د. منتصر صباح الحسناوي
مشهدٌ طالما تكرر أمامنا حتى أصبح مألوفاً إلى درجة أننا لم نعد نتوقف عنده كثيراً. يجلس عدد من الأشخاص في مجلس، ويتحول الحديث إلى اسم معروف؛ مسؤول، أو سياسي، أو تاجر، أو شيخ عشيرة. تتكرر القصص بالنقد وعدم القبول عن طريقة جمع المال، أو استغلال النفوذ، أو المبالغة في الإنجازات، أو كثرة الوعود التي لم تتحقق، أو التناقض بين الخطاب والسلوك. ولا يبدو أن أحداً يدافع عنه فغالباً ما يكون هناك شبه اتفاق بين الحاضرين على هذا التوصيف.
ثم يحدث ما يستحق التأمل. يدخل الرجل نفسه إلى المجلس، فتتغير نبرة الحديث، وتُحفظ الألقاب، ويُفسح له المكان، ويقف بعضهم لاستقباله، ويحرص آخرون على السلام عليه، ويُستمع إلى حديثه باهتمام، وربما يطلبون التقاط صورة معه، ليخرج من المجلس أكثر احتراماً مما دخل إليه.
ما الذي حدث؟ هل اكتشف المجتمع، خلال لحظات، أن كل ما كان يتداوله غير صحيح؟ هل تبدلت الوقائع؟ أم أن ثمة قوة أخرى تعمل داخل المجتمع، تجعل الإنسان يفصل بين ما يعرفه عن الشخص وبين الطريقة التي يتعامل بها معه؟
هذه المفارقة لا ترتبط بشخص بعينه، ولا بفئة اجتماعية محددة، وإنما تكشف عن آلية أعمق في تشكيل الأحكام الاجتماعية، وهي الآلية التي تجعل الانطباع ينافس الحقيقة، وربما يتقدم عليها أحياناً. يميل الإنسان، بطبيعته، إلى الاعتقاد بأن أحكامه تصدر عن العقل والمنطق، وأنه يزن الأشخاص بميزان واحد. لكن علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي يقدمان صورة مختلفة، فالإنسان يتعامل مع الوقائع ومؤثراتها من خلال منظومة من الرموز والإشارات والانطباعات التي تتكون لديه عبر الزمن. فالكرم، والتدين، والمال، واللقب، والمضيف، والزي، والعلاقات، والصور، والحضور الإعلامي. كلها تتحول إلى رموز تحمل معاني تتجاوز حقيقتها المباشرة.




