علي رستمي/ باحث في العلاقات الدولية والاستراتيجية
لم تعد السياسة الخارجية السعودية تُقرأ من زاوية التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة الأمريكية أو الخصومة الممتدة مع الجمهورية الإيرانية وحدهما. فخلال سنوات قليلة، انتقلت الرياض من موقع الدولة التي تتكيّف مع معادلات إقليمية ضاغطة إلى موقع الفاعل الذي يسعى إلى إعادة تشكيل تلك المعادلات بما يخدم مشروعه الوطني ويعزّز مكانته الدولية.
فلم تعد واشنطن تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه مركز الثقل الأول في استراتيجيتها العالمية، كما لم تتراجع طهران عن توظيف شبكات نفوذها الإقليمية، في حين بات نجاح التحول السعودي مرتبطاً ببيئة إقليمية أقل اضطراباً وأكثر قابلية للتنبؤ. ومن هنا برز السؤال المركزي: كيف تحمي المملكة مشروعها الداخلي من دون الارتهان لمنطق المحاور أو الوقوع في فخ المواجهة الدائمة؟
تنطلق هذه المقالة من أن الإجابة السعودية تمثلت في تبني سياسة خارجية أكثر استقلالاً وبراغماتية: تحالف مع الولايات المتحدة من دون ارتهان، وتهدئة مع إيران من دون تسليم، وانفتاح على القوى الكبرى من دون اصطفاف. وبذلك، لم تعد الرياض تتعامل مع التنافس الأمريكي–الإيراني بوصفه قدراً جيوسياسياً يحدد خياراتها، بل بوصفه معطًى تسعى إلى إدارته وتقليص كلفته على أمنها ومسارها التنموي، بما يعزز موقعها بوصفها قوةً موازِنةً تسهم في إعادة تعريف دورها ومكانتها في النظام الإقليمي.