تمكّنت فرنسا فيما مضى من الحصول على مكانة مرموقة، تتمثّل بتكوين دولة ذات سيادة حرة، أدّت فيها القيم الجمهورية إلى أن تكون مصدر إلهام لشعبها، بعدما رسخت في دستورها مفردات الديمقراطية مثل: الحرية، والمساواة، والإخاء. وكان لدى فرنسا فيما مضى امتياز اختيار القرارات السياسية الخاصة بها، ولكن بسبب العولمة، ومع تقارب دول العالم تعرضت المناورات السياسية الفرنسية لكثيرٍ من السخرية السياسية.

إن السياسات المذكورة في كتاب (en même temps) (في الوقت نفس)، جعلت الجمهورية الخامسة تتصارع مع التطورات الاجتماعية والسياسية المتوقعة منها؛ فاليوم تواجه فرنسا واقع مرحلة ما بعد تنظيم داعش، ومواجهة الأخطاء المرتكبة في الماضي.

يقول جون بيير فيليو أستاذ الدراسات الحديثة بالشرق الأوسط في العلوم، في مقال نشر في موقع المحادثة (The Conversation): إن على فرنسا الاستمرار في اللجوء إلى المبادئ الأخلاقية كاستراتيجية في مواجهتها مع العالم العربي، وعرض قيم الحزب الجمهوري في الوقت نفسه.

وكتب: “الأخلاق هي سلاح استراتيجي حقيقي لفرنسا، وينبغي للدولة أن تتأكد من عدم التخلي عنها في تعاملها مع الأنظمة الاستبدادية، ولاسيما في مواجهة العالم العربي. غير أنه يتعيّن على الجمهورية فرض نفسها إلى أبعد من حدودها السياسية الداخلية من خلال الالتزام بتلك المبادئ التي حددت هويات المواطنين الفرنسين، في الوقت الذي ستحافظ على سلامة كل من مؤسستنا، وإحساسنا بالهوية الوطنية”.

ويشير البروفيسور فيليو هنا إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي المعضلة التي قد تتجرّأ كاتبة المقال فيه على القول إنها -في الواقع- أعراض جانبية لعصرنا السياسي النامي، وهي: الانقسام الاجتماعي-السياسي. وفي حين أن معظم العواصم الغربية كانت متمسكة بقيمها الديمقراطية، إلّا أنّها قد لجأت إلى النظم القمعية باسم البراغماتية؛ كي تتماشى مع العديد من الانتقادات التي كانت تدعو الحكومات للتخفيف من تناقضاتها.

قال الكاتب فولتير: “أولئك الذين باستطاعاتهم أن يجعلوك تصدِّق بالخرافات، فبإمكانهم أن يجعلوك ترتكب أعظم الفظائع”، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود ساندت فرنسا الطغاةَ، ومجرمي الحرب، والأنظمة الدنيئة، ويتفق الجميع على أنَّ رئيس النظام البعثي في العراق صدام حسين يعدُّ مثالاً واضحاً لجميع تلك الصفات تحت مسمّى السياسة الواقعية، التي تعرف باسم “أهون الشرين” لدى فئة المثقفين الفرنسيين. لقد ساندت فرنسا تلك الأنظمة لتتمكن فيما بعد من تعزيز قدرتها في ممارسة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط الكبير، ولم تدرك فرنسا أنه في سعيها نحو تحقيق ذلك قد أدّى إلى خلق الوحش الذي أرادت القضاء عليه المتمثّل بـ(التطرُّف الديني المحلي)، وهي مفارقة لهذا البلد الذي لطالما سعى نحو إرساء العلمانية إلى أن تكون أساساً وطنياً.

لقد بدأ كل ذلك في عام 1983 من اعتقاد فرنسا بأن العقود العراقية المربحة في عهد صدام حسين كانت تعارض التمكين الديمقراطي الإيراني؛ وبالتالي فتحت أبواب ظهور الإرهاب في الداخل. وفي ذلك الوقت افترض المنطق الفرنسي أن الموافقة على سياسة القمع التي اتبعها صدام كانت أكثر استساغة من ادعاءات أمريكا بأن الجمهورية الإسلامية في إيران سوف تبدِّد أي أمل غربي بمد نفوذه في المنطقة؛ وهو ما شكّل نقطة انطلاق لفرنسا في الطريق الطويل من الانقسام السياسي، والفصام الاجتماعي.

يقول البروفيسور فيليو: “لمْ يؤدِّ استعمال صدام حسين للأسلحة الكيميائية ضد الأكراد في عام 1988 إلى دفع فرنسا بإعادة التفكير بالطُعم الجديد الذي عُثِر عليه لتنفيذ الواقعية السياسية”. وتحقيق مثل هذه الواقعية لم يجعل فرنسا تتحصّل على بعض العقود المربحة فحسب، بل إنه أثّر سلباً على سلامة مؤسساتها، ومكانتها داخل المجتمع الدولي.

إن مستقبل فرنسا في الشرق الأوسط -ولاسيما في العراق- سيحدده قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على التوفيق بين الجمهورية وقيمها الأساسية، وإصلاح الطبيعة السياسية المشوهة في تعاملها مع العراق والنظام الجديد للمنطقة.

ويعدُّ التأريخ خير درس لفرنسا بأن قصر النظر السياسي واللا أخلاقي يؤديان إلى إحداث كوارث مالية وعسكرية كبرى، إذ يتذكر المرء كيف انقلب نظام صدام في عام 1990 على “شركائه”؛ مما أدّى إلى إحداث كارثة بالنسبة لفرنسا؛ الأمر الذي اضطرت فيه باريس إلى المشاركة في قصف البنى التحتية التي شاركت في بنائها بالعراق مع واشنطن ضد نظام صدام؛ إلا أنّ هناك بعض الدروس من الصعب تعلمها، حتى وإن شعرت بها.

وفي عام 1991 اختارت فرنسا مساندة صدام حسين مقابل إيجاد عراق محرر مخالفة بذلك “الأخلاقيات السياسية” التي تدعو إليها، ولم تقتنع فرنسا مرة أخرى في عام 2003 بسقوط النظام، وما تبع ذلك من ظهور تنظيم داعش المتطرف في أن تتخلى عن تدخلها لصالح التمكين السياسي.

إلّا أنَّ مفترق الطرق الذي وصلت إليه فرنسا اليوم يدفعها نحو التعلم من أخطاء الماضي، وأخذها بالحسبان في إصلاح الأنماط القديمة.

ومن شأن الكيفية التي تعامل فيها الرئيس ماكرون مع تهديدات التطرف الجهادي بعد داعش لسلامة الأراضي الفرنسية أن تحدد السلوكيات التي ستتبعها باريس نحو العالم العربي، وكما قال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح: “سيتحتم على ماكرون أنْ يتعلم الرقص على رأس الثعابين إذا أراد لفرنسا أن تقاوم المد السياسي القادم”. ويقول أجنس ليفالويس -نائب رئيس معهد البحوث والدراسات الشرق أوسطية-: “على ماكرون أن يحدّد “المصير الفرنسي”.

لقد لعب ماكرون مع التيار وضده، بين مؤيد ومعارض فيما يخصُّ السياسة الخارجية التي اتبعها تجاه كل من لبنان وسوريا وفلسطين، فضلاً عن العراق وإيران؛ وذلك كي يتمكن من أن ينشر نفوذه في المنطقة التي فقد السيطرة عليها منذ مدة طويلة بسبب المخاوف من رفع مستوى طموحات الهيمنة الأمريكية.

ولكن ما الثمن الذي قد تضطر فرنسا إلى دفعه من خلال تصميمها -عن قصد أم لا- للتطرُّف الراديكالي؟ إذ مع عودة “الجهاديين” الفرنسيين إلى بلادهم، فإن العلامة التجارية الخاصة بالبراغماتية الخاصة بباريس قد تكون أمراً مكلفاً للغاية.

إن عدم استعداد فرنسا الآن في ترسيخ “سياسيتها” ضمن الواقع الاجتماعي السياسي الجديد في المنطقة يعدُّ مراعاة لتطلعات الدول، والمبادئ التي أعلنتها الجمهورية الفرنسية الخامسة سابقاً (السيادة وحق تقرير المصير السياسي).

إلا أنَّ ارتكاب الأخطاء في الماضي لا يعني أن علينا فقدان الأمل، إذ بإمكان المراقب للوضع السياسي في المنطقة أن يرى أن في إنقاذ الرئيس ماكرون لسعد الحريري من براثن المملكة العربية السعودية، و”دفاعه” عن مستقبل الانتخابات في العراق رغبةَ فرنسا -إن لم تكن حاجة ملحة- في القيام بفعل سياسي كبير مغاير “للسخافات” الماضية.