تشهد منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي تحولاتٍ استراتيجيةً متسارعةً أعادت رسم خرائط النفوذ والتوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة غير مسبوقة. فخلال السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقات بين الدول تُقاس فقط بمستوى التمثيل الدبلوماسي أو حجم التبادل التجاري، بل أصبحت محكومةً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيها مشاريع الربط الإقليمي مع صراعات النفوذ الدولي، في ظل بيئة جيوسياسية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين. وقد ازدادت هذه التحديات حدةً مع تداعيات “حرب الأربعين يوماً” بين التحالف الأمريكي–الإسرائيلي وإيران، وتصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي المخاطر التي تهدد أمن الممرات المائية وسلاسل الإمداد العالمية، فضلاً عن اشتداد التنافس بين المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية المطروحة في المنطقة.
وفي قلب هذه المعادلات يقف العراق بوصفه دولةً محوريةً تمتلك موقعاً جغرافياً حيوياً، وموارد اقتصادية مهمة، وعمقاً تاريخياً واجتماعياً يمتد إلى محيطه الخليجي. غير أن هذه المكانة لم تتحول بعد إلى شراكة استراتيجية متكاملة مع دول الخليج، على الرغم من الفرص الكبيرة التي تتيحها المصالح المشتركة والتحديات المتقاربة. لذلك، ما زالت العلاقات العراقية–الخليجية تتأرجح بين الرغبة في التعاون ومتطلبات الواقع السياسي والأمني، وبين الطموحات الاقتصادية الكبرى والإرث التاريخي للتصورات المتبادلة، التي ما زالت تؤثر، بدرجات متفاوتة، في مسار بناء الثقة والشراكة. ومن هنا تتفرع مجموعة من الأسئلة الفرعية الجوهرية المرتبطة بإشكالية الدراسة، ومنها:
- كيف تؤثر التصورات الذهنية المتبادلة، السياسية والشعبية، بين العراق ودول الخليج في سرعة واتجاه بناء العلاقات الثنائية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر؟
- في ظل الاستقطاب الإقليمي الراهن وتعدد محاور الصراع، كيف يمكن للعراق ودول الخليج تحييد علاقاتهما الثنائية، ومنع تأثرها بالضغوط الإقليمية والدولية؟
- كيف أثرت التهديدات الأمنية الأخيرة للممرات المائية وطرق التجارة في المنطقة في الرؤية الخليجية لموقع العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً بديلاً أو مكملاً (الربط السككي، وطريق التنمية)؟
- ما هي “خارطة الطريق” الواقعية لتفكيك أزمة التكامل الاقتصادي؟ وما هي القطاعات الناشئة (مثل التكنولوجيا، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي) التي يمكن أن تبدأ منها الشراكة، بعيداً عن تعقيدات ملف الطاقة التقليدي؟
- كيف يمكن لدبلوماسية المسار الثاني، ممثلةً بالمراكز البحثية، والنخب الأكاديمية، والتبادل الثقافي، أن تسهم في تقريب وجهات النظر، وتقديم حلول مرنة لصناع القرار في الجانبين؟
ومن رحم هذه الأسئلة، يبرز الحديث عن التكامل بين العراق ودول الخليج لا بوصفه خياراً مؤجلاً، بل ضرورةً استراتيجيةً تفرضها طبيعة التحديات الراهنة. فالتغيرات في أسواق الطاقة العالمية، والتوجه نحو تنويع الاقتصادات الوطنية، والمنافسة على الممرات التجارية الدولية، ومشاريع الربط البري والبحري والسككي، جميعها عوامل تدفع نحو البحث عن صيغ جديدة للتعاون تتجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية، وتتجه نحو بناء فضاء إقليمي أكثر ترابطاً وقدرةً على مواجهة الأزمات. إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تشخيص التحديات فحسب، بل في القدرة على تحويل التحولات الجيوسياسية الراهنة إلى فرص للتقارب والتكامل، وبناء نموذج من الشراكة الإقليمية يقوم على المصالح المتبادلة، والتنمية المشتركة، والاستقرار طويل الأمد. ومن أجل أن تمضي هذه الدراسة في مقاربة الإشكالية على نحو أكثر اتساقاً، فقد كُتبت أساساً بالاستناد إلى مخرجات الجلسة الحوارية التي عقدها مركز البيان للدراسات والتخطيط حول العلاقات العراقية–الخليجية، في 20 حزيران 2026. وتمثل الأفكار الواردة فيها خلاصةً للنقاشات المطروحة في الجلسة، بعد إعادة تنظيمها وتطويرها، وإضافة ما يلزم من معالجة علمية وبحثية لأغراض الدراسة.




