نور عبد السلام العزاوي / باحثة في الشأن الإسرائيلي
المقدمة
لم تكن انتخابات الكنيست التي جرت في 27 تشرين الأول 2026 مجرد منافسة جديدة بين بنيامين نتنياهو وخصومه، فقد ذهب الناخبون إلى الصناديق بعد ثلاث سنوات ثقيلة منذ هجوم السابع من تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حروب وخلافات داخلية، وبعد أسئلة عن قدرة المؤسسات السياسية والأمنية على أداء واجباتها، لذلك اتسع معنى التصويت من اختيار حزب يقود الحكومة إلى محاسبة على الماضي، وخلاف على هوية الدولة، وتحديد لأولويات السنوات المقبلة، وقد أظهر الفرز الجزئي المنشور بعد ظهر 28 تشرين الأول بعد فرز نحو 85.6% من الأصوات أن معسكر نتنياهو حصل وفق تقدير مستند إلى الأصوات المعدودة على 53 مقعد، مقابل 48 مقعد للأحزاب التي يقودها غادي آيزنكوت في معسكر التغيير، و19 مقعد للقائمتين العربيتين، ولأن الكنيست يتكون من 120 مقعد يحتاج تشكيل حكومة تحظى بالأغلبية إلى دعم 61 نائبا على الأقل، وهذه ليست حصيلة نهائية إذ بقيت أصوات لم تفرز بينها أصوات الجنود والبعثات الدبلوماسية وفئات أخرى تصوت بمغلفات خاصة.
تبدو النتيجة متناقضة للوهلة الأولى: فقد بقي الليكود الأكبر بين الأحزاب المنفردة نحو 26 مقعد، يليه حزب ياشار بزعامة آيزنكوت بـ21 مقعد لكن معسكره لم يبلغ الأغلبية، وارتفعت المشاركة إلى 77.7% دون أن يخرج من الصناديق تفويض واضح لأي من الكتلتين الكبيرتين، من هنا تظهر الفكرة الرئيسية لهذه المقالة اذ عبر الناخب الإسرائيلي عن رغبة واسعة في التأثير في الحكم، لكن النظام الحزبي قد يحول هذه الرغبة إلى مفاوضات صعبة، لأن الحسابات البرلمانية لا تختصر الخلافات الاجتماعية والأمنية والاقتصادية، وتنطلق القراءة من سؤال محدد: ماذا توضح نتائج الانتخابات عن المجتمع الإسرائيلي؟ وما أثرها المحتمل في تشكيل الحكومة والسياسات العامة؟ وللإجابة تميز المقالة بين ثلاثة أنواع من المعطيات: نتائج الفرز الأولية، واستطلاعات الرأي السابقة للاقتراع، والمؤشرات الاقتصادية الرسمية، أما الآثار المستقبلية فتعرض بوصفها احتمالات مشروطة بطبيعة الحكومة المقبلة، لا نتائج مؤكدة.
أولا: الخريطة الانتخابية.
تجري الانتخابات الإسرائيلية وفق نظام التمثيل النسبي وتوزع المقاعد على القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%، اذ يسمح هذا النظام للأحزاب الصغيرة والمتوسطة بالحصول على تمثيل، لكنه يجعل تشكيل الحكومات قائم على التفاهم بين قوى تختلف في ملفات قد تكون أساسية لناخبيها، مثل الدين والدولة والتجنيد والسياسة تجاه الفلسطينيين، لذلك لا يكفي أن يتصدر حزب واحد الانتخابات ليحكم وحده، ففي انتخابات 2022 حصل الليكود على 32 مقعد، وشاس على 11، ويهدوت هتوراه على 7، وقائمة الصهيونية الدينية وحلفائها على 14، فبلغ مجموع القوى التي شكلت أغلبية نتنياهو 64 مقعد، وفي المقابل فازت قائمتا راعم وحداش بعشرة مقاعد معا، ويوضح الجدول التالي مقارنة موجزة مع النتائج المؤقتة لعام 2026:
| المؤشر | انتخابات 2022 | انتخابات 2026 (مؤقتة) |
| الليكود (مقاعد) | 32 | نحو 26 |
| معسكر نتنياهو | 64 | 53 |
| معسكر المعارضة (آيزنكوت في 2026) | 46 | 48 |
| القائمتان العربيتان | 10 | 19 |
| نسبة المشاركة | 70.6% | 77.7% |
ملاحظة: أرقام 2026 مؤقتة بعد فرز نحو 85.6% من الأصوات، وقد تتغير بعد احتساب المغلفات المزدوجة، (المصدر: لجنة الانتخابات المركزية / تقارير الفرز)
وتوضح هذه الأرقام حجم التغير الذي تشير إليه انتخابات 2026 وهو تراجع الكتلة اليمينية الدينية عن أغلبيتها السابقة، وتوسع الحضور البرلماني للأحزاب العربية، مع استمرار التشتت في بقية الخريطة، أما نسبة المشاركة، 77.7% مقارنة بـ70.6% في 2022، فتعني زيادة مقدارها 7.1 نقطة مئوية، وليس زيادة نسبتها 7.1% من عدد المشاركين، وهي أعلى مشاركة منذ عام 1999، وهذا فرق مهم، فالزيادة في المشاركة ليست مجرد رقم انتخابي بل مؤشر إلى أن قطاعات كبيرة نظرت إلى الاقتراع بوصفه قرار يمس حياتها اليومية ومستقبل المؤسسات السياسية، مع ذلك لا يجوز تحويل المقاعد الأولية إلى نتيجة نهائية، ففي 28 تشرين الأول أوضحت لجنة الانتخابات أن نحو 430 ألف إلى 480 ألف صوت من المغلفات المزدوجة لم تكن قد احتسبت، وأن النتائج الرسمية ستعلن لاحقا، ويمكن لهذه الأصوات إلى جانب إعادة فحص بعض الصناديق وطريقة توزيع الأصوات الفائضة أن تبدل مقاعد محدودة بين القوائم وتؤثر في حسابات التحالفات لذلك يقرأ التحليل الجاد الاتجاه العام دون أن يعامل التوزيع المؤقت للمقاعد حكما نهائيا، وتقدم الأرقام، حتى بصيغتها المؤقتة، ملاحظة سياسية واضحة: لم يعد الانقسام بين حكومة ومعارضة فقط، فهناك كتلة عربية كبيرة لا يمكن تجاهلها حسابيا، وفي الوقت نفسه لا توجد موافقة مسبقة بين الأحزاب اليهودية المختلفة على الاعتماد عليها سياسيا، وهذا الفصل بين وزن الصوت وشرعية الشراكة في نظر بعض القوى من أبرز الاختبارات التي سيواجهها النظام الإسرائيلي بعد الانتخابات.
ثانيا: لماذا بقي نتنياهو حاضر رغم الخلافات الواسعة حول حكمه؟
تكرر في الخطاب الانتخابي سؤال محوري: هل التصويت مع نتنياهو أو ضده؟ لكنه لم يكن السؤال الوحيد، فقد احتفظ الليكود بقاعدة انتخابية صلبة بينما حملت أحزاب المعارضة اتجاهات فكرية متباينة، من أحزاب أقرب إلى الوسط إلى قوى يمينية علمانية وأخرى أكثر ميلا إلى التسوية السياسية، ومن هنا جاءت مفارقة استمرار تفوق الليكود حزبا، مع ضعف فرص أي كتلة منفردة في جمع 61 مقعدا وفق الأرقام الأولية، وتفسر هذه الصورة جزئيا طبيعة الولاء الحزبي في إسرائيل، فالتصويت لا يقوم على تقدير أداء الحكومة الأمني والاقتصادي فحسب، بل يتداخل مع الانتماء الديني والخلفية الاجتماعية والموقف من القضاء ومن مكانة نتنياهو نفسه، فبعض الناخبين يرى في استمرار قيادته ضمانة للثبات في فترة قلق أمني، بينما يرى آخرون أن تغيير القيادة شرط لإصلاح الخلل الذي كشفته أحداث 2023، وكلا الموقفين حاضر في النقاش العام، ولا يمكن افتراض أن جميع المشاركين تحركوا بدافع واحد، وقد زادت صعوبة الوصول إلى أغلبية واضحة لأن التحالف المضاد لنتنياهو ليس كتلة فكرية متجانسة، فقد تتفق أحزاب على إخراج رئيس الحكومة من منصبه، لكنها تختلف بشأن علاقة الدين بالدولة ومدى التوسع الاستيطاني، دور القضاء، والتعامل مع الأحزاب العربية، وفي المفاوضات الحكومية تصبح هذه الفروق عملية: من يوافق على قانون التجنيد؟ ومن يقبل بتمويل مؤسسات دينية؟ وما الحد الأدنى الذي يمكن الاتفاق عليه في ملف غزة؟، بهذا المعنى تكشف الانتخابات عن اختلاف بين أغلبية انتخابية رافضة لتركيبة حكم معينة، وأغلبية حكومية قادرة على الالتزام ببرنامج مشترك، فالأولى يمكن أن تظهر في مجموع مقاعد، أما الثانية فتحتاج إلى اتفاقات مكتوبة وتنازلات متبادلة، وربما يكون هذا الفارق المفتاح الأهم لقراءة الأسابيع التي تلي الاقتراع.
ثالثا: ماذا أراد الشارع الإسرائيلي من هذه الانتخابات؟
لا يصح اختزال الشارع الإسرائيلي في رأي واحد فالمجتمع يضم جماعات يهودية متنوعة ومواطنين عرب فلسطينيين، وتتباين المواقف بين المتدينين والعلمانيين، اليمين والوسط واليسار، وبين من خدموا في الجيش أو الاحتياط ومن لا تنطبق عليهم الخدمة، لذلك فإن أفضل طريقة لفهم الرأي العام هي جمع أكثر من استطلاع، والنظر إلى صياغة السؤال الذي طرح على المشاركين، ففي مؤشر المجتمع الإسرائيلي الصادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي في 14 تشرين الأول 2026، قال 39% من المستطلعين إن هذه الانتخابات هي الأهم في تاريخ الدولة، ووصفها 40% بأنها مهمة بصورة استثنائية، أي إن نحو ثمانية من كل عشرة رأوا فيها حدث يتجاوز المنافسة الانتخابية الاعتيادية، وعندما سئلوا عن الاعتبار الحاسم في اختيارهم، اختار 34% الجهة التي تستطيع المحافظة على الأمن بصورة أفضل، وكانت النسبة 31% في أيلول، مما يشير إلى صعود وزن الأمن مع اقتراب الاقتراع، وفي المقابل أظهر استطلاع للقناة الثانية عشرة الإسرائيلية، نشر في 22 تشرين الأول وشمل 503 مستجيبين، أن 22% وضعوا الاقتصاد وخفض كلفة المعيشة في المرتبة الأولى، و19% إخفاق السابع من تشرين الأول، و18% الأمن وإدارة الحرب، و8% الانقسام الاجتماعي، و7% النظام القضائي، وبين أنصار أحزاب الحكومة تصدر الأمن وإدارة الحرب بنسبة 32%، في حين جاء إخفاق السابع من تشرين الأول أولا عند 34% من ناخبي المعارضة.
قد يبدو أن أحد الاستطلاعين يجعل الأمن أولا فيما يجعل الآخر الاقتصاد أولا، لكن لا يوجد تناقض ضروري فالأول صاغ الاختيارات حول الجهة الأقدر على تحقيق هدف سياسي، بينما طلب الثاني تسمية المشكلة الأهم عند التصويت، ويعني ذلك أن المواطن قد يرى الأمن قضية الدولة الكبرى لكنه يختار الحزب الذي يراه أقدر على تحسين مستوى المعيشة، أو العكس، كما أن اختلاف وقت المسح وحجم العينات يؤثر في النتائج، وتؤكد بيانات معهد إسرائيل للديمقراطية في أيلول هذه الصورة المركبة فقد اعتبر 39% من المستطلعين اليهود أن موقف الحزب من السياسة الخارجية والأمن من أول عاملين مؤثرين في قرارهم، مقابل 38% لموقفه من الاقتصاد وكلفة الحياة، وأشار 68% من اليهود و32% من العرب إلى أن السابع من تشرين الأول عامل رئيسي في الاختيار الانتخابي، وقد أجري هذا المسح على 605 مستجيبين يهود و150 عربي، لذلك ينبغي نسب النتائج إلى الفئات المذكورة لا تعميمها آليا على كل المجتمع مع الانتباه إلى أن عينة العرب صغيرة، فالنتيجة الاجتماعية هنا ليست أن الناخبين انصرفوا من الأمن إلى الاقتصاد أو العكس، الأصح أن الأمن والمعيشة والثقة بالمؤسسات صارت ملفات متداخلة فالأمن يؤثر في العمل والسفر والاستثمار، والضغط المعيشي يغير تقييم المواطن لأداء الحكومة، والخلاف حول المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية ينعكس على الثقة بالقضاء والجيش والقيادة السياسية.
رابعا: صعود التصويت العربي وحدود تأثيره السياسي.
من أبرز ملامح انتخابات 2026 الزيادة الكبيرة في مشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين الذين يشكلون نحو خمس سكان إسرائيل، وقد نقلت تغطيات يوم الاقتراع عن القناة الثانية عشرة تقدير لمشاركتهم يقارب 80%، وبحسب الفرز الجزئي في 28 تشرين الأول بلغت حصة القائمتين العربيتين 19 مقعدا، بعدما كان تمثيلهما المجمع عشرة مقاعد في كنيست 2022، وهذه أرقام لافتة لكنها تظل قابلة للتعديل إلى أن يكتمل الفرز، ويمكن فهم هذه المشاركة من خلال عاملين متداخلين الأول سياسي يتعلق بالرغبة في التأثير في شكل الحكومة بعد سنوات من التصعيد والصراع حول مكانة المواطنين العرب، والثاني اجتماعي يتصل بقضايا يومية مثل العنف والجريمة المنظمة والأمن الشخصي والخدمات والتمييز في توزيع الموارد، وقد أظهر استطلاع معهد إسرائيل للديمقراطية أن الجريمة داخل المجتمع العربي كانت من أهم القضايا عند المستطلعين العرب بخلاف أولوية الأمن الخارجي لدى كثير من اليهود، وخلال الحملة الانتخابية وظف بعض قادة اليمين زيادة المشاركة العربية في تعبئة مؤيديهم، بينما عد قادة القوائم العربية الإقبال الكبير دليلا على رغبة ناخبيهم في الحضور السياسي، ووثقت رويترز هذه المواقف المتعارضة في 27 تشرين الأول، ومن الضروري ملاحظة أن المشاركة العربية أصبحت موضوع للمنافسة على الأصوات اليهودية أيضا، لا مجرد شأن خاص بالناخب العربي.
لكن القوة العددية لا تتحول تلقائيا إلى قوة حكومية فيستطيع 19 نائب عند اكتمال العدد التأثير في التصويت على رئاسة الكنيست أو القوانين أو الثقة بالحكومة، غير أن نوع هذا التأثير يعتمد على موقف بقية الأحزاب من التعاون معهم، فبعض القوى تقبل دعم برلماني من الخارج أو تفاهمات محددة، وبعضها يرفض الشراكة لأسباب أيديولوجية أو انتخابية، كما أن القائمتين العربيتين لا تتفقان على كل التفاصيل لذا ينبغي التمييز بين القدرة على ترجيح كفة تصويت معين وبين المشاركة الفعلية في مجلس الوزراء، وتفتح هذه المعادلة سؤالا أوسع عن المواطنة والمساواة داخل النظام الإسرائيلي فإذا احتسب صوت الناخب العربي في توزيع المقاعد ثم جرى استبعاد ممثليه مسبقا من أي صيغة حكم اتسعت الفجوة بين المساواة القانونية في الاقتراع والقبول السياسي بالمشاركة في السلطة، وإذا نشأت تفاهمات عملية فسيكون التحدي تحويل الوزن الانتخابي إلى سياسات ملموسة في الأمن الشخصي والبلديات والتعليم والميزانيات، وفي الحالتين تبدو الانتخابات اختبارا لطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب.
خامسا: التجنيد والقضاء والانقسام الاجتماعي.
كشف النقاش الانتخابي عن مسألة تتجاوز توزيع المقاعد، وهي توزيع الأعباء داخل المجتمع فقد أصبحت خدمة المتدينين الحريديم في الجيش من أكثر القضايا إثارة للخلاف في السنوات الأخيرة لا سيما مع طول فترات استدعاء جنود الاحتياط وحاجات المؤسسة العسكرية، ويدافع ممثلو الأحزاب الحريدية عن استمرار أطر إعفاء أو ترتيبات خاصة لطلاب المؤسسات الدينية بينما ترى قطاعات أخرى أن هذه الترتيبات لا تحقق مساواة في الواجبات، وفي استطلاع القناة الثانية عشرة قال 68% من المشاركين إن تعهد الحزب بسن قانون للتجنيد المتساوي يؤثر في قرارهم الانتخابي، مقابل 27% قالوا إنه لا يؤثر وبلغت النسبة 93% بين ناخبي المعارضة و44% بين ناخبي الائتلاف، وفي المسح نفسه قال 56% إن تعهد الحزب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من تشرين الأول يؤثر في تصويتهم مقابل 35% لم يؤثر فيهم ذلك، وتعكس هذه الأرقام اختلاف واضح في أولويات المساءلة والخدمة العسكرية، لا مجرد خلاف على شخص رئيس الحكومة، وتؤكد نتائج معهد إسرائيل للديمقراطية المنشورة في 14 تشرين الأول أن سن قانون لتجنيد الحريديم وتشكيل لجنة تحقيق رسمية حظيا بمستويات مرتفعة من التأييد بين المستطلعين اليهود، مع فروق كبيرة بين التيارات السياسية، أما بين المستطلعين العرب فظهر اهتمام أعلى بفحص فرص التفاوض مع الفلسطينيين، وقد أجري المسح على 602 يهودي و149 عربي ولهذا يجب الحذر من الحديث عن إجماع إسرائيلي شامل على أي سياسة محددة.
أما الخلاف على القضاء فيرتبط بسؤال من يراقب السلطة التنفيذية ومن يحدد حدود صلاحيتها؟ فلا يرى جميع الإسرائيليين الإصلاح القضائي بالطريقة نفسها يقدمه مؤيدوه باعتباره إعادة توازن بين المؤسسات المنتخبة والقضاة، بينما يخشى معارضوه أن يضعف الضوابط القانونية على الحكومة، ويمكن لهذا النزاع أن يحدد طبيعة الائتلاف المقبل، فالحزب الذي يقبل شراكة اقتصادية قد يرفض مشروع تغيير في صلاحيات المحاكم، وتساعد بيانات غالوب على قياس الأثر الأعمق لهذه الخلافات، ففي مسح أنجز في تموز ونشر في 20 تشرين الأول أعرب 56% عن ثقتهم بنزاهة الانتخابات بعدما كانت النسبة 71% في 2023، وبلغت الثقة 82% بين الراضين عن القيادة السياسية، لكنها انخفضت إلى 37% بين غير الراضين عنها، ولا تثبت هذه النسب وجود خلل فعلي في عملية التصويت إنما تكشف أن الثقة بالمؤسسات أصبحت مرتبطة بقوة بالموقف من القيادة وهنا تكمن مشكلة ما بعد الانتخابات يمكن للأرقام أن تكون قانونية وواضحة، بينما يبقى قبولها اجتماعيا محل انقسام.
سادسا: الاقتصاد بين مؤشرات التعافي وضغط الحياة اليومية.
قد توحي بعض المؤشرات الاقتصادية بأن إسرائيل خرجت من المرحلة الأكثر صعوبة، لكن التجربة اليومية للناخب لا تقاس بمعدل النمو وحده، فالعائلات تنظر إلى الإيجار والغذاء والقروض وفرص العمل، بينما ينظر المستثمرون إلى مدة الاستقرار السياسي ومستوى المخاطر وتوقعات الضرائب والإنفاق الحكومي، وتصبح العلاقة بين الاقتصاد والانتخابات أكثر تعقيدا حين يرتبط جزء كبير من الإنفاق بالحرب والأمن، ففي 21 تشرين الأول نشر بنك إسرائيل توقعاته الاقتصادية، وقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي (بعد استبعاد الإنتاج في الخارج الذي تقوم به شركات إسرائيلية) بنسبة 3.4% في 2026 و5.1% في 2027، وتوقع تضخم سنوي قدره 1.5% في 2026 و2.1% في 2027، وعجز في الموازنة يعادل 4.4% من الناتج في 2026 و4.6% في 2027، وأن يصل الدين العام إلى 68% من الناتج في نهاية 2026 وفق التعريف الشامل المستخدم في التقرير، وهذه تقديرات مشروطة وليست حصيلة مؤكدة لسنة لم تنته، والأهم أن البنك أوضح أن توقعاته لا تتضمن الأثر المحتمل للتشريعات المالية التي قد تتخذها الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات، كما افترض استمرار القتال بوتيرة منخفضة نسبيا، ومعنى ذلك أن برنامج الحكومة الجديدة أو عودة التصعيد قد يغير المسار المتوقع للنمو والعجز والدين.
وفي قرار السياسة النقدية الصادر في اليوم نفسه أبقى بنك إسرائيل سعر الفائدة عند 3.25%، وأشار إلى أن معدل التضخم السنوي في أيلول بلغ 1.6% وأن أسعار المساكن انخفضت بنحو 1.8% على أساس سنوي وفق الفترة المذكورة في التقرير، ولا تعني هذه الأرقام أن كلفة المعيشة أصبحت منخفضة، فانخفاض معدل التضخم يعني تباطؤ زيادة الأسعار في المتوسط لا عودة معظمها إلى مستويات السنوات السابقة، ومن جهة أخرى توقع صندوق النقد الدولي في تموز نمو قدره 3.5% لعام 2026 وعجز مال الأوسع في تقديراته السابقة، محذرا من أثر الصراع الإقليمي والإنفاق العسكري والقيود على عرض العمالة، ولا ينبغي مقارنة تقدير الصندوق بتقدير البنك المركزي مباشرة دون الانتباه إلى اختلاف موعد التقدير والتعاريف والافتراضات، لكنهما يتفقان على أن الأمن والعمالة وضبط المالية العامة قضايا مترابطة، وفي السياسة العامة ستواجه الحكومة التالية ثلاثة قرارات اقتصادية صعبة أولها حجم ما تخصصه للدفاع مقابل التعليم والصحة والبنية التحتية، وثانيها طريقة تمويل التزاماتها، بزيادة الإيرادات أو خفض نفقات أخرى أو قبول عجز أعلى، وثالثها استعادة ثقة الأعمال والأسر بأن القواعد الاقتصادية لن تتغير كل بضعة أشهر، ولا توجد سياسة مجانية فزيادة الإنفاق في مجال تعني غالبا ضيقا في مجال آخر ما لم تزد الإيرادات أو ترتفع المديونية، فإذا طال تشكيل الحكومة فقد تتأخر القرارات المتعلقة بالموازنة والتعيينات والخطط الاستثمارية وإذا تشكل ائتلاف هش فقد يتوزع الإنفاق على مطالب شركائه بدلا من برنامج متماسك، أما ائتلاف أكثر استقرارا فقد يتيح تخطيطا متوسط الأجل، لكنه سيظل محكوما بالوضع الأمني والالتزامات الاجتماعية، ولهذا فإن النتيجة الاقتصادية للانتخابات لا تحددها هوية رئيس الحكومة وحدها، بل نوع الاتفاق الذي يستطيع تمريره والمحافظة عليه.
سابعا: الأمن بعد الاقتراع: سؤال القيادة أم سؤال الاستراتيجية؟
تأتي انتخابات 2026 في ظل آثار ممتدة لهجوم السابع من تشرين الأول 2023 وما تلاه من قتال في غزة وتوترات وجبهات إقليمية أخرى، وقد أبرزت الحملات الانتخابية قدرة القادة على إدارة الحرب والردع لكن الرأي العام لم يكن موحدا في تقييم ما تحقق، ففي استطلاع معهد سياسات الشعب اليهودي في تشرين الأول قيم 41% من المشاركين شعورهم بالنصر عند الدرجة الرابعة أو الخامسة من خمس درجات، بينما اختار 36% الدرجتين الأدنى وظهرت فجوة كبيرة بين اليمين واليسار وبين اليهود والعرب في هذا التقييم، ويظهر مقدار القلق من المستقبل في السؤال عن دوام الهدوء: فبحسب المسح نفسه توقع 21% فقط أن يستمر الهدوء سنة على الأقل، وتوقع 32% أن يستمر بضعة أشهر، و30% أنه لن يدوم أكثر من أسابيع قليلة، وهذه النتائج لا تسمح بالتنبؤ بوقوع حرب جديدة لكنها تفسر لماذا بقي الأمن حاضر بقوة في قرارات الناخبين وفي خطاب المرشحين.
ويكشف استطلاع غالوب جانبا آخر فعندما طلب من المستطلعين تسمية المشكلة الأكبر في إسرائيل، ذكر 56% قضايا متعلقة بالسلامة والأمن، مقابل 10% للاقتصاد و10% للسياسة، وكانت النسبة المتعلقة بالأمن قد بلغت 71% في مسح 2025 وانخفاض النسبة لا يعني زوال الخوف، بل يعني أن قضايا أخرى أصبحت تنافسه على انتباه المواطنين بعد سنوات من الصراع، ومن زاوية السياسة الأمنية تواجه أي حكومة قادمة مفضلات لا تحسمها الشعارات، فالمطالبون بتشديد العمل العسكري يركزون على الردع ومنع تجدد التهديدات، لكن توسيع العمليات قد يرفع كلفة الاحتياط والميزانية والتوتر الخارجي، والداعون إلى ترتيبات سياسية أو تفاهمات تهدئة يركزون على تقليل الاستنزاف وإعادة بناء الاقتصاد، لكنهم يواجهون اعتراضات داخلية وأسئلة عن الضمانات الأمنية، وهذه ليست مفاضلة بين الأمن وعدم الأمن، بل خلاف على الأدوات الأكثر قدرة على تحقيقه، كما أن الخلاف حول إعفاءات التجنيد يتصل مباشرة بالسياسة الأمنية فالحكومة لا تستطيع الحديث عن توسيع الجاهزية العسكرية دون معالجة توزيع عبء الخدمة والاحتياط، ولا تستطيع تطبيق أي تغيير واسع دون تفاهم اجتماعي وقانوني، وبهذا المعنى يتحول ملف التجنيد من قضية دينية إلى اختبار لقدرة النظام السياسي على ترجمة الاحتياجات العسكرية إلى قواعد مقبولة لدى قطاعات واسعة من السكان.
ثامنا: الفلسطينيون والسياسة الإقليمية في حسابات الحكومة المقبلة.
قد يبدو أن الانتخابات ركزت على نتنياهو وأداء الحكومة أكثر من تركيزها على حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكن هذا لا يجعل الملف الفلسطيني هامشيا فقضايا غزة والضفة الغربية والمستوطنات ودور السلطة الفلسطينية والعلاقات مع الدول العربية تؤثر في الحسابات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، وفي شكل التحالفات التي يمكن أن تنشأ داخل الكنيست، ومن المهم أيضا التمييز بين تغيير الأشخاص وتغيير السياسة فقد تختلف أحزاب إسرائيلية في تعاملها مع نتنياهو وإدارة المؤسسات لكنها قد تتقارب في تفضيل ترتيبات أمنية مشددة تجاه غزة أو في تحفظها على خطوات سياسية كبرى في الملف الفلسطيني، وفي المقابل يربط جزء من المعارضة ومن الأحزاب العربية بين الاستقرار طويل الأمد وضرورة إيجاد مسار تفاوضي، لذلك لا يجوز الاستنتاج من تراجع كتلة حكومية أن تحولا جذريا تجاه الفلسطينيين أصبح مضمونا، فضلا عن ذلك تؤكد استطلاعات الرأي أن الفوارق الاجتماعية عميقة في هذا المجال فقد أظهر مسح معهد إسرائيل للديمقراطية في تشرين الأول اختلافا كبيرا بين اليمين والوسط واليسار في دعم استكشاف التفاوض مع الفلسطينيين، ووجد أن هذا الخيار حظي بتأييد أعلى بين المستطلعين العرب مقارنة بغيرهم، وتنبع أهمية ذلك من أن الأحزاب العربية لا تمثل كتلة حسابية فحسب، بل تحمل أيضا أولويات سياسية قد لا تقبلها أحزاب أخرى تحتاج إلى مقاعدها، وعلى المستوى الإقليمي ستحتاج الحكومة المقبلة إلى إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة والتعامل مع تداعيات الصراع على الجبهات المحيطة، ويمكن أن تنعكس طبيعة الائتلاف على لهجة السياسة الخارجية وسرعة اتخاذ القرارات ومستوى المرونة الدبلوماسية، لكنها لن تلغي دور المؤسسة الأمنية والالتزامات القائمة والمحددات الدولية، والأرجح أن تتغير بعض الأدوات والأولويات مع تغير الائتلاف، بينما تبقى عناصر أساسية من سياسة الأمن القومي موضع استمرار أو تفاوض طويل.
تاسعا: قراءة في الدلالات الأبعد للانتخابات.
أول دلالة أن المشاركة الواسعة لم تنه الانقسام فقد استجاب الناخبون بكثافة لكن الخريطة خرجت متعددة الكتل وتوزعت المطالب بين الأمن والمحاسبة والاقتصاد والهوية وهذا يعني أن أزمة الحكم لا تنشأ من ضعف المشاركة وحده، بل من صعوبة إيجاد برنامج مقبول بين أحزاب تشعر بأن التنازل عن ملف أساسي قد يكلفها ثقة جمهورها، والدلالة الثانية أن الانقسام الاجتماعي يمكن قياسه في القضايا المحددة، لا في الشعارات العامة، ففي استطلاعات تشرين الأول لم يكن الخلاف على الأمن بوصفه قيمة مرغوبة، بل على من يديره وكيف، وعلى المسؤولية عن الإخفاقات السابقة ولم يكن الخلاف على المساواة مبدأً فقط، بل على تطبيقها في التجنيد والميزانيات والمواطنة، وتتضح هذه الفروق عندما تربط النتائج الرقمية بالبرامج السياسية، بدل الاكتفاء بتصنيف المجتمع إلى يمين ويسار، والدلالة الثالثة أن الحضور الانتخابي العربي يعيد طرح مشكلة تمثيل الأقلية وموقعها من السلطة، فالزيادة في المقاعد ترفع القدرة النظرية على التأثير، لكنها تختبر استعداد الأحزاب الأخرى للاعتراف بتمثيل هؤلاء الناخبين في القرارات العامة، ويصعب فهم استقرار الدولة الداخلي دون دراسة هذه العلاقة بما فيها مطالب الأمن الشخصي والبلديات والخدمات إلى جانب الصراع القومي، والدلالة الرابعة أن الاقتصاد لا ينفصل عن الأمن فحتى في حال تحسن النمو وتراجع التضخم، سيظل الإنفاق الدفاعي والعمالة والضرائب وأسعار السكن عناصر ضاغطة، وقد يكون أثر الائتلاف في الاقتصاد غير مباشر، من خلال الموازنة واستقرار القواعد القانونية ووضوح القرارات وتجنب التصعيد الذي يعطل النشاط الاقتصادي، وأخيرا لم تحسم الانتخابات حتى الآن سؤال طبيعة القيادة المقبلة ولا اتجاه سياساتها، وبقدر ما ستساعد نتائج الفرز النهائي في تحديد الأوزان البرلمانية، ستكشف مفاوضات تشكيل الحكومة ما إذا كانت الأحزاب مستعدة للانتقال من خطاب التعبئة الانتخابية إلى ترتيب أولويات قابلة للتنفيذ، والفارق بين المرحلتين هو الفارق بين النجاح في كسب الأصوات والقدرة على الحكم.
الخاتمة:
تكشف انتخابات الكنيست السادس والعشرين عن مجتمع دخل الصناديق بكثافة لكنه لم يخرج منها بإجابة واحدة، فالأمن لا يزال شديد الحضور، والاقتصاد يضغط على الناخبين، والتجنيد والمحاسبة والقضاء تعمق الخلاف حول قواعد الحكم، بينما زادت المشاركة العربية الحسابات السياسية تعقيدا وأهمية في الوقت نفسه. وتشير النتائج الأولية في 28 تشرين الأول إلى أن الليكود بقي القوة الحزبية الكبرى، لكن أي معسكر رئيسي لم يضمن أغلبية 61 مقعدا، وتدل استطلاعات الرأي على أن كثير من الإسرائيليين أرادوا من الانتخابات أكثر من تغيير أسماء أرادوا جواب عن الإخفاق الأمني، وعن توزيع الأعباء، وعن جودة الحياة، وعن حدود سلطة الحكومة، غير أن هذه المطالب قد تتصادم عندما تبدأ مفاوضات الائتلاف، لذلك فإن السؤال الأدق بعد الاقتراع ليس فقط من سيتولى السلطة، بل أي اتفاق سياسي واجتماعي سيجعل ممارسة السلطة ممكنة، ومهما كانت هوية الحكومة التي ستتشكل ستواجه اختبار مزدوج قدرتها على بناء أغلبية داخل الكنيست، وقدرتها على إدارة الانقسام خارج أسواره، وما دامت النتائج النهائية لم تصدر، يجب أن تبقى أحكامنا مفتوحة على التحديث لا أن تسبق الوقائع.




