د. مهند حميد الراوي / دكتوراه في العلوم السياسية/ الاستراتيجية
بعد الحرب العالمية الثانية، ابتعدت اليابان عن المقاربات القائمة على القوة في المعادلتين الإقليمية والدولية، وصمّمت مؤسساتها وفق هذا التوجه، إلا أن بيئة الصراعات والمنافسة العالمية دفعتها مؤخراً إلى تغيير مقاربتها المؤسسية، إذ صادق البرلمان الياباني (الدايت) رسمياً على مشروع قانون تاريخي تقدمت به رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي (Sanae Takaichi)، والذي يُحدث تحولاً جذرياً في رؤية اليابان الاستخباراتية، عبر مركزية الموارد المخصصة للعمل الاستخباراتي وزيادتها. وبموجب القانون الجديد، ستقوم اليابان بتوحيد الأنشطة الاستخباراتية التي كانت تُدار سابقاً بشكل متفرق بين الشرطة ووزارتي الخارجية والدفاع، ضمن إطار موحد تحت اسم مجلس الاستخبارات الوطني (National Intelligence Council). ويتوقع أن تسعى اليابان، من خلال هذه الخطوة، إلى تحديث قدراتها الاستخباراتية الاستراتيجية لمواجهة تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، إضافة إلى التهديدات القادمة من كوريا الشمالية، مما يعني أن اليابان تعود تدريجياً إلى ساحة القوة العالمية.
وفقاً لمنظورات أكاديمية، فقد أدى التحول نحو التعددية القطبية، الذي يتسم بتزايد نفوذ الصين، واضطرابات كوريا الشمالية، وهشاشة سلاسل التوريد العالمية، إلى جعل نموذج الاستخبارات اللامركزي في اليابان متقادماً، فالمعلومات المجزأة تعيق اتخاذ القرارات السريعة على أعلى المستويات. ولتحويل قوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى نفوذ جيوسياسي حقيقي، تحتاج اليابان إلى قيادة استخباراتية موحدة. وقد تُوِّج هذا التوجه، تاريخياً، في 27 مايو/أيار 2026، عندما سنّ البرلمان الياباني رسمياً قانوناً بإنشاء مجلس الاستخبارات الوطني وذراعه العملياتي، مكتب الاستخبارات الوطني. ويتولى المجلس، برئاسة رئيس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء الرئيسيين، تنسيق جميع المعلومات الاستخباراتية بين الوزارات الحكومية بصورة شاملة. وتهدف هذه المركزية إلى حماية التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وتطبيق إجراءات أمنية اقتصادية صارمة، وتمكين اليابان من تبادل المعلومات الاستخباراتية عالية المستوى مع حلفائها على قدم المساواة.




