back to top
المزيد

    واحة البيان

    العراق لا يحتاج إلى حكومة أفضل: بل إلى عقل دولة مختلف

    مالك ثويني

    قد تكون أخطر لحظة في تاريخ الدولة ليست حين تعجز عن دفع رواتب موظفيها، أو تمويل خدماتها، أو الوفاء بالتزاماتها، بل حين تكتشف أن كل ما أنفقته طوال عقود لم يجعلها أقل حاجة إلى الإنفاق في العقد التالي. وتلك هي المعضلة التي ينبغي أن تشغل العقل العراقي اليوم: كيف استطاع بلد بهذه الثروات والإمكانات أن يبني جهازاً للدولة يتسع باستمرار، دون أن يبني اقتصاداً تتسع قدرته بالقدر نفسه على حمل ذلك الجهاز؟

    إن الخطر على العراق ليس أن ينفد النفط من باطن أرضه، بل أن تنفد قدرة الدولة على تحويله إلى مستقبل قبل أن ينفد. فما أخشاه ليس أن يستيقظ العراق ذات يوم وقد تبددت أمواله، بل أن يستيقظ بعد نصف قرن ليكتشف أن النفط تدفق، والحكومات تعاقبت، والمؤسسات اتسعت، لكن الدولة لم تتقدم بمقدار ما استهلكت من عمرها. فأفدح ما تخسره الأوطان ليس ثروة سُرقت من حاضرها، بل مستقبلاً سُلب من أجيالها قبل أن يولد.

    ولعل السؤال الذي تأخرنا كثيراً في طرحه ليس: كم يحتاج العراق من المال ليستمر كما هو؟ بل لماذا ينبغي أن يستمر كما هو أصلا؟ وربما آن الأوان لأن نتوقف عن طرح الأسئلة التي اعتدنا طرحها عن العراق، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها لم تعد كافية لفهم ما يجري فيه.

    فالمشكلة الحقيقية ليست في كيفية محاربة الفساد، على جسامة ما يمثله من اعتداء على المال العام وثقة المجتمع بالدولة، وليست في استرداد الأموال المنهوبة، على ما في ذلك من واجب وطني وقانوني لا يجوز التهاون فيه.

    ذلك أننا لو افترضنا، جدلا، أن جميع الأموال المسروقة عادت غداً إلى خزينة الدولة، وأن الفساد توقف تماماً، فهل نملك تصوراً وطنياً متكاملاً لما ينبغي فعله بهذه الأموال؟ وهل ستتحول إلى مصانع وجامعات ومؤسسات منتجة واقتصاد قادر على الحياة خارج النفط؟ أم ستدخل في الدورة ذاتها من الرواتب والنفقات والمعالجات المؤقتة، لنعود بعدها إلى السؤال القديم نفسه: أين ذهبت الأموال؟

    أي أن المشكلة ليست في أهمية استرداد المال، بل في غياب المشروع الذي يمنحه وظيفة تاريخية تتجاوز إنفاقه.

    وليست مشكلة العراق في نقص القوانين، فقد تكون الدولة غنية بالتشريعات وفقيرة في القدرة على تحويلها إلى نتائج. وليست في غياب الخطط، فكم من استراتيجية كُتبت، وكم من لجنة شُكلت، دون أن تتحول إلى مسار وطني تراكمي لا يتوقف بتغير الوزير أو الحكومة.

    وليست المشكلة، في جوهرها، في إثبات وطنية هذا المسؤول أو ذاك. فالوطنية، مهما صدقت النيات، لا تتحول تلقائياً إلى كفاءة في بناء الدولة. وقد يكون المرء شديد الإخلاص لوطنه، لكنه لا يمتلك تصوراً لكيفية إدارته أو القدرة على قراءة مستقبله.

    ولعل فيما شهدناه أخيراً من أداء الوزراء «قسم الشرف» مناسبة للتأمل في معنى الأمانة التي تستوجبها مسؤولية الحكم. فالقسم، مهما سمت مقاصده، لا يصنع النزاهة، وإنما يعلن الالتزام بها، ولا يمنح المسؤول كفاءة لم يمتلكها، أو رؤية لم تتشكل في عقله. والأمانة في إدارة الدولة لا تقتصر على ألا يمد المسؤول يده إلى المال العام، بل تمتد إلى ألا يبدد بقصور رؤيته الفرص التي كان يمكن أن تصنع مستقبل شعبه.

    إن العراق لا يعاني فقط من أزمة أداء الدولة، بل من أزمة تعريف وظيفتها.

    لقد انشغلنا طويلاً بالسؤال عن كيفية توزيع السلطة، أكثر من انشغالنا بالغاية التي ينبغي أن تُستخدم السلطة من أجلها. وانشغلنا بمن يحكم، أكثر من انشغالنا بما يجب أن ينجزه الحكم، حتى أصبح المستقبل ضيفاً مؤجلاً على مائدة السياسة العراقية.

    وهكذا نشأت مفارقة بالغة الخطورة: دولة تستطيع إدارة موازنات ضخمة، لكنها لا تستطيع بالقدر نفسه تحويلها إلى قدرة اقتصادية مستقلة. ودولة تستطيع توسيع جهازها الإداري، دون أن توسع إنتاجيتها بالنسبة ذاتها.

    وقد أصبحنا نقيس نجاح الدولة بمقدار ما تنفق، لا بمقدار ما تنتج، وبعدد من تُوظف، لا بعدد الفرص التي يخلقها اقتصادها، وبحجم ما تعلن من مشروعات، لا بمقدار ما تضيفه تلك المشروعات إلى القوة الوطنية بعد عشرين عاماً.

    وهذا يقودنا إلى حقيقة أكثر إزعاجاً: قد تنجح حكومة في تحسين الخدمات وتسديد الرواتب وإنجاز مشروعات مهمة، دون أن تكون قد غيرت الاتجاه التاريخي للدولة. فالإنجاز الحكومي ليس بالضرورة تحولاً وطنيا. فالأول يمكن أن يتحقق خلال دورة انتخابية، أما الثاني فيحتاج إلى عقل يرى ما وراء الدورات الانتخابية كلها.

    ومن هنا، فإن الترهل الأخطر في العراق ليس ترهل المؤسسات وحدها، بل ترهل التفكير في المستويات العليا، حين تصبح إدارة الملفات بديلاً عن صناعة الاتجاهات، والاستجابة للأزمات منهجاً دائماً للحكم.

    فالدولة التي تنتظر أزمة الكهرباء لتفكر في الطاقة، وأزمة المياه لتفكر في الزراعة، وأزمة البطالة لتفكر في الاستثمار، وأزمة الموازنة لتفكر في تنويع الاقتصاد، ليست دولة تفتقر إلى الحلول وحدها، بل دولة تفتقر إلى القدرة المؤسسية على استباق المشكلات.

    فالدولة الناجحة لا تنتظر المستقبل حتى يقع، وإنما تعمل على تشكيل شروطه.

    وهذا هو المعنى الحقيقي لما يمكن تسميته «عقل الدولة».

    وعقل الدولة ليس شخصاً عبقرياً يجلس على قمة السلطة، ولا مجلساً استشارياً يضيف تقارير جديدة إلى أرشيف الدولة، ولا جهازاً بيروقراطياً يحمل اسماً استراتيجياً. إنه منظومة مؤسسية تمتلك القدرة على قراءة التحولات، وتحديد المصالح الوطنية طويلة الأمد، وترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وربط القرار السياسي بالنتيجة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

    ولكن عقل الدولة لا يكتمل حين يعرف إلى أين يريد أن يذهب، بل حين يعرف كيف يعيد بناء العلاقة بين السلطة والاقتصاد والمجتمع ليصبح الوصول إلى تلك الغاية ممكناً.

    وهنا نصل إلى أصل المعضلة العراقية.

    فالدولة التي تعتمد ماليا على مورد ريعي رئيسي، ثم تجعل منه وسيلة لتمويل التوسع المستمر في جهازها ونفقاتها والتزاماتها، تدخل تدريجيا في علاقة معكوسة مع التنمية: أي أن يصبح الاقتصاد مطالبا بتمويل الدولة أكثر مما تصبح الدولة مسؤولة عن تمكين الاقتصاد.

    ومع مرور الزمن، لا يعود الخطر مقتصرا على تقلب أسعار النفط، بل يمتد إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزامات تتزايد باستمرار، بينما تظل مصادر تمويلها محدودة وغير مضمونة. وقد تستطيع عبور أزمة مالية بالاقتراض أو التأجيل أو تخفيض الإنفاق، لكنها لا تستطيع ضمان مستقبلها ما لم تغير الآلية التي تعيد إنتاج الأزمة.

    فالخطر الحقيقي ليس أن تنفد أموال الدولة، بل أن تصبح الدولة أكبر من قدرة اقتصادها على إعالتها.

    ولعل أبلغ تعبير عن هذا الاختلال أن نضع خارطة الوزارات العراقية أمامنا، ثم نسأل: هل إن اتساع الجهاز الحكومي يعني بالضرورة اتساع قدرة الدولة؟

    ليس عدد الوزارات، مهما بلغ، مقياساً بذاته لقوة الدولة أو ضعفها. فالعبرة ليست بحجم الهيكل، وإنما بوظيفته، وبما يستهلكه من موارد، وبما يخلقه من قدرة اقتصادية واجتماعية مستدامة.

    وقد تنجح كل وزارة في أداء اختصاصاتها، بينما تفشل الدولة بمجموع مؤسساتها في تحقيق تحول وطني واحد. ذلك أن ما يقع بين الوزارات قد يكون أهم مما يقع داخل كل وزارة، وأن أخطر فراغ في بنية الدولة ليس المنصب الذي لا يشغله أحد، بل المستقبل الذي لا يتحمل مسؤوليته أحد.

    غير أن المشكلة تتجاوز التنسيق بين الوزارات إلى سؤال أكثر جوهرية: لماذا نفترض أن الدولة ينبغي أن تنتج بنفسها كل خدمة تريد ضمان وصولها إلى مواطنيها، وأن تدير مباشرة كل نشاط تريد تطويره، وأن تمول من موازنتها كل قطاع تريد له أن ينمو؟

    لقد قامت نماذج مؤسسية حديثة على تمييز بالغ الأهمية بين مسؤولية الدولة عن المصلحة العامة، وضرورة قيامها بنفسها بجميع الأنشطة التي تخدم هذه المصلحة.

    فالدولة تستطيع أن تضع السياسات والمعايير، وتحمي المنافسة، وتضمن العدالة، وتنظم الأسواق وتراقب الجودة، بينما تتولى مؤسسات عامة مستقلة أو شركات خاصة أو شراكات منضبطة الاستثمار والتشغيل والإنتاج وتطوير الخدمات.

    ولا يعني ذلك انسحاب الدولة أو التخلي عن مسؤولياتها الاجتماعية، ولا أن الخصخصة علاج سحري للاختلالات، وإنما الانتقال من احتكار التنفيذ إلى حسن توجيهه وضبطه، ومن إدارة التفاصيل إلى ضمان النتائج.

    فقد تبقى بعض القطاعات مملوكة للدولة لدواعٍ سيادية أو اجتماعية، لكن ملكيتها لا تستوجب إدارتها بعقلية الدائرة الحكومية. ويمكن للمؤسسة العامة أن تعمل باستقلال مهني ومالي، وتخضع لمحاسبة صارمة، وتستثمر إيراداتها في تطوير خدماتها، بدلاً من أن تكون توسعاتها وأعباؤها رهينة الاعتمادات السنوية للموازنة.

    وهنا يكمن التحول الذي يحتاجه العراق: من دولة تُنفق لكي تستمر مؤسساتها، إلى دولة تبني مؤسسات تستطيع أن تستمر وتتطور دون أن يبقى تمويلها عبئاً دائماً على الخزينة العامة.

    غير أن هذا التحول لا يتحقق بتغيير الأسماء أو تحويل الدوائر إلى شركات على الورق. فالمؤسسة التي لا تستقل في قرارها، ولا تُحاسب على نتائجها، ولا تخضع لقواعد حوكمة معلنة، ستعيد إنتاج اختلالات الإدارة القديمة ولو اكتسبت شكلاً قانونياً جديداً.

    وليست الغاية نقل الامتيازات من مؤسسة حكومية إلى احتكار خاص، أو من نفوذ إداري إلى نفوذ اقتصادي. فالتحول الحقيقي يقتضي حماية حقوق العاملين والمستهلكين، وفتح فرص الاستثمار وفق قواعد عادلة، والتمييز بين المصالح المشروعة والامتيازات التي تعطل المنافسة وتستنزف المال العام.

    وهذه إحدى الوظائف الأهم لعقل الدولة: ألا يكتفي بمعرفة ما ينبغي فعله اقتصادياً، بل أن يمتلك القدرة السياسية والمؤسسية على جعل فعله ممكناً، ضمن انتقال منظم يراعي الواقع الاجتماعي دون أن يستسلم لاختلالاته.

    وإذا كان العراق يريد الخروج من أسر الاقتصاد الريعي، فلا يكفي أن يبحث عن موارد إضافية للموازنة، لأن تنويع الإيرادات ليس بالضرورة تنويعاً للاقتصاد. فقد تستطيع الدولة زيادة جبايتها ورسومها، وتبقى القاعدة الإنتاجية ضعيفة، والقطاع الخاص تابعاً للإنفاق الحكومي.

    إن التنويع الحقيقي لا يبدأ حين تجد الدولة مصادر جديدة لتحصيل الأموال، بل حين يصبح المجتمع قادراً على إنتاج ثروة لا تتوقف على ما تنفقه الدولة.

    وهنا ينبغي أن تتغير فلسفة التخطيط نفسها.

    فبدلاً من أن تبدأ الدولة بالسؤال عن احتياجات الوزارات من المخصصات، ينبغي أن تبدأ بالسؤال عن القدرات الوطنية التي تريد امتلاكها خلال عشرين عاماً، وعن المؤسسات والاستثمارات والتشريعات اللازمة لبنائها، ثم تعيد ترتيب الموارد والمسؤوليات على هذا الأساس.

    ولا ينبغي أن يكون معيار نجاح وزارة الصناعة حجم إنفاقها، أو وزارة التعليم عدد خريجيها، أو وزارة النقل أطوال الطرق التي أنجزتها، بل ما أضافته هذه القطاعات مجتمعة إلى القدرة الإنتاجية والتنافسية والمعرفية للاقتصاد العراقي.

    وبذلك تصبح الموازنة أداة لبناء القدرات، لا مجرد سجل لتمويل الالتزامات، ويصبح التخطيط اختياراً واعياً للمستقبل، لا مجرد توزيع محسّن لموارد الحاضر.

    ولكيلا يبقى هذا الكلام دعوة فكرية أخرى، فإن العراق يحتاج إلى عقد وطني للمستقبل، تتفق فيه القوى السياسية على المصالح العليا التي لا يجوز أن يظل مصيرها رهينة الخلافات الانتخابية، وتُترجم إلى نتائج وطنية واضحة تخضع للمراجعة والمساءلة عبر الحكومات المتعاقبة.

    وقد تكون البداية بإعادة هندسة الصلاحيات القائمة، والفصل الواضح بين من يضع السياسة، ومن ينظم النشاط ويراقبه، ومن يستثمر وينتج ويشغّل، ومن يتحمل المسؤولية عن النتيجة النهائية. وهذا لا يستوجب بالضرورة استحداث وزارات أو هيئات جديدة، بل إعادة بناء المؤسسات القائمة على أساس الاستقلال والكفاءة والمساءلة، وإطلاق قدرات المجتمع الاقتصادية التي ظلت طويلاً أسيرة انتظار القرار الحكومي والتمويل العام.

    ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بسؤال: كيف نمول الدولة كما هي؟ بل بسؤال مختلف تماماً: أي دولة يستطيع العراق تمويلها بصورة مستدامة، وأي اقتصاد ينبغي بناؤه لكي تصبح الدولة أكثر قدرة وأقل اعتماداً على الريع؟

    إننا بحاجة إلى ما يمكن تسميته «مبدأ العائد الحضاري للقرار العام»، بحيث لا يُقاس القرار الحكومي بما يحققه من أثر مباشر وحده، بل بما يضيفه إلى قدرة العراق على التطور خلال جيل كامل.

    فالجامعة لا ينبغي أن تُقاس بعدد خريجيها فقط، بل بما تنتجه من معرفة ومهارات. والاستثمار لا يُقاس بحجم الأموال الداخلة إلى البلاد وحده، بل بما يؤسسه من قدرة إنتاجية متجددة. والعلاقة الخارجية لا تُقاس بعدد الزيارات والاتفاقيات، بل بمقدار ما تضيفه إلى استقلال القرار الوطني واتساع الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية.

    وعندئذ تتغير المساءلة نفسها.

    فنحن نحاسب المسؤول على الأموال التي أُهدرت، والمشروعات التي تعثرت، والقرارات التي خالفت القانون. ولكن من يقيس الفرص الوطنية التي ضاعت؟ والصناعات التي لم تنشأ؟ والقدرات التي كان يمكن امتلاكها؟ والعقود التي انقضت دون أن تتحول الموارد إلى قوة؟

    فقد لا تكون الخسارة الكبرى للدولة فيما أضاعته من أموال، بل فيما أضاعته من إمكانات كان يمكن أن تغير تاريخها.

    إن العراق لا يفتقر إلى العقول، ولا إلى الموارد، ولا إلى الموقع، ولا إلى التاريخ. لكنه يحتاج إلى عقل مؤسسي يجعل هذه العناصر تعمل معاً، وإلى فلسفة حكم تحرر الدولة من الاعتقاد بأنها مطالبة بفعل كل شيء بنفسها لكي تكون مسؤولة عن كل شيء.

    فالدولة القوية ليست تلك التي تتسع مؤسساتها حتى تضيق المساحة أمام مجتمعها واقتصادها، بل تلك التي تتسع قدرة مجتمعها واقتصادها بفضل مؤسساتها.

    ولهذا فإن المعركة الكبرى في العراق ليست معركة الأشخاص، وإن كان الأشخاص مسؤولين عن قراراتهم، وليست معركة الأحزاب، وإن كانت الأحزاب مسؤولة عن خياراتها، وليست حتى معركة الفساد وحده، مهما بلغت ضرورة مواجهته.

    إنها معركة الانتقال من عقلية إدارة الدولة إلى عقلية بناء الدولة، ومن اقتصاد يمول بقاء الحكومة إلى حكومة تصنع الشروط لنمو الاقتصاد.

    من دولة تنشغل بكيفية توزيع ما تملك، إلى دولة تعرف كيف تضاعف ما يستطيع مجتمعها إنتاجه.

    ومن موازنات تمول استمرار المؤسسات، إلى مؤسسات تخلق موارد جديدة وتخفف الأعباء عن الموازنات.

    ومن حكومات تبدأ برامجها عند تسلم السلطة، إلى مشروع وطني تتنافس الحكومات في تطويره، لا في هدم ما سبقها.

    فالعراق لا يحتاج إلى من يقنع العراقيين بأنه بلد عظيم. لقد سمعوا ذلك بما يكفي.

    إنه يحتاج إلى دولة تستطيع أن تحول عظمته من ذاكرة تاريخية إلى حقيقة معاصرة.

    والسؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل من يتولى مسؤولية عامة ليس فقط: ماذا أنجزت خلال ولايتك؟

    بل سؤال آخر أشد عمقاً:

    ما الذي أصبح العراق قادراً على فعله بعد رحيلك، ولم يكن قادراً على فعله قبلك؟

    ذلك هو المقياس الذي يميز بين من شغل موقعاً في الدولة، ومن أسهم في بناء الدولة.

    وربما تبدأ نهضة العراق الحقيقية يوم نتوقف عن البحث عن الرجل الذي يستطيع إدارة أزماتنا، ونبدأ ببناء الدولة التي لا يتوقف مستقبلها على وجود أي رجل.

    اقرأ ايضاً