فرضت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، ولا سيما في أعقاب حرب غزة، والحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتصاعد التهديدات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، تحديات غير مسبوقة أمام السياسة الخارجية العراقية. فبعد أن ظل العراق، على امتداد العقدين الماضيين، يُنظر إليه بوصفه ساحةً لتنافس القوى الإقليمية والدولية، يسعى اليوم إلى إعادة تموضعه بوصفه فاعلاً مؤثراً في معادلات الإقليم، والانتقال من موقع موضوعٍ للتنافس إلى موقع فاعلٍ مشارك في صناعة التوازنات الإقليمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى طهران باعتبارها مجرد زيارة ثنائية بين دولتين جارتين، بل تمثل محطةً ضمن استراتيجية أشمل تنتهجها الحكومة العراقية لإعادة تعريف موقع العراق في النظام الإقليمي الذي يشهد مرحلة انتقالية تتسم بتزايد السيولة الاستراتيجية وتغير أنماط التفاعلات بين القوى الفاعلة.
وتتضح أهمية هذه الزيارة بصورة أكبر إذا ما قورنت بزيارة الزيدي إلى واشنطن، وما أُعلن عنه من زيارات مرتقبة إلى أنقرة والرياض ودمشق. ويعكس هذا التسلسل الدبلوماسي توجهاً واضحاً لدى الحكومة العراقية يقوم على مقاربة «العراق أولاً»، التي تستهدف إدارة العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية بصورة متوازنة ومتزامنة، بعيداً عن منطق الاصطفاف ضمن أي محور جيوسياسي. وينطلق هذا النهج من السعي إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي للعراق، وخفض كلفة التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية على مصالحه، وتحويله إلى نقطة التقاء للمصالح المتعارضة، بما يعزز مكانته بوصفه جسراً للحوار والتعاون الإقليمي. ويتقاطع هذا التوجه مع العديد من التحليلات التي ترى أن السياسة الخارجية للحكومة العراقية الجديدة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين إيران والولايات المتحدة وتركيا والدول العربية، بما يحفظ هامش الحركة الدبلوماسية لبغداد ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي الإطار ذاته، لم تعد العلاقات الإيرانية–العراقية تستند إلى الروابط التاريخية والدينية والجغرافية المشتركة فحسب، بل أصبحت تشمل منظومة متشابكة من المصالح الأمنية والاقتصادية والطاقة والنقل والجوانب الجيوسياسية. ويعكس تنفيذ الاتفاقية الأمنية بين البلدين، وتعزيز التعاون في ضبط الحدود، وتوسيع التبادل التجاري، وربط شبكات النقل والطاقة، فضلاً عن التنسيق المستمر إزاء التطورات الإقليمية، انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الجيواقتصادية مع متطلبات الأمن الإقليمي بصورة غير مسبوقة. وفي المقابل، تحرص بغداد على المضي في تطوير هذه الشراكة الاستراتيجية مع طهران بالتوازي مع توسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة والدول العربية، وهو ما يجعل المحافظة على هذا التوازن في ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي إحدى أكثر المهام تعقيداً في السياسة الخارجية العراقية.
وانطلاقاً من ذلك، يفترض هذا البحث أن زيارة علي الزيدي إلى طهران لا ينبغي تفسيرها في إطار العلاقات الثنائية بين إيران والعراق فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من استراتيجية عراقية أوسع تقوم على «التوازن النشط» في بيئة إقليمية تتداخل فيها المنافسة الجيوسياسية، وأمن الطاقة، ومشروعات الممرات التجارية والترانزيت، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي. ومن هذا المنظور، فإن نجاح هذه الاستراتيجية أو إخفاقها لن ينعكس على مستقبل العلاقات بين طهران وبغداد فحسب، بل سيمتد أثره إلى موقع العراق في البنية الأمنية والجيواقتصادية للشرق الأوسط، وإلى قدرته على ترسيخ دوره بوصفه دولةً وسيطةً ومحوريةً في التوازنات الإقليمية الجديدة.




