

    لقراءة المزيد اضغط هنا