د. مهند حميد الراوي / دكتوراه في العلوم السياسية/ الاستراتيجية
يرتكز الاقتصاد العالمي في جوهره على البحار، فمحيطات العالم اليوم ليست مجرد ممرات للتجارة الدولية، بل هي ساحات جيوسياسية تشهد تنافساً محتدماً، حيث يحدد التدفق المستمر لإمدادات الطاقة العالمية موازين القوى. وفي صلب هذا التنافس الاستراتيجي المعاصر، تبرز الممرات البحرية الحيوية الضيقة — مثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز وقناة السويس — باعتبارها الشرايين الحيوية لنقل الهيدروكربونات عالمياً. ومع تزايد المخاطر غير المتكافئة وتصاعد التنافس بين القوى العظمى التي تهدد مسارات النقل هذه، باتت الدبلوماسية البحرية وأطر العمل الأمني متعددة الأطراف تحتل صدارة المشهد.
ففي ظل حقبة تتسم بالصراعات المحلية وسلاسل التوريد المعولمة، يرتبط أمن الطاقة والسيادة البحرية ارتباطاً وثيقاً لا انفصام فيه، وقد أدى هذا الواقع مؤخراً إلى تشكيل وتفعيل تحالفات بحرية جديدة، أبرزها “تحالف حارس الازدهار” و”تحالف الدفاع البحري”. ورغم أن كلا الإطارين يهدفان ظاهرياً إلى تعزيز الاستقرار وتأمين الممرات المائية الحيوية، إلا أنهما ينطلقان من مهام استراتيجية متباينة، واصطفافات جيوسياسية مختلفة، ورؤى متفاوتة للنظام الإقليمي، مما يحوّل المجالات البحرية الرئيسية إلى ما يشبه “رقعة شطرنج” معقدة، حيث يصبح الدفاع عن ممرات الطاقة — في آن واحد — إجراءً حمائياً وأداة لتحقيق نفوذ استراتيجي.
وفي ظل ترابط أمن الطاقة، يخلق التقاء هذين التحالفين بيئة أمنية محفوفة بالمخاطر، إذ لم يعد أمن الطاقة مقتصراً على استخراج وإنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال فحسب، بل أصبح يعتمد اعتماداً كبيراً على النقل الآمن والمتواصل لهذه الموارد من المنتجين إلى المستهلكين. فعندما يعمل تحالف حارس الازدهار وتحالف الدفاع البحري في مناطق عمليات متداخلة — كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب — فإن استراتيجياتهما تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.




