back to top
المزيد

    العراق بين الريع والسيادة: اقتصاد هش في إقليم مضطرب

    لم تعد الأزمة العراقية قابلة للتفسير بوصفها أزمة مالية عابرة أو تعثراً سياسياً ظرفياً. فالعراق يقف اليوم عند تقاطع حاد بين اقتصاد ريعي شديد الاعتماد على النفط، ودولة مثقلة بتضخم مؤسساتها وضعف قدرتها الإنتاجية، وبيئة إقليمية ودولية تستثمر في هشاشته وتعيد تدويرها. ومن ثمّ، فإن السؤال المركزي لم يعد: لماذا تتكرر الأزمات في العراق؟ بل: كيف تحوّلت موارد البلاد الهائلة إلى مصدر للهشاشة بدلاً من أن تكون قاعدة للسيادة والتنمية؟

    تجادل هذه الدراسة بأن جوهر المأزق العراقي يكمن في تداخل مستويين متلازمين: مستوى داخلي يتمثل في بنية اقتصادية أحادية أنتجت دولة موزعة للريع أكثر من كونها دولة منتجة للقيمة، ومستوى خارجي يجعل العراق ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والطاقة والأسواق والعملات. وفي هذا التداخل، تتغذى الأزمة المالية على الضعف المؤسسي، كما يتغذى الضعف المؤسسي على اقتصاد سياسي قائم على توزيع المنافع.

    لقد أدى الاعتماد شبه المطلق على عائدات النفط إلى تعطيل قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، وتوسيع القطاع العام بوصفه أداة للتهدئة الاجتماعية، لا محركاً للإنتاج. ومع كل صدمة في أسعار الطاقة أو في النظام المالي الدولي، يظهر عمق الانكشاف العراقي: رواتب مهددة، وعملة مضغوطة، وسوق مستوردة، ومجتمع شاب يطلب عملاً وكرامة في اقتصاد لا يملك ما يكفي من فرص حقيقية خارج الدولة.

    ولا يقل البعد الخارجي خطورةً عن الداخلي. فاعتماد العراق على واردات الطاقة والسلع، وتعرّض نظامه المصرفي لضغوط الامتثال والعقوبات، وتحوّل ملف المياه إلى ورقة تفاوض إقليمية، كلها عناصر تجعل السيادة الاقتصادية مشروطة بعوامل تتجاوز قدرة الدولة على التحكم المباشر. ولهذا، فإن الأزمة العراقية ليست أزمة نقص في الموارد، بل أزمة تحويل الموارد إلى قدرة مؤسسية، وسيادة مالية، وتنمية مستقلة.

    تنطلق الدراسة من مقاربة بنيوية تطبيقية تقرأ الاقتصاد الريعي لا بوصفه مفهوماً نظرياً مجرداً، بل بوصفه آلية يومية تعيد تشكيل الدولة والمجتمع والقانون والثقافة والعلاقات الخارجية. لذلك، تتتبع الدراسة أثر الريع في المالية العامة، والطبقة الوسطى، والشباب، والتحضر، والمياه، والتحول الرقمي، والتشريع، ثم تربط هذه المسارات بمحاور النفوذ الإقليمي والدولي. والهدف ليس وصف الأزمة فحسب، بل صياغة مدخل عملي لفهم شروط الخروج منها: تنويع الاقتصاد، وإصلاح الدولة، وحماية السيادة النقدية، وتأسيس عقد اجتماعي يقوم على الإنتاج والمساءلة، لا على توزيع الريع.

    لقراءة المزيد اضغط هنا 

    د. صابرين ستار جبار
    د. صابرين ستار جبار
    دكتوراه في العلوم السياسية/ فلسفة الفكر السياسي جامعة بغداد باحثة في الشأن السياسي العراقي واللبناني ومهتمة في قضايا الفكر السياسي المعاصر