back to top
المزيد

    واحة البيان

    خارج أروقة التعيين: كيف تصنع المشاريع الشبابية مستقبل العراق؟

    علياء حسين صالح

    يقف الاقتصاد العراقي اليوم أمام حاجة واضحة إلى تنويع مصادر الدخل وتوسيع دور القطاع الخاص، في وقت يواجه فيه الشباب تحديات حقيقية في الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل. ومع استمرار اعتماد كثير من الخريجين على الوظيفة الحكومية بوصفها المسار الأكثر وضوحاً بعد التخرج، يصبح دعم المشاريع الصغيرة والشبابية أكثر من مجرد خيار اقتصادي؛ بل خطوة ضرورية لفتح مسارات جديدة أمام الشباب.

    لكن السؤال الأهم ليس: هل يحتاج الشباب إلى المال لبدء مشاريعهم؟

    بل: هل يكفي المال وحده لنجاح المشروع؟

    أولاً: العزلة الأكاديمية وصدمة الوصول إلى السوق

    يقضي الطالب سنوات الجامعة بين المحاضرات والكتب والامتحانات، ويحصل على قدر مهم من المعرفة النظرية، لكن المشكلة تظهر عندما ينتقل من البيئة الجامعية إلى السوق الحقيقي.

    فالمعرفة النظرية وحدها لا تخبر الشاب كيف يختار موقع مشروعه، أو كيف يحدد سعر منتجه، أو كيف يعرف قدرته الشرائية لجمهوره، أو كيف يواجه منافساً يقدم المنتج نفسه، أو كيف يجذب الزبون ويحافظ عليه.

    وهنا تظهر فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه عندما يبدأ مشروعه فعلياً.

    لذلك، فإن الجامعة لا ينبغي أن تكتفي بتخريج طالب قادر على اجتياز الامتحان، بل عليها أن تساعده على فهم البيئة التي سيعمل داخلها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الزيارات الميدانية للمشاريع القائمة، وورش العمل التطبيقية، وحاضنات الأعمال، والمشاريع الجامعية التي تحاكي مشكلات السوق الحقيقية.

    ثانياً: المشروع الصغير ليس مجرد رأس مال

    لنتخيل شابة قررت إنشاء مشروع منزلي لصناعة الحلويات.

    قد تمتلك الرغبة والموهبة، وربما تستطيع توفير مبلغ بسيط للبدء، لكن ذلك لا يعني أن المشروع سيحقق النجاح تلقائياً.

    عليها أولاً أن تعرف: من هم زبائنها؟ ما قدرتهم الشرائية؟ كم يبلغ سعر المنتجات المنافسة؟ ما الذي يمكن أن تقدمه بشكل مختلف؟ وهل المنطقة التي تستهدفها بحاجة فعلاً إلى هذا النوع من المنتجات؟

    ثم تأتي أسئلة أخرى تتعلق بالتسويق، والتسعير، والتوصيل، وطريقة الوصول إلى الزبائن، وكيفية التعامل مع تراجع المبيعات أو ظهور منافسين جدد.

    لهذا، فإن تمويل المشاريع الشبابية مهم، لكنه لا يكفي وحده. فالشاب يحتاج إلى المعلومة والخبرة والتوجيه بقدر حاجته إلى رأس المال.

    ثالثاً: المنافسة تبدأ قبل افتتاح المشروع

    لم يعد السوق المحلي خالياً من المشاريع الصغيرة. فهناك عدد كبير من المشاريع المنزلية والمتاجر الإلكترونية والمشاريع الشبابية التي تقدم منتجات وخدمات متشابهة.

    وهنا لا يكفي أن يقول صاحب المشروع: سأبدأ لأنني أحب هذا المجال.

    الحماس مهم، لكنه يحتاج إلى دراسة.

    يجب على صاحب المشروع أن يدرس البيئة المحيطة به، ويحدد احتياجات المستهلكين، ويبحث عن الفجوات الموجودة في السوق، ثم يسأل نفسه: ما القيمة التي سأضيفها؟ ولماذا سيختارني الزبون أنا؟

    وهذه المهارات يمكن أن تقلل من القرارات العشوائية التي قد تقود المشروع إلى التعثر، خصوصاً في مراحله الأولى.

    ومن هنا تأتي أهمية وجود حاضنات ومسرّعات أعمال حقيقية لا تكتفي بمنح التمويل، وإنما ترافق صاحب المشروع خلال مراحل التخطيط والتنفيذ والتسويق.

    رابعاً: من مشروع صغير إلى أثر اقتصادي أكبر

    قد يبدو المشروع الشبابي صغيراً في بدايته، لكنه عندما يتكرر نجاح هذه المشاريع ويتوسع عددها، يمكن أن يتحول إلى جزء مهم من النشاط الاقتصادي.

    فالمشاريع الصغيرة قادرة على خلق فرص عمل، وتوفير خدمات ومنتجات محلية، وتشجيع الشباب على دخول القطاع الخاص بدلاً من انتظار فرصة تعيين قد تتأخر لسنوات.

    كما أن توسيع النشاط الإنتاجي المحلي يمكن أن يساهم في تقليل الاعتماد على بعض المنتجات المستوردة، ويدعم حركة الاقتصاد خارج القطاع النفطي.

    لذلك، فإن النظر إلى المشروع الشبابي باعتباره مجرد محاولة فردية لتحقيق دخل شخصي يقلل من أهميته الحقيقية؛ فهو يمكن أن يكون نواة لمشروع أكبر وفرصة عمل جديدة ونشاط اقتصادي مستدام.

    خامساً: الجامعة والسوق… الجسر المفقود

    ربما تكون أكبر خطوة يمكن اتخاذها هي بناء جسر حقيقي بين الجامعة وسوق العمل.

    فالطالب الذي يدرس إدارة الأعمال، على سبيل المثال، يحتاج إلى أن يرى كيف تُدار الشركات والمشاريع فعلياً، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف يتم التعامل مع الزبائن والمنافسين، وكيف تُحسب التكاليف والأسعار.

    لماذا لا تكون هناك زيارات منتظمة للمشاريع والشركات؟

    لماذا لا يعمل الطلبة على مشاريع تطبيقية مرتبطة باحتياجات السوق؟

    ولماذا لا تتوفر داخل الجامعات حاضنات تساعد أصحاب الأفكار على تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ؟

    إن تحويل جزء من التعليم الجامعي من المعرفة النظرية إلى التجربة العملية قد يمنح الطالب شيئاً لا يستطيع الكتاب وحده أن يمنحه: القدرة على فهم الواقع.

    سادساً: التكنولوجيا فرصة لا ينبغي تجاهلها

    أصبح المشروع الصغير اليوم قادراً على الوصول إلى عدد كبير من الزبائن دون الحاجة إلى امتلاك متجر كبير.

    فالتسويق الرقمي، والمتاجر الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وخدمات التوصيل، كلها أدوات يمكن أن تمنح المشروع الناشئ فرصة للوصول إلى جمهوره بتكاليف أقل من الأساليب التقليدية.

    لكن استخدام هذه الأدوات يحتاج أيضاً إلى معرفة؛ فوجود حساب على منصة اجتماعية لا يعني بالضرورة وجود تسويق ناجح.

    وهنا يجب أن تتضمن برامج دعم الشباب تدريباً عملياً على التسويق الرقمي، ودراسة الجدوى، والتسعير، وإدارة المخاطر، والتخطيط المالي، وإدارة الأزمات.

    ماذا نحتاج فعلياً؟

    إذا أردنا أن يكون دعم المشاريع الشبابية أكثر فاعلية، فنحن بحاجة إلى منظومة متكاملة، تبدأ من الجامعة ولا تنتهي عند حصول الشاب على التمويل.

    ومن أهم الخطوات التي يمكن العمل عليها:

    1.زيادة الجانب التطبيقي في التعليم الجامعي.

    2.تنظيم زيارات ميدانية للمشاريع والشركات.

    3.إنشاء وتفعيل حاضنات ومسرّعات أعمال داخل الجامعات.

    4.توفير برامج تدريب حقيقية لأصحاب الأفكار والمشاريع الناشئة.

    5.تسهيل إجراءات تسجيل المشاريع وتقليل التعقيدات الإدارية.

    6.توفير تمويل مناسب للمشاريع القابلة للتنفيذ، إلى جانب الإرشاد والمتابعة.

    7.تعليم الشباب كيفية دراسة السوق والمنافسين والزبائن قبل إطلاق المشروع.

    وأخيراً…

    إن دعم المشاريع الصغيرة والشبابية ليس مجرد محاولة لإشغال الشباب بعيداً عن انتظار التعيين، وإنما هو استثمار في الإنسان وفي مستقبل الاقتصاد العراقي.

    فالشاب لا يحتاج دائماً إلى من يعطيه المال ويتركه في منتصف الطريق؛ بل يحتاج إلى من يساعده على معرفة أين يبدأ، وكيف يخطط، ومن ينافسه، ومن هو زبونه، وكيف يحول فكرته إلى مشروع قادر على الاستمرار.

    والجامعة بدورها مطالبة بأن تكون جزءاً من هذا الطريق، لا أن تنتهي علاقتها بالطالب عند تسليمه شهادة التخرج.

    قد لا يبدأ تغيير الاقتصاد العراقي دائماً من شركة ضخمة أو استثمار بملايين الدولارات.

    أحياناً قد يبدأ من فكرة شاب، ومشروع صغير، وجامعة قررت أن تعلّم طالبها كيف يحوّل الفكرة إلى واقع.

    فإذا أردنا مستقبلاً اقتصادياً أكثر تنوعاً، فعلينا ألا نكتفي بإعداد الشباب للبحث عن وظيفة، بل أن نساعدهم أيضاً على صناعة الفرص.

    اقرأ ايضاً