ما بعد الهيمنة الأحادية: التنافس الأميركي–الصيني وخيارات العراق في شرق أوسط متعدد النفوذ
لم يعد النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُقاس بحجم الانتشار العسكري وحده، فالتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل باتت تعيد توزيع أوراق القوة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. وفي ظل بيئة دولية متغيرة، تتجه التقارير الاستراتيجية إلى اعتماد مؤشرات قابلة للقياس لإعادة تقييم المكانة والتأثير واستشراف التحولات في بنية النظام الدولي. ويكشف “مؤشر النفوذ الأميركي–الصيني 2026″، الذي يقارن مواقع 23 دولة عبر خمس ركائز و19 مؤشراً فرعياً خلال المدة 2020–2025، عن مشهد إقليمي شديد التقارب: تميل 12 دولة نحو الصين، مقابل 11 دولة ما تزال أقرب إلى الولايات المتحدة. ولا تعني هذه النتيجة انتقال الهيمنة من واشنطن إلى بكين، بل نشوء نظام نفوذ مركب تتوزع داخله مزايا القوتين على مجالات مختلفة.
تتقدم الصين عبر أدوات اقتصادية ذات أثر تراكمي، فقد تجاوزت تجارتها مع دول المنطقة 510 مليارات دولار في عام 2025، أي نحو مرتين ونصف قيمة التجارة الأميركية معها، كما توسع حضورها في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة الجديدة. ومع ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق نوعي في الأمن والدفاع والنظام المالي الدولي. وعليه، لا تواجه دول المنطقة خياراً ثنائياً بسيطاً، بل بيئة تتشابك فيها شراكات اقتصادية متنامية مع بكين وضمانات أمنية ومالية ترتبط بواشنطن.
يمثل العراق الحالة الأكثر وضوحاً لهذا التداخل. فقد رصد المؤشر 59 مشروعاً بقيادة صينية في قطاعات الإسكان والصحة والنفط والغاز، في وقت ما تزال فيه الروابط العسكرية والمالية مع الولايات المتحدة عميقة التأثير. لذلك، لا تتمثل المعضلة العراقية في اختيار شريك على حساب آخر، بل في قدرة الدولة على إدارة قنوات نفوذ متوازية، ومنع تحول الحاجة إلى الاستثمار أو الأمن أو النفاذ المالي إلى مصادر ارتهان طويلة الأجل.
توصي الورقة باستراتيجية تنويع منضبطة لا تقوم على الحياد السلبي أو الموازنة الخطابية، بل على تحويل كل شراكة إلى التزامات قابلة للقياس. ويقتضي ذلك إعداد خريطة حكومية موحدة للشراكات، وربط العقود بنقل التكنولوجيا وتطوير الموردين المحليين، ودمج طريق التنمية في سياسة صناعية ولوجستية متكاملة، وتعزيز الحماية المالية والسيبرانية والمؤسسية. ومن دون هذه الأدوات، لن يؤدي تعدد الشركاء إلى توسيع استقلالية العراق، بل إلى تنويع مصادر اعتماده الخارجي.