فاعلية المراكز الفكرية في صناعة القرار العراقي
د. منتصر صباح الحسناوي
كنتُ يوماً مع عدد من مسؤولي المراكز الفكرية والثقافية في أمسية رمضانية بضيافة أحد رؤساء الوزراء السابقين، وخلال الحديث عن أهمية النخب ودورها في الدولة والمجتمع، قال: “أين هم النخب؟”.
أثارت العبارة استغراب الحاضرين، لأن عدداً ممن كانوا يجلسون أمامه يديرون مراكز تعمل في قضايا فكرية وثقافية ومجتمعية، وتنتج دراسات، وتعقد ندوات وورشاً تتناول مشكلات حقيقية في العراق. كان رد أحد الحاضرين واضحاً في لفت نظره إلى أن جانباً من هذه النخب موجود أمامه، فاستدرك رئيس الوزراء ما قاله، وانتهى الموقف عند ذلك الحد.
إلا أن السؤال بقي حاضراً في ذهني، لأنه يكشف جانباً من العلاقة غير الواضحة بين أصحاب القرار والمراكز الفكرية والثقافية في العراق. فإذا كان المسؤول يلتقي رؤساء هذه المراكز، ويحضر بعض ندواتها ومؤتمراتها، ويستمع إلى ما يُعرض فيها من أفكار وتوصيات، فلماذا تبقى تلك المراكز غائبة عندما تبدأ المؤسسة بصياغة قراراتها وبرامجها؟
وهل عدم حضورها في صناعة القرار ناتج عن أن المسؤول لا يعرف حجم ما تنتجه، أم أن المؤسسة لا تملك أصلاً قناة تستفيد من هذا الإنتاج، أم أن هناك من لا يريد للمعرفة المستقلة أن تدخل في القرار وتفرض عليه المراجعة والتفسير؟
هذه الأسئلة تمثل المدخل الحقيقي لمناقشة فاعلية المراكز الفكرية، لأن الفاعلية تقاس بمدى قدرة المركز على تحويل معرفته بالمشكلة إلى خيار يمكن أن تتبناه المؤسسة، وبمدى استعداد المؤسسة للاستماع إلى هذا الخيار ودراسته وإدخاله في برامجها، ثم متابعة تنفيذه وقياس أثره، لا بعدد الأنشطة ولا بحضور المسؤولين فيها.
ولذلك، فإن الحديث عن المراكز ينطلق من موقعها في دورة القرار العراقي، ولا سيما أن بعضها يعرف تفاصيل مشكلات المجتمع أكثر من جهات رسمية بعيدة عن الميدان، إلا أن وجود هذه المعرفة لا يعني بالضرورة أنها تصل إلى الجهة التي تحتاجها، ولا أنها تقدم لها بالصيغة والوقت المناسبين. وهذه هي الإشكالية التي يحاول هذا المقال وضعها في إطار موضوعي، بعيداً عن المبالغة في دور المراكز أو التقليل منه.
ويقصد بالمراكز الفكرية هنا المؤسسات التي يتصل جانب أساسي من عملها بتحليل القضايا العامة وإنتاج الدراسات والبدائل والتوصيات التي يمكن أن تستفيد منها مؤسسات الدولة. أما المراكز الثقافية التي تنحصر وظيفتها في تنشيط الحوار، أو حفظ الذاكرة، أو رعاية الفنون، وحماية التنوع الثقافي، فإن أثرها مهم، لكنه لا يُقاس بالضرورة بمدى دخولها المباشر في صناعة القرار.