محمد النامس
إذا أردت التخطيط لشيء ما في لعبة الشطرنج, وهي لعبة قديمة يقال إنها جاءت من شمال الهند فأنت لا تنظر فقط إلى القطعة التي أمامك, وإنما تفكر بما تريد الوصول إليه في نهاية اللعبة قد تقدم قطعة تلو الأخرى من أجل الوصول إلى مكسب أكبر, وقد تكون التضحيات التي تقدمها بسيطة في البداية لكنها في النهاية تساعدك على تحقيق هدف أكبر, أحيانًا تكون المغانم سريعة وأحيانًا تحتاج إلى وقت طويل لكن تأثيرها في اللعبة يكون أكبر, وهذا يشبه إلى حد كبير ما تقوم عليه العلاقات الدولية بشكلها الحالي, فالدول لا تتحرك دائمًا من أجل مكسب مباشر وقد تكون بعض التحركات الصغيرة جزءًا من خطة أكبر لا تظهر نتائجها إلا بعد سنوات, ولو رجعنا إلى بدايات القرن الماضي سنجد أن خسارة الدولة العثمانية لنفوذها لم تكن مجرد نهاية لمرحلة سياسية, وإنما كان لها أثر كبير على شكل المنطقة التي نعيش فيها اليوم, تغير مراكز النفوذ يمكن أن يترك أثرًا لمئات السنين وقد لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقًا والسابع من أكتوبر مثال آخر على ذلك, فما حدث في ذلك اليوم غيّر الكثير من الحسابات في المنطقة, ومن الصعب الاعتقاد أن الشرق الأوسط سيعود إلى ما كان عليه في السادس من أكتوبر وما قبله, قد لا نعرف الآن كل نتائج ما حدث لكن الواضح أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة هذه هي صيرورة الحياة السياسية تراكمات صغيرة وأحداث كبيرة تصنع في النهاية عالمًا جديدًا.
وبالعودة إلى الصراع بين إيران وإسرائيل, قد ينظر البعض إليه على أنه صراع ديني أو أيديولوجي, لكن هذا التفسير وحده لا يكفي هناك الدين والأيديولوجيا, لكن هناك أيضًا السياسة والأمن والنفوذ والمصالح الإقليمية والدولية, ودخول الولايات المتحدة على خط الصراع يجعل الموضوع أكبر من مجرد صراع بين إيران وإسرائيل, هنا أريد أن أطرح قراءة مختلفة قليلًا , يعتقد البعض أن أمريكا لا تستطيع فتح مضيق هرمز وأن إيران من خلال المضيق تستطيع الضغط على الولايات المتحدة وإجبارها على التراجع, وقد يكون هذا صحيحًا من ناحية معينة لكنني أعتقد أن النظر إلى الموضوع بهذه الطريقة فقط يجعلنا نغفل عن الصورة الأكبر, أمريكا ما زالت القوة العسكرية الأكبر في العالم ولذلك فإن السؤال بالنسبة لي ليس فقط هل تستطيع أمريكا فتح مضيق هرمز أم لا, السؤال هو لماذا قد تكون واشنطن مستعدة لتحمل كل هذا الضغط في الشرق الأوسط وماذا لو لم تكن إيران هي الهدف النهائي أصلًا ؟ ربما تكون إيران مجرد قطعة في رقعة شطرنج أكبر وهنا يمكن أن نطرح فرضية أكثر عمقًا، وهي أن ترامب لا ينظر إلى ملف إيران بمعزل عن الصين وتايوان والحرب الاقتصادية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين الصين اليوم هي التحدي الأكبر للولايات المتحدة على المدى الطويل وتايوان هي واحدة من أخطر نقاط الصراع بين البلدين وإذا حدثت مواجهة عسكرية حول تايوان فلن تكون مشكلة صينية أمريكية فقط، بل ستؤثر في الاقتصاد العالمي والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
لذلك فإن الوقت بالنسبة إلى ترامب قد يكون مهمًا جدًا, قد لا يكون هدفه من الضغط على الصين تحقيق انتصار نهائي عليها وإنما تأجيل أي مواجهة كبيرة معها إلى أبعد وقت ممكن, وإذا كانت هناك مخاوف أمريكية حقيقية من احتمال تحرك صيني ضد تايوان خلال السنوات المقبلة فإن كسب عام أو عامين إضافيين قد يكون بحد ذاته مكسبًا استراتيجيًا, ومن هنا أرى أن مضيق هرمز يدخل في هذه المعادلة, الصين من أكبر مستوردي الطاقة في العالم وأي اضطراب كبير في حركة النفط عبر الخليج سيؤثر عليها حتى لو كانت تمتلك مخزونات استراتيجية ومصادر أخرى للطاقة ارتفاع أسعار النفط والتأمين والشحن سيزيد تكلفة الاقتصاد الصيني وهذا لا يعني أن الصين ستتراجع عن تايوان بشكل مباشر لكنه قد يجعل أي قرار عسكري أكثر تكلفة بالنسبة إليها, وهنا لا أتحدث عن أن أمريكا تريد إسقاط الاقتصاد الصيني من خلال إيران فهذا سيكون تبسيطًا كبيرًا للموضوع , ربما الهدف أبسط من ذلك رفع تكلفة أي مغامرة عسكرية صينية إلى درجة تجعل القيادة الصينية تفكر أكثر من مرة قبل اتخاذ قرار بشأن تايوان ,لأن الحرب على تايوان لن تكون حربًا عادية, تايوان جزء أساسي من صناعة الرقائق الإلكترونية وأي اضطراب فيها سيؤثر في شركات التكنولوجيا والاقتصاد العالمي كله , ولهذا فإن الولايات المتحدة لديها مصلحة كبيرة في تقليل اعتمادها على تايوان في هذا المجال وزيادة قدرتها على إنتاج الرقائق داخل الولايات المتحدة أو في دول حليفة وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبح موضوع صناعة الرقائق جزءًا أساسيًا من المنافسة بين أمريكا والصين.
لكن هناك مشكلة أخرى إذا أُغلق مضيق هرمز أو حدث فيه اضطراب كبير فلن تتضرر الصين وحدها أمريكا نفسها ستواجه ارتفاعًا في أسعار الطاقة والتضخم وهذا يمكن أن يتحول إلى مشكلة سياسية داخلية لترامب لذلك فإن إغلاق المضيق ليس ورقة يمكن استخدامها من دون تكلفة وهنا أعتقد أن طريقة ترامب في التعامل مع الأزمات مهمة ترامب لا يبدو دائمًا مهتمًا بتحقيق انتصار كامل وسريع أحيانًا يبدو أنه يريد الضغط ورفع التكلفة ثم التفاوض والأهم بالنسبة إليه هو أن يخرج من الأزمة وهو يملك ورقة أقوى من الطرف الآخر, لذلك قد لا يكون الهدف من التعامل مع إيران في هذه المرحلة الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي كل شيء قد يكون الهدف هو كسب الوقت ,
وقت لإدارة الأزمة في الشرق الأوسط ووقت لإعادة ترتيب الاقتصاد الأمريكي ووقت لتقليل الاعتماد على تايوان في صناعة الرقائق ووقت لمواصلة الضغط على الصين, لكن هنا توجد نقطة مهمة جدًا إيران ليست قطعة شطرنج تتحرك بأمر من أمريكا والصين أيضًا ليست دولة ستنتظر حتى تنتهي أمريكا من مشاكل الشرق الأوسط لكي تقرر ماذا ستفعل لكل دولة حساباتها وقد يكون لأي خطوة أمريكية رد فعل غير متوقع وهذا يجعل اللعبة خطيرة إذا كانت واشنطن تحاول بالفعل استخدام الضغط على إيران ومضيق هرمز لكسب الوقت أمام الصين, فإن المشكلة هي أن الأزمة قد تخرج عن السيطرة ارتفاع أسعار النفط قد يضر أمريكا نفسها والحرب التي تبدأ بهدف تأجيل مواجهة أكبر قد تؤدي في النهاية إلى تقريبها.
ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس هل ستنتصر أمريكا على إيران؟، ولا هل ستتمكن إيران من إغلاق مضيق هرمز؟ السؤال الأهم هو هل سيستطيع ترامب كسب الوقت من خلال أزمة إيران ومضيق هرمز بما يكفي لتأجيل أي مواجهة صينية محتملة حول تايوان إلى ما بعد انتهاء فترته ربما إيران ليست الهدف النهائي وربما ما نراه اليوم في الشرق الأوسط ليس سوى جزء من لعبة أكبر بكثير وفي هذه اللعبة قد تكون قيمة بعض القطع ليست في قوتها وإنما في الوقت الذي تستطيع واشنطن أن تشتريه من خلالها.




