د. حيدر زويّر
تمرّ هذه الأيام ذكرى رحيل الدكتور أحمد الجلبي، وهي مناسبة تُغري بإعادة فتح سؤالٍ لازم المشهد العراقي منذ عام 2003 ولم يُحسم: لماذا لم يحتلّ الجلبي مكانةً سياسيةً توازي دوره في التغيير، في حين تبوّأ المكانةَ الأرفع سياسيون لا دور لهم في ذلك التغيير، أو لهم دورٌ يسير؟
لا خلاف على أن للجلبي إسهاماً رئيساً في إقناع الإدارة الأمريكية بإسقاط النظام الصدّامي؛ وسواءٌ أكان هذا الإسهام واقعاً صلباً أم صورةً متخيَّلةً رسخت في الوعي، فإن العراقيين، وكثيرين حول العالم، نسبوا إليه هذا الدور. وهو، فوق ذلك، عربيٌّ شيعيٌّ يعتزّ بشيعيته؛ حتى وإن بدا في مظهره وفكره السياسي ليبرالياً، فقد مارس العمل السياسي في قدرٍ غير قليل بوصفه سياسياً شيعياً لا سياسياً ليبرالياً: أسّس «البيت الشيعي»، وخاض الانتخابات في إطار التحالف الشيعي. ومع ذلك اتجهت الجماهير الشيعية، اجتماعياً وسياسياً، إلى رجال الدين، ولا سيما أبناء المراجع وممثليهم، وإن كان الوصف الأدق لهؤلاء أنهم «المعبِّرون» عنهم.
ثمة مقاربات عدة للإجابة عن هذا السؤال: السياسية، والتنظيمية، والشخصية، والدولية. أما هذا المقال فيقتصر على المقاربة الأنثروبولوجية، أي التحليل الثقافي السياسي، تمييزاً له عن مقاربة «الثقافة السياسية» ذات النزعة الكمية الوظيفية السلوكية، التي تقيس الاتجاهات والميول بالاستبيانات والمؤشرات. فالأخيرة تسأل: ماذا يعتقد الناس؟ وتسأل الأنثروبولوجيا: كيف يُصنع المعنى الذي يجعل بعض الأشخاص مشروعين في أعين الجماعة وبعضهم الآخر غريباً عن دائرتها، وإن كان أعظم إنجازاً؟
الفرضية التي تبدو وجيهة
تقوم الفرضية الأولى على منطق الاستحقاق: من أحدث أعظم تحوّلٍ في التاريخ الحديث لشيعة العراق ينبغي أن يُكافأ رصيداً سياسياً يعادله. فقد استعمل الجلبي وسائل مادية تمثلت في الإقناع، والتفاوض مع القوة العظمى، وإدارة شبكات النفوذ، فأنتج منعطفاً تاريخياً استثنائياً. وكان المفترض أن يغدو منهجه في إحداث هذا التغيير بنيةً، أو لبنةً على الأقل، لوعيٍ سياسيٍّ شيعيٍّ يتعاطى مع الحدث الكبير؛ فيحظى بالمكانة الأولى في المجال الشيعي، أو ينافس أبناء المراجع والمعبِّرين عنهم.
تبدو هذه الفرضية قويّة نظرياً، لكنها تضمر افتراضاً خفياً: أن الشرعية السياسية تُكتسب بقدر الإنجاز المادي، أي أنها ثمرة «عقلانية أداتية». وهو افتراضٌ أقرب إلى نموذجٍ اقتصاديٍّ للسياسة منه إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها الشرعية في المتخيّل الجمعي. وهي فوق ذلك تُهمل عنصرين رئيسين في تحليل تشكّل التخيّل السياسي والثقافة السياسية من المنظور الأنثروبولوجي.
المقاربة: البنية وتشغيلها
تقوم المقاربة التي أتبناها على بعدين متلازمين:
- البعد البنيوي للثقافة: وهو النسق الرمزي العميق الذي يحدد ما يُعدّ مقدساً ومشروعاً ومألوفاً. وهنا نستحضر تصوّر كليفورد غيرتز للثقافة شبكةً من المعاني تنسجها الجماعة وتتحرك داخلها، وتصوّر ليفي ستروس للبنى الذهنية الكامنة وراء الأسطورة والرمز.
- البعد العملياتي لهذه البنية: أي كيف تُستدعى البنية وتُفعَّل في الممارسة: بالطقس والذاكرة والتجربة التاريخية وآليات التمثيل. وهنا يفيد مفهوم بورديو عن رأس المال الرمزي، وتفيد قراءة مارشال سالنز لتفاعل البنية مع الحدث التاريخي.
البنية وحدها نحوٌ ساكن، والعملياتية وحدها حركةٌ بلا قاعدة. وبالجمع بينهما نفهم لماذا تُحسم المكانة السياسية في هذا المجال داخل منظومة دلالية تحدد سلفاً من يصلح لأن يكون «معبِّراً» ومن لا يصلح.
البنية: الإمامة وأسطورة الطف
بنية الثقافة الدينية والسياسية للشيعة هي الإمامة، وقد تجسدت في الأسطورة التأسيسية: واقعة الطف ومقتل الإمام الحسين. ولا أستعمل «الأسطورة» هنا بمعنى الخرافة أو نقيض الوقائع التاريخية؛ فهي بالمعنى الأنثروبولوجي سرديةٌ تأسيسيةٌ تمنح الجماعة معناها وتصنّف لها العالم. فالطف حدثٌ تاريخيٌّ وقع، لكنه بفعل الاستعادة الطقسية عبر القرون صار نموذجاً تأويلياً تُقرأ به الأزمنة اللاحقة، وهو ما يقارب ما سمّاه مايكل فيشر ” نموذج كربلاء”
وتتشكل من هذه البنية عناصر رئيسة في المتخيّل السياسي الشيعي:
- الإمامة: الشرعية استحقاقٌ مستمدٌّ من الاصطفاء والنص، لا من الكفاءة أو الغلبة أو التفويض الانتخابي.
- السلالة: تنتقل الشرعية عبر النسب. ومن هنا كانت ” البيت” وحدةَ المعنى السياسي الأولى، وكان ” آل البيت” عنوانَ المقدس.
- المظلومية والشهادة: الدم والمعاناة مصدر الأخلاقية والأحقية. ففي منطق الطف، المنتصرُ ظاهراً هو الباطل، والمغلوبُ مظلوماً هو الحق؛ فلا يكون النجاح المادي دليلاً على الشرعية، بل قد يكون موضع ارتياب.
- الغيبة والنيابة: في غيبة الإمام انتقل جانب من وظيفة التمثيل إلى المراجع، فصار المرجع في المتخيّل والسردية الشيعية امتداداً لخط الأئمة. ومن هنا تنتقل هالة الإمامة بالقرابة إلى بيت المرجع وأبنائه، فيرثون رمزياً ما لا يُورَّث قانوناً.
إن هذه العناصر لا يحملها أحمد الجلبي؛ بل يحملها أبناء المراجع الذين يملكون وراثة الإمامة، استناداً إلى أن المراجع هم في المتخيّل الشيعي امتدادُ الأئمة.
العملياتية: كيف تتحول البنية إلى رأسمال سياسي
لا تعمل البنية من تلقاء نفسها؛ ثمة آليات تُنشّطها وتبقيها حيّة:
الطقس. تُعيد عاشوراء والزيارات والمجالس الحسينية، كل عام، تنشيط البنية، وتدرّب الوجدان والجسد على قراءة الحاضر بلغة الطف، فتصير المفاهيم المجردة تجربةً معيشة.
التجربة التاريخية. جاءت تجربة الاضطهاد في العهد البعثي لتجعل السردية واقعاً حياً: إعدام السيد محمد باقر الصدر عام 1980، واغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر عام 1999، وملاحقة آل الحكيم، والتضييق على المراجع وعوائلهم كما في حالات آل الحكيم وآل الصدر وآل المبرقع، ما بين اغتيال وسجن وتعذيب. فكأن ما تقوله السردية عن ” بيوت الإمامة” وما تتعرض له من ظلم قد تحقق في الزمن القريب، وتراكمت بذلك مظلوميةٌ صارت رأسمالاً رمزياً مضاعفاً: نسباً يصل إلى الأئمة، ودماً أُريق في الحاضر.
التمثيل. هنا تتضح دلالة ” المعبِّرين”. فهؤلاء ليسوا مراجع، وإنما يتكلمون باسم رمزٍ أعلى منهم. وهذا ما أطلق عليه بورديو بـ “سرّ الوكالة”: يستمد الوكيل سلطته من الجماعة أو من الرمز الذي يمثله، فتُستعار شرعيته من مصدر أعلى. ومن ثم لا يُسأل المعبِّر عن إنجازٍ شخصي بقدر ما يُسأل عن صلته بالمصدر؛ وصلته نسبٌ وتجربةُ اضطهاد، لا برنامجٌ ولا كفاءة.
الجلبي خارج الدائرة الرمزية
على هذه الخلفية يمكن إعادة قراءة موقع الجلبي:
- غياب النسب والنيابة الرمزية. ليس في سيرته ما يربطه بالسلالة، ولا هو في المتخيّل امتدادٌ لأحد.
- نمط الفعل. كان طريقه إلى التغيير الإقناعَ والتفاوض والتحالف مع القوة العظمى. وفي منطق الطف هذا نجاحٌ بلا دم، فعلٌ لا تصحبه كلفةٌ جسديةٌ تُقرأ تضحيةً، فيُرى إنجازاً تقنياً لا استحقاقاً أخلاقياً. وقد تُقرأ الاستعانة بقوة خارجية، في سردية المظلومية، بوصفها نقيض الصمود.
- طبيعة رأسماله. حاز الجلبي رأسمالاً معرفياً وشبكياً كبيراً: الخبرة والعلاقات والقدرة على الحركة في عواصم القرار. لكن هذا الرأسمال لا يُصرَف في سوق الشرعية الرمزية الشيعية بسعر صرف مرتفع، لأن عملة هذا السوق هي النسب والدم.
- المظهر والخطاب. مظهره وفكره الليبراليان أضافا مسافةً بين صورته وصورة «المعبِّر» المألوفة، مهما بالغ في الاعتزاز بشيعيته.
- ثقل الاسم. ولعل في اختيار اسم البيت الشيعي ما يشي بإدراكٍ ضمنيٍّ لثقل المفردة وحمولتها الرمزية، لكن الاسم يعلن الانتماء ولا يمنح النسب.
وهنا المفارقة: أحدث الجلبي الحدث، لكنه لم يدخل السردية؛ لأن السردية لا تفتح أبوابها إلا لأبطالٍ من فئاتٍ معينة. فالعراقيون قد يقرّون له بالدور، لكنهم لا يمنحونه المكانة التي يمنحونها للوريث؛ فهم يعترفون بالفاعل، ويُقدِّسون المنتمي.
قد يُعترض بأن هذا التحليل يوقع في حتمية ثقافوية، تجعل من الثقافة قدراً. والجواب أن البنية ليست قفصاً، بل هي أقرب إلى قواعد النحو: تحدد ما يُقال وما لا يُقال، ولا تحدد ما سيُقال فعلاً. وقد أوضح سالنز أن الأحداث الكبرى تعيد صياغة الفئات الثقافية، فيما سماه ” بنية الظرف”، فالبنية تُحوَّر في الحدث وهي تعمل. فبعد 2003 أُعيد توزيع المواقع، لكنه جرى بمفردات البنية نفسها لا بمفردات غريبة عنها.
كما أن هذه المقاربة لا تنفي دور العوامل الأخرى من التنظيم والمال والتحالفات الدولية والانقسامات والأخطاء الشخصية، بل تقول إنها تعمل جميعاً داخل مجال دلاليٍّ يحدد سلفاً ما يُرى شرعياً وما لا يُرى.
السؤال الأهم
لعل صيغة السؤال الأولى (لماذا لم ينل الجلبي مكانةً توازي دوره؟) تحجب أكثر مما تكشف، لأنها تفترض أن المكانة ثمنٌ يُدفع مقابل الدور، والصيغة الأهم: ما العملة التي تُشترى بها الشرعية في هذا المجال الرمزي؟ وعندما نجيب نفهم أن الجلبي كان يملك ما يشتري التاريخ، ولم يكن يملك ما يشتري المتخيَّل.
ولهذا بعدٌ أبعد يمسّ علاقة الدولة بالدين في العراق. فالدولة الحديثة تقوم، بتعبير فيبر، على شرعية قانونية عقلانية، تُقاس فيها المكانة بالكفاءة والتفويض والمساءلة. أما بنية المتخيّل التي حللنا عناصرها فتقوم على شرعية مقدسة سلالية، تُقاس فيها المكانة بالنسب والمظلومية. وبين هذين المنطقين يتحرك المشهد العراقي منذ 2003، وفي ذكرى الجلبي يتبدى مثالاً ناصعاً لهذا التوتر: رجلٌ بمنطق الدولة الحديثة صنع حدثاً عظيماً، فاستقبله المجال الرمزي بمنطق آخر.
ويبقى سؤالٌ مفتوح: هل تتسع هذه البنية، مع الزمن، لفاعلين يُحدثون التغيير بغير النسب والدم؟ أم أن كل تغييرٍ سيظل مضطراً إلى أن يمرّ عبر بوابة السردية القديمة ليُعترف به؟




